لا يترك مستوى الفقر وغياب المساواة في بريطانيا اليوم (وبالطبع في الولايات المتحدة أيضاً) مجالاً لأيّ شخص عاقل أن يكون راضياً عن نظام مكافآت يضع الكثير من الناس تحت ضغط يومي ومالي كبير، ويجعل جيل الألفية يعاني في عشريناته لكي يستمتع بأقلّ مستوى مُمكن من الحياة التي استمتع بها أهله. كما أنّ الفشل المستمرّ للاقتصاد الأميركي في المحافظة على قيمة أجور العمّال اليدويين، أو ما يُسمّى بالعمّال ذوي الياقات الزرقاء، وإخفاق الاقتصاد البريطاني في الخروج من فخٍّ الإنتاجية الذي أبقى الأجور منخفضة ومعايير المعيشة راكدة، ما يجعل من الصعب تفادي الاستنتاج أنّنا على جانبي الأطلسي نحتاج إلى طريقة جديدة تماماً في تنظيم هذين الاقتصادين والمجتمعين.


لنفهم وضعنا اليوم، ونُحدّد الطريقة الأفضل للتحرّك قدماً، يرصد كتابي الأخير «الرأسمالية المُختلّة: الحالة الأنغلو أميركية وحلّها» (Flawed Capitalism: the Anglo-American Condition and its Resolution) نقاط التشابه والاختلاف بين النموذجين الأبرز من الرأسمالية الحديثة المُطلقة، أي الاقتصادَين الأميركي والبريطاني. فالاثنان يعيشان اليوم تحت تأثير فترتين طويلتين من النمو المستدام ارتبطتا بتسويتين سياسيتين مختلفتين.
الفترة الأولى استدعاها من اعتمدوا «الصفقة الجديدة» في الولايات المتحدة وحكومة كليمنت أتلي في المملكة المتحدة، ودامت 25 عاماً، شهدت نمواً مستداماً ووظائف للجميع وتحسّناً مستمرّاً في معايير المعيشة على جانبي الأطلسي. كل ذلك بناءً على تسوية اجتماعية بين الشركات الخاصة ونقابات العمّال، أدّت إلى ارتفاع في الأرباح والأجور على حدّ سواء. ولكنّ التسوية انتهت مع أزمة الركود التضخّمي في سبعينيات القرن العشرين.
الفترة الثانية أثارها المحافظون بقيادة مارغريت تاتشر في المملكة المتحدة والجمهوريون بقيادة رونالد ريغان في الولايات المتحدة، واتّسمت بعدم التوازن. فالتسوية آنذاك بُنيت على هزيمة النقابات وارتفاع الفروقات في المداخيل وارتفاع المديونية الفردية الناتج من ارتفاع مستويات المعيشة. ومُنيت تلك التسوية بالفشل وسط الأزمة المالية عام 2008، ولم تقدّم محاولات إنعاشها من السياسيين المحافظين في البلدين سوى عقداً ثانياً ضائعاً يُشبه سبعينيات القرن العشرين من حيث الخطورة واليأس.
على ضوء ذلك، يُعتبر كتاب «الرأسمالية المُختلّة» أنّ الارتفاع الحالي للشعبويّة اليمينية في الدول الصناعية المُتقدّمة نتاج لما أسماها أنتونيو غرامسكي طويلاً «العوارض المرضيّة»، أي عوارض الجنون العام في الفترة الفاصلة بين التسويتين الاجتماعيتين (ترامب وبركسيت نموذجان). إذا صحّت تلك الصيغة، فإنّ القضاء على تلك العوارض المرضيّة يتطلّب، أولاً، إرساء تسوية اجتماعية جديدة يمكنها وحدها أن تنهي فترة الفراغ الحالية. ومن أجل تحقيق النجاح، لا بدّ لأيّ تسوية أن تكون أكثر تقدّمية من التسوية التي تحلّ مكانها لأن الطابع الرجعي للتسوية السابقة سبّب انهيارها.
أما المحاولات الأخيرة لإحياء التسوية النيوليبرالية الاجتماعية من قِبل الحكومة البريطانية، والتي يقودها اليوم المحافظون والجمهوريون المتطرّفون في الكونغرس الأميركي وفي البيت الأبيض، فلها عواقب اجتماعية مروّعة أيضاً. وتتضمّن هذه العواقب: ضغطاً كبيراً على معايير الحياة للأسر العاملة، ومستويات مرتفعة من الديون الشخصية، وفقراً مُستمرّاً ومُتفاقماً لأصحاب المداخيل المُتدنّية والعاطلين عن العمل والأشخاص الذين يعتمدون على استحقاقات الرعاية الاجتماعية، وفشلاً مستمرّاً في تحسين التوازن بين العمل والحياة للعائلات، وعنصرية مُعزّزة وعدائية تجاه المهاجرين، بالإضافة إلى ظهور جيلين اثنين «ضائعين» على جانبي الأطلسي: جيل من طبقة عاملة عالقة في مناطق تشهد تراجعاً في التوظيف الصناعي، وجيل من طبقة وسطى ألفية تواجه مشاكل أقلّها جبال من الديون الطالبية وتكاليف إسكان متصاعدة وتكاليف مرتفعة للمواصلات والرعاية الخاصة بالأطفال.
إرساء تسوية اجتماعية جديدة وأكثر تقدّمية هي فرصة يجب ألا يُضيّعها هذا الجيل من التقدّميين


