يُقدَّر عدد القروض السكنية القائمة حالياً بأكثر من 130 ألف قرض، وتبلغ قيمتها أكثر من 13 مليار دولار. أي إن ما لا يقلّ عن 15% من الأسر اللبنانية اضطرت في السنوات الماضية إلى الاستدانة لتأمين مسكن لها، في ظل سياسة سكنية أحادية، أدارها مصرف لبنان، وقامت على ترسيخ «وهم التملّك» كخيار شبه وحيد للسكن، ودعمت العرض (المحافظة على الأسعار المرتفعة) بدلاً من دعم الطلب (توفير السكن اللائق للأسر بأقل كلفة وبما يتناسب مع مستوى الدخل).

هذه الكلفة الباهظة جاءت نتيجة حرب شنّها رأس المال (على الصعيد العالمي) لإزالة كل القيود في «سوق السكن»، تماماً كالحرب التي شنّها على الأجور والحمايات القانونية للعمّال وشبكات الحماية الاجتماعية. وقد نجح في تكريس مفهوم واحد للسكن: البيت هو سلعة، لا حقّ. وهي تُشترى وتباع فقط. ولا يمكن الحصول عليها إلا من الذين يمتلكون القدرة على دفع ثمنها.
تضافرت عوامل كثيرة لتجعل من لبنان ميدان اختبار مذهل في هذا المجال، فقد تمت السيطرة على قلب بيروت. وأُطيحَت قوانين البناء والتنظيم المدني والتصاميم التوجيهية. ورُفعت عوامل الاستثمار لتعظيم أرباح منشئي الأبنية. وحُرّرت عقود الإيجارات. وأُعطيت الحوافز لبيع المساكن لا لتأجيرها. وجرى تركيز التجهيزات العامّة (البنى التحتية تحديداً) في مناطق الطلب العقاري. وأُلغيت وزارة الإسكان وإدارة الإسكان والتعاونيات وصندوق الإسكان المستقلّ، واستُبدلَت بها المؤسّسة العامّة للإسكان التي حُصر دورها بإعطاء القروض للتملّك فقط.
يقول مدير مكتب بيروت لبرنامج الأمم المتحدة للإسكان طارق عسيران، إن «دعم الدولة القروض لإسكان فئة معيّنة وإبعادها عن متناول ذوي الدخل المحدود والمتدني، منذ التسعينيات، أدّى إلى رفع كلفة السكن وتقليص مخزون السكن المُيسَّر في المدن الكبرى وانعدامه، وذلك في شكل منفصل عن القدرة الشرائية للبنانيين، وعلى حساب البيئة والتعدّدية في خيارات السكن، لمصلحة تحفيز التملّك خدمة لأجندة التطوير العمراني».
ووفق إدارة الإحصاء المركزي، كان الإنفاق على السكن يشكّل 25.6% من مجمل إنفاق الأسرة عام 2004، وارتفع إلى 28.5% عام 2012. أيضاً، تبيّن الدراسات التي أعدّها «استوديو أشغال عامّة» أن «80% من الأسر لا تملك دخلاً كافياً يؤهّلها للحصول على قرض سكني، وأن ارتفاع أسعار العقارات في بيروت الكبرى خلال العقد المنصرم بوتيرة أعلى من ارتفاع الدخل الحقيقي لمعظم العاملين، جعل الأسر المتوسطة الدخل غير قادرة على تحمّل كلفة السكن»، ويشير إلى أن «كلفة الإسكان في لبنان تبلغ نحو 40% من دخل الأسرة. إذ إن متوسط الدفعة الشهرية لشقة صغيرة في ضواحي بيروت يبلغ 1208 دولارات لعقار تصل قيمته إلى 300 ألف دولار، وهو ما يستوجب أن يصل دخله الشهري إلى 3600 دولار للتمكّن من تحمّل كلفة الرهن، في حين أن متوسط الدخل الشهري في لبنان يقلّ عن 1500 دولار. ويبيّن قياس دفعات الرهن السنوية نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي للفرد، أن بيروت تحلّ في المركز الرابع بين 40 مدينة كبرى في العالم من حيث أعلى كلفة إسكان، ويظهر قياس معدل الدخل بالنسبة إلى العقار أن هذه التكلفة هي أعلى من باريس وطوكيو وروما ودبي».


