أطلق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة فصلاً جديداً من فصول «الهندسات المالية» المثيرة للجدل. ففي اللقاء الشهري الأخير مع ممثلي المصارف التجارية، في 19 حزيران/ يونيو 2018، حثّهم على التوسّع في الاقتراض من الأسواق الخارجية لتعويض التباطؤ في نمو الودائع بالعملات الأجنبية، وقال لهم (حرفياً): «إن سندات دين الدولة أصبحت سلعة دولية يمكن للمصارف رهنها في مقابل قروض»! بهذا المعنى، لن يكتفي سلامة، في هذه المرحلة، بتشجيع المصارف على التورط في أسواق المشتقات المالية «المسمومة»، التي تفاخر دائماً بأنه أبقى المصارف بمنأى عنها، بل قرر أيضاً أن يورّط الدولة في «سوق» محفوفة بالأخطار والمغامرات وألعاب الخفّة، إذ إن رهن سندات دين الدولة في مقابل قروض هو بمثابة رهن لأصول عامّة، يمكن تنفيذ الحجز عليها في حال تخلّف أي مصرف، لأي سبب، عن تسديد استحقاقات قروضه ومدفوعات الفائدة عليها.

ألى أين يقود سلامة الدولة؟ وأي نتائج سترتب على رهن سندات دينها؟
يعبّر هذا الاتجاه، أولاً، عن فشل «الهندسات المالية»، التي بدأ مصرف لبنان تنفيذها منذ أيار/ مايو 2016. فقد أثبتت النتائج المحققة أن الأساليب التي اتبعها المصرف المركزي حتى الآن لم تخدم أهدافه المعلنة إلا لفترات قصيرة جداً. فميزان المدفوعات عاد إلى تسجيل عجوزات كبيرة، وتحوّلت الجهود المبذولة من محاولة خلق فائض اصطناعي ومكلف جداً، كما حصل في عام 2016، إلى محاولة إخفاء العجز عبر ألاعيب محاسبية لا تُقنع أحداً، منها تعديل طريقة احتساب صافي الموجودات الخارجية لمصرف لبنان، اعتباراً من تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، ليشمل «سندات دين الجمهورية اللبنانية المصدرة بعملات أجنبية»، وهذا يخالف المعايير المحاسبية المعتمدة في معظم دول العالم. تشير الحسابات إلى أن عجز ميزان المدفوعات سجّل مستوى قياسياً في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، بلغ نحو 3.2 مليارات دولار، في حال تم استبعاد سندات «اليوربوندز» التي يحملها مصرف لبنان في محفظته نتيجة عمليات المبادلة التي يجريها مع وزارة المال، علماً أن سلامة أعلن أخيراً أن ميزان المدفوعات حقق فائضاً بقيمة 437 مليون دولار حتى أيار/ مايو الماضي.
كذلك، أسفرت «الهندسات المالية» عن رفع العائد على توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، ففي عام 2016 بلغ العائد الفعلي نحو 40 في المئة، وفي العامين الماضيين بلغ أكثر من 17 في المئة. هذه العوائد المرتفعة، التي تتجاوز كثيراً أسعار الفائدة الاسمية، منحت المصارف أرباحاً استثنائية إضافية مباشرة (فوق أرباحها السنوية المتكررة) لا تقل قيمتها عن 7 مليارات دولار في سنتين فقط، وشجعتها على توظيف نصف موجوداتها الإجمالية (ودائع وأموال خاصة) لدى المصرف المركزي، في حين بقي 45 في المئة فقط من هذه الموجودات موظّفاً في التسليفات للقطاعين العام والخاص (الشركات والأسر)، معظمها في العقارات وقروض السكن إضافة إلى الدين الحكومي. من البديهي أن يؤدي هذا العائد المرتفع إلى امتناع المصارف عن تمويل الاقتصاد والبحث عن الربح الوفير لدى مصرف لبنان. يقرّ سلامة بهذه النتيجة السلبية، ويشير إلى أن التسليفات المصرفية لم تنمو في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام إلا بنسبة نصف في المئة، أي أنها تتراجع في الواقع بعد احتساب معدّل التضخم المحقق.
