أعلنت الحكومة اللبنانية، في باريس 4، أنها تشاطر الدائنين قلقهم من ارتفاع مستوى ديونها، ورأت أن «الدائنين محقون»، وأن لديهم سبباً وجيهاً لإبداء القلق! ولذلك، لكي تبدّد قلقهم، سطّرت تعهّداً خطياً إليهم (رؤية الحكومة اللبنانية للاستقرار والنمو وفرص العمل)، تجدد فيه التزام عدم اللجوء إلى أي خيار يمكن أن يخفض أرباحهم وأصولهم، وتؤكّد لهم أنها ستواصل تسديد فوائد سنداتهم واستحقاقاتها وفق الشروط القائمة، من دون أي تغيير أو تعديل، ومهما كانت الظروف ومهما بلغت الكلفة. وذكّرتهم في هذا السياق بالحقيقة المرّة، «أن سجل الحكومة في ما يتعلق بالوفاء بالتزامات ديونها لا تشوبه شائبة. لقد تمّ الوفاء بهذه الالتزامات بشكل دائم، وحتى في أحلك ظروف الحرب والأزمات. لم يحصل لبنان قَطّ على إعفاء من الديون. لم تتم إعادة جدولة ديون لبنان الرسمية. كما لم تتم إعادة جدولة ديونه غير الرسمية أو الضغط بأي طريقة من الطرق على المقرضين من القطاع الخاص. لم يتعرض الدائنون لقصّ الشعر. لبنان لا يسمح على الإطلاق بأن يتلطخ بهذا الأداء». قدّمت الحكومة تعهدها الجديد بوصفه من «المسلّمات» و«الثوابت»، أو كأنه أمر «أخلاقي» يتعلق بـ«الوفاء والالتزام». فهل الأمر كذلك حقاً؟ في ما يأتي شروح موجزة لما يحصل في «الأسواق»، عادة عندما يكون المدين عاجزاً عن مواصلة الدفع ويكون الدائن مهدداً بالخسارة:


«إن الأمّة لم تصبح أفقر بقرش واحد عند انفجار فقاعات صابون رأس المال النقدي الاسمي هذا».
كارل ماركس - رأس المال - المجلد الثالث


