بداية، السعودية ليست الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تتخذ هذا المنحى، إذ تدير إيران، المنافس الإقليمي للمملكة، محطّة للطاقة النووية بقوة ألف ميغاواط في بوشهر. وستربط الإمارات أولى محطّاتها بالشبكة المحلية خلال هذا العام، وهي من ضمن أربعة محطّات تقوم الإمارات ببنائها وتجهيزها. أيضاً التزمت كلّ من مصر والأردن وتركيا بعقود لبناء محطّات كهربائية تعمل على الطاقة النووية.

وفي مقابلة أجرتها، أخيراً، محطّة CNBC الأميركية، مع وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أشار إلى أن هناك «أكثر من 10 بلدان حول العالم تعمل على تطوير تكنولوجيا نووية للأغراض السلمية» (1)، وأن توليد الطاقة النووية «هو خيار سيسمح للمملكة بالحصول على إيرادات إضافية من خلال تصدير المزيد من النفط بدلاً من استخدامه داخلياً».
لكن مع ذلك، توفّر الاتجاهات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية حججاً قوية ووافية لنقد قيام مشروع نووي سعودي!

20%

هي نسبة ارتفاع تكاليف إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية بين عامي 2009 و2017، في حين تراجعت تكاليف الإنتاج من الطاقة الشمسية بنسبة 72% ومن الرياح بنسبة 47% خلال الفترة نفسها


الحجّة الأولى، وهي الأكثر وضوحاً، ربّما، هي الحجّة الأمنية. هناك تاريخ من الهجمات على منشآت نووية في المنطقة من جهات حكومية وغير حكومية ينذر بالسوء. في عام 1981، قصفت إسرائيل محطّة نووية عراقية قيد الإنشاء، واعترفت مؤخراً بضربها مفاعلاً سرّياً يُشتبه بكونه نووياً في سوريا في عام 2007. أيضاً وجّهت العراق ضربات عدّة لأحد المعامل النووية الإيرانية غير المُكتملة خلال حرب الخليج الأولى بين البلدين في ثمانينيات القرن الماضي. وفي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، صرّح الحوثيون بإطلاق صاروخ باليستي استهدف محطّة نووية شارفت الإمارات العربية على إنهاء عملية بنائها. بغض النظر عمّا إذا حصل الهجوم أم لا، فالتصريح بحدّ ذاته يؤكّد على المخاطر الأمنية لإنشاء محطات نووية في المنطقة (2).
أيضاً، تبرز الحجّة الاقتصادية لمناهضة امتلاك الطاقة النووية، وقد تكون القضية الأكثر إلحاحاً! يجادل مؤيدو الطرح النووي، بأن الطاقة النووية هي أكثر فعالية لناحية الكلفة، كما أنها تخلق فرض عمل محلّية واقتصادية وتحسّن أمن الطاقة في المنطقة.
في الواقع، وحتى دون الأخذ بالاعتبار التحسين الطارئ في تكنولوجيات تخزين الطاقة، تبدو الحجّة الاقتصادية للطاقة النووية ضعيفة، وستصبح أضعف أكثر مع تطوّر الاتجاهات الراهنة لمصادر الطاقة البديلة. عملياً، تراجعت تكاليف توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بين عامي 2009 و2017، في حين أن تكلفة الطاقة النووية بقيت ثابتة، لا بل تزايدت بسبب تحديث نظم الأمان بعد كارثة فوكوشيما، في اليابان في عام 2011. أمّا التكاليف المتوقّعة لكلّ كيلوواط-ساعة لكلّ المشاريع المُخطّط لها حالياً في المنطقة، هي أعلى من تكاليف مشاريع الطاقة الشمسية في السعودية والإمارات والأردن وتركيا (3).
تاريخياً، لطالما شكّلت الطبيعة المُتقطعة لمصادر الطاقة المُتجدّدة الحجّة الأساسية للترويج للطاقة النووية، التي توفّر إنتاجاً ثابت من الكهرباء. إلا أنه مع تحسين تقنيات تخزين الطاقة وتناقص تكاليفها، من المرجّح أن تكون هذه الحجّة قد اندثرت عند بدء تشغيل المفاعل النووي السعودي الأول.
الوقت لا يصبّ في مصلحة المملكة، فحتى لو قرّرت السعودية المضي قدماً في مشروعها النووي، من المتوقع أن يستغرق الأمر عقداً من الزمن على الأقل للبدء بتوليد الطاقة النووية. وبحلول ذلك الوقت، ووفقاً للتوقّعات الحالية، فإن تكلفة الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية والتخزين، مُجتمعة، ستكون على الأرجح أقل من تكلفة المحطّات النووية بكثير (4). وحتى فيما يتعلّق بتوليد الطاقة من دون تخزين، فإن التكلفة الرأسمالية العالية لبناء محطّة نووية ستجعل الاعتماد على الغاز الطبيعي الحل الأكثر فعالية من حيث التكلفة، ما لم ترتفع أسعار الغاز في شكل كبير وأكثر ممّا هو متوقّع (5).