استطلاع
الخيارات البديلة مُتاحة
ما هي الخيارات البديلة المُتاحة التي يقترحها المتخصّصون في الشأن العمراني والتخطيط المديني، والتي قد تستجيب إلى حاجة الناس إلى السكن وحقّهم فيه؟

السياسة الشاملة
منذ إنشاء المؤسسة العامة للإسكان حُصر دورها بإعطاء القروض السكنية، في حين أن الإسكان ليس مجرّد غرف وجدران بل هو المحيط الذي يعيش فيه الناس، هو البيئة والمواصلات والتنمية المستدامة والآثار والتنظيم المدني.

روني لحود: الرئيس والمدير العام للمؤسّسة العامة للإسكان

وفي الحديث عن الحلول، يجب الخروج من إطار البحث في القروض السكنية وكيفية إعادة العمل بها، والتفكير بالمفهوم الشمولي للإسكان والتشدّد في ضبط الأنظمة وعدم تعديل القوانين كلّما دعت حاجة أو مصلحة الفرد الشخصية. من الحلول المُمكنة والتي نعمل عليها، هي فرض شروط على المطوّرين بتخصيص 20% من كل بناء يشيّدونه لذوي الدخل المحدود، وبناء مساحات صغيرة وبأسعار منخفضة كي لا ندفع الناس إلى خارج المدن، ولا يستمر تجميع الطبقات الفقيرة والمتوسطة في الضواحي وترك المدن للميسورين. فضلاً عن الارتكاز إلى التنظيم المدني وتأمين المواصلات إلى المدن وربطها في ما بينها وبضواحيها، كي لا يضطر الناس إلى النزوح نحو المدن وإنما الانتقال منها وإليها للعمل بسهولة أكبر، إضافة إلى تحفيز الإنماء في المناطق الطرفية عبر خلق فرص عمل وبناء مصانع وغيرها من الأنشطة الاقتصادية، ما يساعد على تثبيت الناس في أرضهم وضمان استقرارهم.

الإيجارات
يعدُّ التملّك السمة السائدة في لبنان لتأمين السكن. ويعود ذلك إلى ما يشكّله التملّك من ضمانة في ذهنية الناس، لأن النموذج الاقتصادي اللبناني يقوم بجزء أساسي على قطاع العقارات الريعي وغير المُنتج.

جاد تابت: معماري - نقيب المهندسين في بيروت

وبنتيجة غياب الدولة وتجاهلها المّزمن لقضايا الإسكان، تُركت المبادرة للمطوّرين العقاريين، وهو ما أدّى إلى ارتفاع الأسعار بوتيرة مستمرّة، واضطر الناس للجوء إلى القروض لتمويل سكنهم. كما أدى إلى فقدان التنوّع في نماذج المساكن والمساحات، فضلاً عن إحداث تحوّل في النسيج الاجتماعي في المدن وإبعاد ذوي الدخل المحدود إلى الضواحي، فيما بقيت شريحة كبيرة من الناس غير قادرة على تأمين سكن لائق لعدم قدرتها على التملّك والاقتراض. المطلوب هو وضع سياسة مُتكاملة تستند في شكل أساسي إلى الإيجار بأسعار منخفضة، كونه الحل الأكثر قابلية للتطبيق، وهو يقوم على إعطاء تحفيزات للمالك لتأجير ملكه بأسعار مُحدّدة ضمن سقوف مناسبة لذوي الدخل المحدود، وبما يصحّح الاختلالات التي أحدثها قانون الإيجارات الجديد الذي لا يسمح بتأمين سكن لائق لهذه الفئات، ويدفع المستأجرين إلى العيش في هاجس الإخلاء الدائم. وتشتمل هذه التحفيزات على تخفيضات ضريبية على الملكية والإيجار.

التعاونيات السكنية
هناك طرق مختلفة لوصول الإنسان إلى السكن، فالتملّك ليس الخيار الوحيد، بدليل أن الولايات المتحدة، التي كرّست فكرة تملّك كلّ فرد لمسكنه، لم يتمكّن أكثر من 60% من المقيمين فيها من امتلاك سكنهم، على الرغم من كلّ التحفيزات التي قدّمت وأدّت في النهاية إلى أزمة 2008، وبقيت شريحة كبيرة من الناس غير قادرة على امتلاك سكنها.

