يكثر الحديث اليوم عن تصنيف السوق العقاريّة في لبنان كفقاعة اقتصاديّة. ومن نافل القول إنّ من الصعب التنبؤ بالفقّاعات الاقتصاديّة قبل حدوثها، لكن تكرار حدوث الظاهرة على مرّ القرون الستة الماضية دفع الاقتصاديين إلى التمحيص في أسبابها والعلامات التي تسبق انفجارها. وربّما فقّاعة الخزامى (زهرة التوليب)، وهي أوّل فقّاعة اقتصاديّة في التاريخ، هي أكثر ما يشبه ما يحصل في لبنان اليوم.


في عام 1554، حين جمع سفير إمبراطور النمسا، عند السلطان العثماني، بذور وبصلات زهرة غريبة عن أوروبا فتنه جمالها، وأرسلها إلى فيينا. الزهرة كانت زهرة الخزامى (التوليب)، وخلال نصف القرن التالي ستنتشر زراعتها في معظم أنحاء وسط وغرب أوروبا، ولا سيّما الأراضي المنخفضة (هولندا اليوم) في محيط أمستردام.
يوثق تيموثي نايت، في كتابه "ذعر وازدهار وتقدّم"، البداية لانتشار زهرة الخزامى في أوروبا، فيقول إن زراعة الزهرة كانت صعبة، فالبذرة تحتاج إلى ما بين سبعة أعوام واثني عشر عاماً لتنمو إلى بصلة، والبصلة الواحدة لا يمكن أن تنتج أكثر من فسيلتيْن فقط، وهي نفسها لا تعيش أكثر من بضع سنين. هذه الصعوبة في الزراعة والنشر كانت تخص بصلة زهرة الخزامى "العاديّة"، أمّا تلك "الغريبة" (زهرة الخزامى "المكسورة") فزراعتها كانت أصعب.

جنون التوليب
يشرح بيتر غاربر، في بحثه "جنون التوليب" المنشور عام 1988، أن زهرة الخزامى "المكسورة" هي زهرة التوليب نفسها، لكنها مصابة بفيروس الموزاييك، الذي يؤدّي الى ظهور لونين أو أكثر في تويجية الزهرة (البتلة)، حيث "ينكسر" لونها الواحد. لكن هذا الفيروس يضعف قدرة البصلة على إنتاج بذور وبصلات أخرى، الى درجة أنّه يُقدّر أن عدد البصلات "المكسورة" لم يتغيّر منذ ظهور المرض في التوليب حتى اندثاره. ويضيف غاربر أن الزهرة كانت تتفتّح لبضعة أسابيع في الربيع وتدخل في مرحلة سبات ما بين شهرَي حزيران وأيلول، حيث يمكن نقل البصلة من موضعها لزراعتها في موضع آخر. وشكّلت هذه الأشهر الأربعة مدة السوق الفوريّة لبيع زهرة الخزامى.
يوضح نايت كيف صنع قصر مدّة السوق الفورية سوقاً للعقود الآجلة لشراء الخزامى، بسبب رغبة المزارعين والمضاربين بالتربّح من تجارتها في كل أوقات السنة. وسرعان ما وجدت هذه العقود سوقاً خاصاً بها تباع فيه لمضاربين آخرين، فأصبحت العقود (أي الورق) سلعة تُتداول بحد ذاتها. ومع انتشار هذا السوق، لم يعد التجار والمضاربون بحاجة إلى الانتقال إلى أمستردام لشراء الخزامى، فانتشرت أسواق رديفة في حانات في المدن والبلدات الصغيرة التي تستعمل قوانين التجارة المطبّقة في أمستردام. ويضيف أنّه في شباط من عام 1637 صدّق برلمان هولندا على قرار نقابة بائعي الزهور الهولنديّة تحويل "العقود الآجلة" إلى ما هو عمليّاً "عقود خيارات" (الفارق بين هذين النوعين من العقود أن الأولى تجبر الشاري على إكمال عملية الشراء، بينما الثانية تعطيه الحق في ذلك إن أراد). القرار شمل العقود الموقّعة ابتداءً من 30 تشرين الثاني 1636، الذي قلّل الخطر على شاري هذه العقود بنسبة 96.5%.
أصبح عادياً أن يباع العقد الواحد أكثر من عشر مرّات في اليوم الواحد