دين الدولة ليس إلا رأس مال خيالياً وهمياً، ليس فقط لأن الدَّين الأساسي نفسه سبق أن استُهلك، أنفقته الدولة (ربما منذ سنوات بعيدة)، وبالتالي لم يعد له وجود إلا على الدفاتر، بل أيضاً لأنه، كما بيّن ماركس، لم يُنفق أو يُوظَّف في قيمة تصون نفسها ذاتياً، بمعنى أنه لم يتحوّل إلى رأس مال حقيقي أو ثروة فعلية إضافية. لذلك، إن «ثروة أمة من الأمم تظل على حجمها تماماً، سواء قبل هبوط قيمة سندات دين الدولة أو صعودها، أو بعده».
هذا ما يجدر معرفته كبداية: إن الدين، عموماً، لا يخلق الثروات، بل يعيد توزيعها فقط، وهنا تكمن الحركة الخاصة «السحرية» لرأس المال الخيالي، أي في قدرته على الإيهام بـ«أن النقد يخلق نقداً»، فيما هو، في الواقع لا يخلق شيئاً، بل يستحوذ على قسم مهم من فائض القيمة الذي ينتجه الآخرون في الاقتصاد من دون أن يقدّم لهم أي مقابل، وهو بذلك ينتزع حصة معتبرة من الثروة والدخل على حساب جميع المنتجين والعمّال وسائر الأسر المعيشية.
هذا ما تؤكّده التجربة اللبنانية بين عامي 1992 و2017، وهي تمثّل تاريخ الدَّين اللبناني كلّه. لقد ارتفع دين الدولة (الحكومة ومصرف لبنان) من 3 مليارات دولار إلى 138 مليار دولار، أي تضاعف 46 مرّة في 25 سنة (الدين العام: 138 مليار دولار - رأس المال - 16 نيسان/ أبريل 2018)، إلا أن مجمل الناتج المحلي لم يتضاعف في الفترة نفسها إلا أقل من 10 مرّات (من نحو 5.5 مليارات دولار إلى 51.5 مليار دولار في عام 2016)، في حين أن متوسط نصيب الفرد من مجمل هذا الناتج لم يرتفع بدوره إلا 4 مرّات فقط (من 2.115 دولار إلى 8.574 دولارات)... فأين ذهبت الزيادة في الناتج؟ ولماذا يتراجع مستوى المعيشة العام ونمو الاقتصاد في موازاة تزايد الدين العام؟
يقدّم انتفاخ موجودات المصارف (الودائع ورساميل المساهمين) جزءاً من الجواب، فقد ارتفعت هذه الموجودات المصرفية من 8 مليارات دولار في نهاية عام 1992 إلى 220 مليار دولار في نهاية عام 2017، أي إنها تضاعفت قيمتها 28 مرّة تقريباً، وكانت تساوي مرّة ونصف مرّة قيمةَ مجمل الناتج المحلي السنوي قبل ربع قرن، وباتت تساوي اليوم أكثر من 4 مرّات، وتخلق كتلة فوائد (أرباح) فاحشة، وصلت قيمتها المقبوضة عبر المصارف، في العام الماضي، إلى أكثر من 12 مليار دولار، وُزِّعَت بين كبار المودعين وأصحاب المصارف، وهذا يوازي في الحجم ربع الناتج المحلي تقريباً، وقد استولت عليها 800 عائلة تقريباً، أو 3200 شخص يمثلون فئة كبار المودعين والمساهمين في المصارف (كبار المودعين: من هم؟ وكم يملكون؟ - رأس المال - 5 آذار/ مارس 2018). علماً أن رساميل أصحاب المصارف وحدهم (المموَّلة من أرباح الفوائد على الدين) ارتفعت في الفترة نفسها من 144 مليون دولار إلى 19 مليار دولار، أي أكثر بـ 133 مرّة، وهو معدّل تراكم غير مسبوق لرأس المال خيالي ووهمي.
من حيث المبدأ، إن أي حديث يتناول «معضلة الدَّين العام»، التي تواجه الدولة في لبنان، يجدر به أن يدرك أن المسألة، كل المسألة، ليست «تقنية»، بل تقع في صلب «الاقتصاد السياسي»، وهي بالتالي مسألة تتعلق بإعادة توزيع الثروة والدخل والصراع على الفائض الاجتماعي، لا بالتزامات الدين واستحقاقاته وقدرة الدولة على السداد. بمعنى أوضح، لا يوجد قانون «طبيعي» للتعامل مع الدين، بل خيارات سياسية تحدد من يربح ومن يخسر تبعاًَ لميزان القوى الاجتماعي وقدرة كل فئة اجتماعية على تخفيف خسائرها أو تعظيمها (التقشف فكرة خطرة - رأس المال - 12 آذار/ مارس 2018). انطلاقاً من هذا المبدأ، لا يعود هناك شيء اسمه «إفلاس الدولة» أو «انهيار الاقتصاد» (بالمعنى الحرفي)، بل يوجد تبديل، أو محاولة تبديل، في المواقع ومراكز القوّة والمصالح. فالدولة، أولاً وأخيراً، بمقدورها دائماً أن تفرض الضرائب لتمويل إنفاقها أو أن تشطب الديون متى أرادت ذلك أو أن تخلق النقد، كما يفعل مصرف لبنان في إدارته لعملية إعادة التوزيع الجارية، وبمقدور الدولة دائماً أن تقرر «قص شعر» رأس المال أو قص رؤوس الضعفاء في هذا الصراع. هذا ما يجب أن ندركه.