هذا الاتجاه، أي تشجيع المصارف على زيادة اقتراضها من الأسواق الخارجية ومواصلة تضخيم مطلوباتها، يعبّر أيضاً عن استنفاد الأساليب المعتمدة لكل إمكاناتها في جذب المزيد من الودائع الخارجية، التي كانت مصدر التمويل الأساسي لعجز الحساب الجاري إلى جانب تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج. ووفق سلامة نفسه، لم تنمو الودائع بالعملات الأجنبية منذ بداية هذا العام إلا بنسبة 1.9 في المئة، في حين أن الحاجات التمويلية بالعملات الصعبة لهذا العام تقدّر بنحو 17 مليار دولار، وهو مبلغ مرشح للارتفاع في ظل التوقعات بصعود أسعار النفط إلى مستويات جديدة. إذ تقدّر قيمة الواردات النفطية في هذا العام بنحو 5.7 مليار دولار، بزيادة مليار دولار عن العام الماضي و1.6 مليار دولار عن عام 2016.
يواجه مصرف لبنان هذه النوع من «الورطات»، فهو يريد أن يضمن للاعبين الرئيسيين (في السياسة والاقتصاد) استمرار سياسة التثبيت النقدي، بالتالي توفير الشروط اللازمة لذلك، وفي مقدمها الحصول على تدفقات خارجية كافية لتغطية عجز الحساب الجاري (ميزان تعاملات لبنان مع الخارج) وتمويل الاستهلاك العام والخاص، وفي الوقت نفسه المحافظة على مستوى عال من الاحتياطات بالعملات الأجنبية. حتى سنوات قليلة، كانت سياسة الفوائد المرتفعة تسمح بجذب التدفقات المطلوبة بصورة ودائع يوظّفها كبار المودعين أو رساميل أجنبية توظّف في المضاربات العقارية المدعومة. لكن هذا النموذج التمويلي تعرّض لارتدادات قاسية بسبب الأوضاع القائمة في منطقة الشرق الأوسط والأزمة الاقتصادية العالمية، وبات يرتب أخطاراً عالية جداً على النظام المصرفي ويزيد من احتمالات الأزمة فيه. ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي فإن عجز الحساب الجاري يواصل صعوده بوتيرة مقلقة، وهو سيبلغ هذا العام نحو 25.8 في المئة من مجمل الناتج المحلي، وسيبقى على المدى المنظور فوق 23 في المئة، في حين أن مجمل الاحتياطات (ما عدا الذهب والأصول المحملة بالتزامات) ستنخفض من 40.6 مليار دولار في عام 2017 إلى 18.6 مليار دولار في عام 2023، وهذا أكثر ما يقلق حاكم مصرف لبنان. فهل الحل باللجوء إلى زيادة دين لبنان الخارجي ورهن سندات دين الدولة لتحفيز هذه الزيادة؟
لقد بلغ مجموع الدين الخارجي (بما فيه ودائع غير المقيمين) أكثر من 198 في المئة من مجمل الناتج المحلي في عام 2017، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ 202 في المئة في هذا العام، وسيواصل ارتفاعه ليبلغ 216 في المئة في عام 2023. إن مراجعة أوضاع أي دولة عانت من أزمة مصرفية ستبين أن هذا الاتجاه لزيادة الدين الخارجي على المقيمين ليس إلا «الكتالوغ» أو «الوصفة» لتركيب «الأزمة» والوصول إليها بكل جدارة. لذلك يجدر التساؤل عمّا سيحصل لاحقاً، عندما تجد الدولة نفسها في مواجهة دائنين أجانب يطالبون بالقروض التي حصلت عليها المصارف لقاء رهن سندات الدين السيادية؟