على ضوء هذه العواقب لمحاولات المحافظين تمديد تسويات تاتشر/ ريغان، يُعتبر كتاب «الرأسمالية المختلّة» أن الطريق نحو تسوية اجتماعية جديدة واضحة ومُلحّة:
الطريق واضحة - فنحن نحتاج إلى وصول سريع إلى تسوية اجتماعية مبنيّة على مساواة أكبر في المداخيل، وعلى توازن جندري أكثر عدلاً، ومرونة أكبر في ساعات العمل وتنظيمها. ويجب أن تُبنى أيضاً على اتفاقية جديدة بين دولة تقدّمية وقطاع خاص مُتجدّد يعملان معاً لزيادة الإنتاجية، عبر تشغيل كامل المواهب النائمة في قوة عاملة تنفر أكثر فأكثر من الأجور والتوظيف والضغوط العائلية.
الحاجة أيضاً مُلحّة ـ فمن دون مثل هذه التسوية، سوف يستمرّ الحرمان المادي والاجتماعي الذي يضمن استمرار الشعبويّة اليمينية.
ويعتبر كتاب «الرأسمالية المُختلّة» أنّ حزب العمال البريطاني، في الشكّل الذي يقوده كوربين، يُقدّم طريقاً إلى التسوية الجديدة، إذا أمكن المحافظة على مساره السياسي التقدّمي. وسوف يجد الديمقراطيون أنفسهم أمام فرصة مُشابهة في واشنطن في عام 2020، إذا ما ساد جناح ساندرز في الحزب. إذاً المستقبل هو الرهان. فنحن نعيش في أوقات مثيرة للاهتمام؛ ولكنها تحمل فرصة ومسؤولية على حدّ سواء: فرصة استدعاء إرساء تسوية اجتماعية جديدة وأكثر تقدّمية، وهي فرصة لا يجب أن يضيّعها هذا الجيل من التقدّميين. ولكنّه لا يمكن أن يضيعها إلّا إذا فشل في رصدها وتحرّك لاغتنامها.

* أستاذ كرسي ووريلل في الدراسات الأنغلو - أميركية في جامعة ويك فورست. وهو مؤلّف كتاب «ردود ليبرالية على حجج محافظة»، نيويورك: كونتينوم بوكس، 2010.
يمكنكم زيارة موقعه على الإنترنت على الرابط: http://www.davidcoates.net
يُنشر بترخيص من www.socialeurope.eu