تقاضى الدائنون مسبقاً علاوة إضافية كافية لتغطية مخاطر عدم السداد


ولكن، لنترك ماركس ونظرياته «الثورية» جانباً، فمعظم اللبنانيين لا يعرفون عنه شيئاً إلا ما زرعته الإيديولوجيا المضادة للشيوعية. لا جدوى من التذكير بأن ماركس «الاقتصادي» يزداد حضوراً، ليس عند التيارات اليسارية التي تزداد تلعثماً، بل عند الباحثين عن سبل إنقاذ الرأسمالية نفسها. لندع هذا السجال جانباً، ففي الإيديولوجيا المهيمنة على المجتمع اللبناني، هناك من ستبلغ به الوقاحة إلى حدّ الدفاع عن تجربة «الليبرالية اللبنانية» الحقّة مقارنةً بما يراه «اشتراكية» في المجتمعات الإسكندنافية، وسيردد ليل نهار أن المصارف هي عمود لبنان الفقري، إذا انهارت ينهار (ماهية المصارف - رأس المال - 26 آذار/ مارس 2018).
تعالوا نلجأ إلى سياق نقيض لسياقات ماركس، إلى آدم سميث، الذي لا يعرفه معظم اللبنانيين أيضاً، ولكنه سيكون مقبولاً منهم بمجرد أن يعرفوا أنه صاحب فكرة «اليد الخفية»، ويُعدّ مؤسس «الاقتصاد الكلاسيكي» والأب الروحي لـ«السوق الحرّة»، المدافع الشرس عن المبادرة الفردية والمنافسة وحرية التجارة.
يقدّم سميث في كتابه «بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها» (1776) مدخلاً آخر إلى «معضلة الدين العام»، ينطلق من فهم الكيفية التي تعمل فيها «سوق الدين»، وبالتالي فهم كيف يصبح التخلّص من قسم من الدين وكلفته من «تراث» السوق الحرّة، على عكس ما توحي به الحكومة في تعهدها الخطي، في باريس 4، عبر إضفاء «الطابع الأخلاقي» على مسألة الالتزام الحاسم بتسديد الدين وفوائده، بذريعة أنها «لن تلطّخ لبنان بهذا الأداء على الإطلاق»!
يقول سميث: «إن تحديد أدنى نسبة معتادة للربح، لا بد أن يحتوي على قدر يزيد على ما هو كافٍ لتعويض الخسائر الطارئة، التي يتعرض لها كل استثمار لرأس المال». ففي حالة استثمار رأس المال في سندات الدين، فإن نسبة الفائدة (الربح) التي يسددها المدين تتضمن علاوة إضافية (فائض - زيادة فوق سعر الفائدة الأصلي المفترض) تكون كافية لتغطية أي خسائر محتملة من جراء تحقق المخاطر الطارئة، وفي مقدمها مخاطر العجز عن سداد الدين نفسه.
في كل مرّة يضطر فيها حاكم مصرف لبنان إلى تقديم تبريرات لاعتماده سياسة فوائد مرتفعة في لبنان، سينطق بالعبارة «التقنية» المبهمة: «إن معدلات الفوائد المطبقة في أي بلد تعكس تصنيفه الائتماني السيادي». وإذا أراد أن يكون أكثر فصاحة، سيوضح: «إن معدلات الفائدة على العملات الأجنبية، تحددها قوى السوق، بالاستناد إلى تصنيف مخاطر البلد، المعبّر عنه من خلال أسعار مبادلة مخاطر الائتمان والعائد على سندات الخزينة الأميركية» (رياض سلامة يردّ على توفيق كسبار - الأخبار - 14 حزيران/ يونيو 2018).
لنبسّط الموضوع أكثر. المعروف أن وكالات التصنيف الائتماني تعمد إلى تقييم قدرة الدولة (أو مؤسسة خاصة) على مواصلة خدمة ديونها، وتوزّع «علامات» على أساس هذا التقييم، ليجري استغلالها في سوق الدين من أجل رفع أسعار الفوائد أو خفضها تبعاً لعلامة كل دولة. وبما أن تصنيف الدولة اللبنانية يقع في مرتبة الشك، أي إن الدولة ليست متخلفة عن سداد ديونها، ولكنها تسير في هذا الاتجاه، فإن الدائنين فرضوا ويفرضون سعراً مرتفعاً للفائدة في لبنان بالقدر الكافي لتعويض أي خسارة محتملة من جراء تحقق «المخاطر السيادية»، وبالتالي، إن كل زيادة تقاضاها الدائنون في لبنان فوق سعر الفائدة في الولايات المتحدة الأميركية، بحسب تبريرات مصرف لبنان، هي بمثابة علاوة أو مكافأة إضافية، تقاضاها الدائنون بذريعة أن الدولة قد تتوقف عن الدفع في يوم ما ولسبب ما. بمعنى أنهم استردوا مسبقاً رأس المال الذي يتوقعون خسارته في التضخم أو انهيار سعر الصرف أو إذا قررت الحكومة شطب أقسام من الدين أو قصقصته أو التخلص من كلفته الباهظة.


