صوّت السويسريون أخيراً، في استفتاء شعبي، ضد المبادرة المعروفة بمبادرة المال السيادي أو "فولجلد/ النقود الحقيقية". وتدعو المبادرة إلى أن يقتصر خلق المال على البنك المركزي وحده. ففي النظام المصرفي العصري، يضطلع البنك المركزي وحده بمسؤولية إصدار الأوراق المالية والنقود المعدنية (إضافة إلى بعض الاحتياطات الخاصة)، غير أنّ هذه "القاعدة النقدية" تشكّل جزءاً صغيراً فقط من مجموع المخزون المالي لأي اقتصاد. ففي الواقع، تصدر البنوك التجارية غالبية المال عندما تقرض العملاء والشركات. وحين تصدر البنوك القروض للأسر والشركات وغيرها من المؤسسات المالية، فإنّها تخلق ودائع مالية (لأنّ هذه القروض تظهر لاحقاً كودائع للدائنين في المصرف).

(أنجل بوليغان ــ المكسيك)

إلاّ أنّ المبلغ، الذي يتعيّن على البنوك أن تحتفظ به كاحتياطي لتلبية طلبات هؤلاء المودعين للسيولة وكحماية ضدّ أي انهيار لقيمة الأصول التي يقدّمها الدائنون مقابل قروضهم، هو مبلغ صغير جداً مقارنة بأصولهم. يعود ذلك إلى أنّ خطر التخلّف أو التوقف عن الدّفع منخفض والطلب المنتظم على السيولة منخفض. عملياً، تحتفظ البنوك بنحو 5 في المئة من الخصوم كاحتياطي بسيط.
اقترحت مبادرة المال السيادي السويسرية أن يتم الاحتفاظ بجميع الودائع كاحتياطات (في البنك المركزي). بذلك تختفي قدرة البنوك التجارية على "خلق" المال من طريق القروض، ويصبح البنك المركزي فعلياً هو المسؤول الوحيد عن منح الأموال.
يفسّر واضعو المبادرة وجهة نظرهم بأنّ المصارف التجارية غير فعالة في الإقراض، وتسبّب أزمات مالية منتظمة. فتميل البنوك إلى الإقراض من أجل المضاربة المالية أكثر منه من أجل الاستثمار المنتج، وهو ما يقود إلى الانهيارات المالية. أما إذا احتفظ البنك المركزي بجميع الأموال في البلاد، فيمكنه التحكّم في الإقراض والتأكّد من أنّ أغراضه إنتاجية. ويمكن البنك المركزي أن يرفع الطلب في شكل مباشر في الاقتصاد من خلال توسيع المخزون النقدي من دون دور الوسيط غير الفعّال الذي يقوم به النظام المصرفي التجاري.
ليست فكرة المال السيادي جديدة، ولكن تمّ إنعاشها بسبب الأزمة المالية العالمية والكساد الطويل الذي تلا ذلك. فقد سبق أن طرحت في فترة الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين، على يد الاقتصادي إيرفينغ فيشر، مؤسس كلية شيكاغو للاقتصاد. وأخيراً، أنعش عدد من اقتصاديي صندوق النقد الدولي الفكرة مجدداً في ورقة عمل أصدروها في الآونة الأخيرة بعنوان "خطة شيكاغو بعد إعادة النظر فيها" (ورقة عمل دبليو بي/12/202). ودعم العديد من الاقتصاديين الكينزيين (نسبة إلى الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز) بقوّة هذه الفكرة، بينهم مارتن وولف في "فايننشل تايمز" و "ستيفن كين" الاقتصادي ما بعد الكنزي.
في المقابل، تعارض السلطات المالية الفكرة خوفاً من أن تلغي الحكومة استقلالية البنك المركزي، وتبدأ باستخدام ودائع السيولة للدولة في البنك لأغراضها الخاصة، وأن توسّع المخزون النقدي من دون أي دعم من أصول منتجة، ما يقود بالتالي إلى تضخّم جامح.
المسألة الأخرى هي ما إذا كان وضع كامل المخزون النقدي في يد البنك المركزي سيمنع الأزمات المالية المقبلة. فالانكماش الائتماني والأزمة المالية العالمية في فترة 2007/2008 لم يأتيا من المصارف التجارية بل من المصارف الاستثمارية مثل "بير ستيرنز" Bear Stearns و "ليمان" Lehmans. فالمصرفان لم تكن لديهما ودائع عملاء ولم يعطيا قروضاً للأسر، بل كانا منخرطين في المضاربة برأس المال كالمضاربة بـ "المشتقات المالية الغريبة". ومع المقترح الجديد ستستمرّ هذه المضاربة بل ستزيد في النظام المصرفي التجاري.
ثمة اعتقاد وراء هذه المخططات بأنّ الخطأ في الرأسمالية هو نظام نقدي سيئ ومصرفيون متهوّرون


في مقالة سابقة تناولتُ فيها النظام المصرفي أيضاً، اعتبرت أنّ المال السيادي يمكن أن ينجح فقط إذا تم تحويل البنوك إلى الملكية العامة، وأصبحت جزءاً من خطة تمويل واستثمار شاملة. ولكن إذا حصل ذلك لن يكون للمال السيادي أي ضرورة.
ثمة اعتقاد وراء هذه المخططات بأنّ الخطأ في الرأسمالية هو نظام نقدي سيئ ومصرفيون متهوّرون. وهناك أيضاً الاعتقاد الكينزي بأن التوسّع المالي الذي تتحكّم به الحكومة، يمكن أن يتجنب الأزمات والهبوط من خلال تعزيز "الطلب الفعال". ومن المفارقة أنّ كينز نفسه خلص من تجربة الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين إلى أنّ الحوافز النقدية لم تكن مناسبة لإخراج الاقتصادات من الركود، ولكنه في النهاية اختار خيار الحوافز.
في الواقع، لو كانت الربحية كافية في النظام الرأسمالي، لكانت الاستثمارات زادت وأدّت إلى المزيد من الوظائف والمداخيل والاستهلاك. ولن تغيّر عملية خلق الأموال بطريقة اصطناعية من قبل الحكومة في هذا الواقع شيئاً، كما أظهرت تجربة "التيسير الكمي".
في الخلاصة، فإن خطة الأموال السيادية لتجاوز النظام المصرفي لن تحقق الانتعاش الاقتصادي المستدام، بل ستقود إمّا إلى فورة في المضاربات بالأصول المالية أو إلى التضخم أو إلى كليهما. فليس النظام المصرفي هو الذي يجب تجاوزه، بل النظام الرأسمالي للإنتاج من أجل الربح هو ما يجب استبداله باستثمار مدروس في إطار ملكية مشتركة. في الواقع، إذا تم التحايل على النظام المصرفي، فإن نظام الإنتاج الرأسمالي سيزداد إرباكاً.
Michael Roberts Blog