فضلاً عن كل هذه الأسباب، تبقى إمكانات الطاقة النووية في تعزيز الاقتصاد محدودة، وخصوصاً في ما يتعلّق بنقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل والاستثمار. كما أن القدرة على ترسيخ تكنولوجيات الطاقة النووية مُقيّدة بتكلفتها العالية ونقص القدرات البشرية والمؤسساتية المحلية وسياسات التوريد والعوامل السياسية. وعلى غرار الوضع القائم في إيران، والمخاوف الدولية من احتمال إنتشار الأسلحة النووية في المنطقة، من المُحتمل أن تُواجه أي محاولة سعودية لإنتاج الوقود النووي محلياً مقاومة دولية.
قد يكون لدى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حافز للسماح للرياض بتخصيب اليورانيوم، في مقابل منح الشركات الأميركية عقوداً مُربحة لبناء هذه المصانع. إلا أن ذلك يبقى مشروطاً بموافقة الكونغرس على أي اتفاق، وهو قد يصرّ على التزام السعودية بعدم تخصيب اليورانيوم أو إعادة استعمال ومعالجة الوقود المستنفد لقاء السماح لها باستخدام التقنيات النووية الأميركية (6).
تكلفة الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية والتخزين، مُجتمعة، ستكون على الأرجح أقل من تكلفة المحطّات النووية بكثير


على المقلب الآخر، يتمتع إنتاج الطاقة المُتجدّدة بإمكانات كبيرة ويظهر نتائج واعدة في المنطقة. على سبيل المثال، أقامت شركة AEC السعودية توأمة مع شركة KACO الألمانية لإنتاج عواكس ضوئية شمسية، في ما تعمل شركة ACWA السعودية على مشاريع عدّة للطاقة الشمسية في المنطقة وهي تتضمّن بناء ثلاثة مشاريع فوتوضوئية في مصر (7). حتى شركة أرامكو، عملاق الطاقة في السعودية، ما زالت تقاوم خيار الطاقة النووية، وتبدي اهتماماً أكبر بالاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح (8).
في النهاية، يبدو أن قرار السعي للحصول على الطاقة النووية مدفوع بعوامل سياسية أكثر منها اقتصادية. لكن إذا أراد القادة السعوديون الحاليون ترك إرث سياسي للمملكة في مجال أمن الطاقة والتنمية المُستدامة، عليهم إبداء اهتمام أكبر بإنتاج الطاقة المُتجدّدة.
*مدير برنامج سياسات الطاقة والأمن في الشرق الأوسط في معهد عصام فارس للسياسة العامة والشؤون الدولية، أستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت.

المراجع
(1) No Author‚ «CNBC Interview with Saudi Foreign Minister Adel Al-Jubeir»‚ CNBC‚ 19/02/2018
(2) Ali Ahmad‚ «A Yemeni rebel claim highlights the risk of nuclear power in the Middle East»‚ Bulletin oth the Atomic Scientists‚ 08/12/2017
(3) Ali Ahmad‚ Does the Middle East need nuclear power?‚ Harvard Kennedy School‚ 08/02/2018
(4) M.V. Ramana and Ali Ahmad‚ Saudi Arabia's expensive quest for nuclear power‚ Program on Science and Global Security‚ Princeton University
(5) M.V. Ramana and Ali Ahmad‚ ibid.
(6) Ari Natter‚ Jennifer Jacobs and Jennifer A Dlouhy‚ «Perry Plans Nuclear-Energy Talks With Saudis Sources Say»‚ Bloomberg‚ 27/02/2018
(7) Ali Ahmad draft paper on localization
(8) No Author‚ «Saudi Aramco has a Crucial Role in Diversifying the Kingdom’s Energy Mix»‚ Saudi Aramco website‚ 17/04/2017