هذا ما يجدر بنا معرفته أيضاً. وفي لغة الأرقام، سددت الحكومة إلى الدائنين، من الضرائب والإيرادات التي تجبيها سنوياً، أكثر من 77 مليار دولار كفوائد استحقت على ديونها القائمة بين عامي 1993 و2017 (كلنا في خدمة الدائنين - رأس المال - 12 آذار/ مارس 2018)، ولا يزال عليها أن تسدد نحو 26.5 مليار دولار كفوائد، لم تحن مواعيد تسديدها بعد، على هذه الديون نفسها، كما كانت قائمة في نهاية عام 2017 (حقيقة الدين الحكومي القائم - رأس المال - 28 أيار/ مايو 2018). أي إن الدائنين حققوا أرباحاً بقيمة تتجاوز 103.5 مليارات دولار من دين حكومي قائم حالياً بقيمة 79.5 مليار دولار. هذه الحقيقة الرقمية ستكون أشد إيلاماً عند احتساب الأرباح التي حققها الدائنون من كل عملياتهم المتشابكة مع دين الدولة اللبنانية، ولا سيما العمليات الجارية مع مصرف لبنان وهندساته المالية، إذ باتت توظيفات المصارف في ما يسمى «أدوات الدين السيادية» تمثل أكثر من 61% من مجمل موجوداتها (ودائع ورساميل)، وتمثل مصدر الربح الرئيس، السخي والمضمون.
حسناً، إذا كانت الأمور تجري في «الأسواق» على هذا المنوال، ولا شيء «ببلاش»، فلماذا علينا إذاً أن نضمن للدائنين قبض الأرباح مرتين؟ مرة بتقاضي الفائدة «السخية»، ومن ضمنها هامش الربح الإضافي لتعويض «المخاطر» مسبقاً، ومرّة بضمان ألّا تتحقق هذه المخاطر أبداً، على الرغم من أن الدائنين قد قبضوا التعويض عليها وما زالوا يقبضون. ألم يحن الوقت لدعوة الدائنين إلى «تسوية» أو «مقاصة» بدلاً من التعهّد لهم بعدم شطب الفوائد التي لا تزال مستحقة على الدين القائم، وعدم قصّ أجزاء من دين الحكومة التي تعدّ الأكثر خطورة وضغطاً، على غرار ما يجري دائماً في معظم «أسواق الدين» في العالم، بما في ذلك أسواق الدول الغربية المسماة ليبرالية.


لبنان 2003
وافقت المصارف، في إطار مؤتمر باريس 2، على الاكتتاب بسندات الخزينة اللبنانية بمقدار 10% من ودائعها (3,6 مليار دولار) بفائدة صفر بالمئة لمدة سنتين على التوالي، من 1-8/2003 إلى 1-8/2005، في مقابل الوعد في حينه بعدم فرض أي ضريبة على الفوائد. نفذّت المصارف عملية الاكتتاب إلا أن الحكومة والمجلس النيابي قررا فرض الضريبة على ربح الفوائد بمعدّل 5%، نظراً لعدم كفاية حصيلة هذا الاكتتاب في الحد من تنامي خدمة الدين العام وتزايد ضغوطها على الموازنة. وعلى الرغم من ذلك، بقيت أرباح المصارف وكبار المودعين تحلّق عالياً، ولم تؤدّ هذه الإجراءات (الاكتتاب بفائدة صفر وفرض ضريبة على الفوائد) الى أي نتائج سلبية على القطاع المالي، بل بالعكس، ساهم ذلك بالحد من حدّة التدهور في المالية العامة لبعض الوقت، بعدما كانت المؤشرات تشي بانهيار وشيك في قدرة الدولة على السداد.


لبنان 2002 - 2004
عمد مصرف لبنان بين عامي 2002 و2004 الى تنفيذ 3 عمليات، أسفرت عن إطفاء 3.7 مليار دولار من سندات دين الحكومة التي اكتتب بها المصرف المركزي. استندت هذه العمليات الى ما يسمى "فروقات أسعار الذهب"، إذ تمتلك الدولة إكثر من 9.2 مليون أونصة ذهب، موضوعة في ميزانية المصرف المركزي، وبالتالي تشكّل قسماً من موجوداته، وهي تؤثر على قيمة هذه الموجودات صعوداً أو هبوطاً تبعاً لأسعار الذهب في الأسواق العالمية، ما يعني أن فارق السعر يُسجل كربح أو خسارة على دفاتر حسابات البنك المركزي، على الرغم من وجود قانون يمنع التصرّف بالذهب بأي شكل كان، لا بيعاً ولا تأجيراً ولا توظيفاً. وبما أن القانون يفرض تحويل الربح الناتج عن فارق السعر الى الخزينة العامّة، عمدت الحكومة ومصرف لبنان الى هذه الحجّة لتبرير شطب المبالغ المذكورة من الدين الحكومي ونقل الخسائر من حسابات الموازنة العامة الى حسابات ميزانية مصرف لبنان.