وقد وصلت التجارة بالعقود إلى قمّتها، حين أصبح من العادي أن يباع العقد الواحد أكثر من عشر مرّات في اليوم الواحد، وارتفعت أسعار الخزامى والكميّات المباعة بشكل جنونيّ.
يجهد إيرل ثومبسون، في بحثه "جنون التوليب: واقع أو من صنع الإنسان؟" المنشور عام 2007، ليركّب مؤشّراً لسعر زهرة التوليب في الفترة بين 1634 و1637، فيُظهر أن معدّل سعر الزهرة ("العادية" و"المكسورة") وصل في 3 شباط 1637 إلى 200 "فلورين" ذهبي (أي ما يعادل 2800$ بأسعار اليوم). وفجأة، انهار السوق في شباط 1637، وذلك ابتداءً من مزاد أقيم في مدينة هارلم، حيث حضر عدد هائل من البائعين من دون أن يحضر مشترٍ واحد، وانهارت الأسعار بمقدار 95% في أسبوع واحد، كما يشرح نايت.

... وجنون الجماهير
هنالك عدة نظريات تحاول شرح فقاعة الخزامى، منها ما يعتمد على "جنون الجماهير"، ومنها ما يرتكز على تقلّب أسعار أسواق الأزهار في حينه، ولكن من بين كل هذه التفسيرات يبرز تفسير إيرل ثومبسون الذي يربط ارتفاع أسعار الخزامى التدريجي، بين خريف عام 1632 وخريف عام 1636، بمسار حرب "الثلاثين عاماً" التي كانت مستعرة منذ عام 1618.


ففي عام 1632، كانت الحرب تتجه إلى الهدوء مع هزيمة، ومن ثم مقتل يوهان تيلّي، قائد جيوش الحلف الكاثوليكيّ، وانتصار الجيش السويدي في معركة "لوتزن"، التي كان ثمنها مقتل الملك غوستافوس أدولفوس، ما أدّى إلى تشتّت القوى السويديّة وتوالي سلسلة هزائم أخرجت الأراضي الألمانيّة عن سيطرة الجيش السويديّ تدريجيّاً. هذه التطوّرات جعلت أغلب المناطق المناسبة لزراعة الخزامى آمنة، ما أتاح للأرستقراط الألمان استيراد الزهرة وزراعتها خارج أسوار قصورهم. ومع توقيع القوى الألمانية المتنازعة اتفاقيّة سلام براغ، اتجهت الحرب نحو ما بدا أنّه النهاية، وازداد الطلب على الخزامى في غرب ووسط ألمانيا، الأمر الذي يشرح الارتفاع الكبير للأسعار بين عامي 1635 و1636. هذا الارتفاع، كما يقول ثومبسون، دفع المسؤولين الحكوميين في هولندا إلى الاستثمار الكثيف في عقود الخزامى الآجلة، حيث لم يكن يتوقع أحد أن ينتصر السويديون (بدعم فرنسي) في معركة "ويتّستوك" في تشرين الأول 1636، الذي أعاد تسعير الحرب.

انفجار الفقاعة
بعد معركة "ويتّستوك" توقّف مباشرة الطلب الألماني على الخزامى، وشهد سوق العقود الآجلة هبوطاً حادّاً في الشهر نفسه. عند هذه النقطة، قرّر المسؤولون الحكوميون مع نقابة بائعي الورود استبدال العقود الآجلة بعقود الخيارات، لجعل هذه العقود أقل خطراً، ما رفع سعرها بشكل جنونيّ، ابتداءً من نهاية تشرين الأول، وازداد جنوناً مع تصديق البرلمان على القرار في شباط من العام التالي. وعند انكشاف ضآلة الطلب على الخزامى، انهار السوق وانفجرت الفقاعة.