منى فوّاز: دكتورة في الدراسات الحضرية والتخطيط المدني

المطلوب هو توسيع السياسات لتمكين ذوي الدخل المحدود من الحصول على مسكن دون اللجوء إلى القروض، وتعدُّ التعاونيات السكنية من الحلول التي تندرج ضمن استراتيجيات الإسكان الناجحة، إذ تقوم على مبادئ المسؤولية المشتركة والعدالة، وتساعد في الحصول على مساكن بكلفة منخفضة. تتألف هذه التعاونيات من مجموعة أشخاص يقومون بتسجيل ملكية معينة كتعاونية سكنية، لا تباع ولا تشترى، معترفين بذلك بقيمة الأرض الاجتماعية لا المادية، فيضعون شروطاً وأنظمة لها، ويحصلون على دعم الحكومة من خلال الإعفاءات الضريبية وتخفيض معدّلات الرهن العقاري وغيرها… وهذه النماذج تؤمّن الاستقرار كون رسومها أقل وشروط الإخلاء مقيّدة، وأسعار المساكن فيها أدنى من أسعار السوق، والحق في التوريث مقيّد بمدى أهلية الورثة بالانضمام إلى التعاونية.

تجارب
تدخلات الدولة في كل مكان
في تجارب الدول، توجد أشكال مختلفة لتدخّل الدولة في تنفيذ سياسات سكنية. بعضها يربط منح عامل استثمار إضافي بتخصيص المساحات المبنية الناتجة من هذا الاستثناء للسكن الاجتماعي. في لبنان، تحصل مخالفات البناء وزيادة عامل الاستثمار لتعظيم أرباح المطوّرين العقاريين ومن دون أي منفعة عامة، بل وعلى حساب السكن الاجتماعي في أكثر الحالات

فرنسا: تحديد بدلات الإيجار
يتضمّن قانون البناء الفرنسي بنوداً تشجّع على إنتاج السكن الاجتماعي. في عام 2001، أجرت مدينة باريس دراسة لتوزّع السكن الاجتماعي في أحيائها، وتبيّن أنه متدنٍّ جداً، ففرضت على المطوّرين العقاريين تأمين ما بين 10 و20% من المساحة المبنية للسكن الاجتماعي مع تحديد أسعار الإيجارات، بما يساهم بإحداث خليط اجتماعي يمنع تقسيم المدينة بين محاجر للفئات الميسورة وأخرى للفئات المتدنية الدخل.

الولايات المتحدة: سكن اجتماعي مقابل رفع عامل الاستثمار
في ثمانينيات القرن الماضي، أقدمت بلدية بوسطن على فرض شروط على المطوّرين العقاريين الذي يطلبون الحصول على استثناءات في الارتفاع والاستثمار، ومنها تخصيص مساحات للسكن الاجتماعي في المبنى المزمع بناؤه أو في بناء آخر، بإيجارات منخفضة أو أسعار بيع أدنى. وهذه التجربة عُمّمت لاحقاً في مناطق أميركية أخرى مثل نيويورك.

تركيا: إنشاء مدن سكنية
تم تأسيس الإدارة العامة للإسكان لتلبية الطلب المرتفع على السكن في المدن في شكل مُنظّم، وهي تعمل على إنشاء مدن سكنية على حدود المدن تتمتع ببيئة صحية، وتبيعها لذوي الدخل المحدود بأسعار منخفضة ومقسّطة على فترات طويلة. تمتلك الإدارة صندوقاً مستقلاً عن الميزانية العامة وتغطي تكاليفه من تجارة العقارات التي تقوم بها عبر شراء أراض أو مناطق سياحية ومساكن فخمة وتأجيرها أو بيعها للميسورين والمستثمرين واستعمال أرباحها لبناء المدن السكنية.

بريطانيا: الدولة تسدّد الدفعة الأولى مقابل أسهم
تساهم الحكومة البريطانية في مساعدة ذوي الدخل المحدود، من خلال إعطائهم ما يشبه الدفعة الأولى لتملّك مسكنهم في مقابل حصولها على أسهم فيه، وهو ما يسمح لهم بتأمين السكن في حال كان دخلهم يسمح بتسديد الأقساط المتبقية من سعر المسكن.

البرازيل: تطوير العشوائيات في مكانها
كحلّ لأزمة السكن والمشكلات التي ولّدها الفقر، تبنّت البرازيل تطوير العشوائيات في مكانها بدلاً من إزاحة السكان إلى أماكن أخرى، فأطلقت برنامجاً استفاد منه 1.2 مليون أسرة، وبلغت قيمته نحو 22.5 مليار دولار بين عامي 2007 و2014. ويقوم على إعادة بناء العشوائيات وإصلاحها وترميمها وتوصيلها بشبكة الصرف الصحي وتأمين الكهرباء والمياه، إضافة إلى تسجيل ملكية المنازل أو عقود الإيجار لإشعار السكان بالاستقرار والاندماج، والأهمّ توفير فرص عمل لهم حيث اشترطت على الشركات المطوّرة توظيف سكان هذه العشوائيات في مشاريع تطويرها.