كثُرت الأحاديث أخيراً عن أزمة في سوق العقارات والبناء السكني والتجاري، وكثُرت في المقابل التحذيرات من مخاطر استمرار هذه الأزمة على النمو الاقتصادي والاستثمار ووضعية القطاع المصرفي... إلا أن قراءة للإحصاءات، أعدّها المصرفي منصور بطيش وقدّمها تكتل «لبنان القوي» إلى المجلس الاقتصادي الاجتماعي، تدفع إلى الحيرة، إذ سجّل عام 2017 رقماً قياسياً غير مسبوق في قيمة المعاملات العقارية المُصرّح عنها لدى السجل العقاري. فأي نوع من الأزمات في سوق الاتجار بالأراضي والأبنية يقصدون، طالما أن قيمة المبيعات تزداد، وكذلك الأرباح؟

في حديثه الأخير إلى صحيفة «النهار» (11 تموز/ يوليو 2018)، يقدّم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الاعتراف الأكثر دلالة في محاولة تفسير ما يسمّى الأزمة العقارية. يقول (حرفياً): «على الرغم من إنفاق مليارين و300 مليون دولار خلال 13 شهراً على القطاع العقاري، لم نشهد في المقابل أي تحسّن في الناتج المحلي اللبناني يساوي هذا المبلغ، ما يعني أن هناك ستوك يتم بيعه».


في الواقع، يمثّل هذا الرقم الكبير، الذي ذكره سلامة، فترة 13 شهراً فقط من مسيرة أطول بكثير، بدأت في عام 2009 وتسارعت منذ عام 2011 بعد انفجار الصراع في سوريا، وأسفرت عن إنفاق مليارات الدولارات من المال العام من أجل دعم أسعار العقارات ومنع انخفاضها، وبالتالي محاولة إنقاذ مصارف وشركات عقارية متورّطة حتى أذنيها بلعبة المضاربات وحلقة المديونية المُتعاظمة.
في السابق، كان حاكم مصرف لبنان يردّد أن هذه التدخلات المُكلفة ساهمت بأكثر من نصف النمو الاقتصادي المُحقّق، ولكن البيانات المُتاحة اليوم تُظهر «حقائق» لا لبس فيها. فالنمو الاقتصادي لم يتجاوز 1.7% كمتوسط للفترة من 2011 إلى 2017. ما يعني أن إنفاق هذه الأموال لم يكن يُجدي أبداً، أو أن سلامة لم يكن ينطق بحقيقة الأهداف التي دفعته إلى هدر كل هذا المال العام.
كذلك، كان سلامة يردّد أن مصرف لبنان «سعى من خلال تشجيع القروض السكنية والاستهلاكية، إلى تأمين التمويل الذي سيعيد تكوين الطبقة الوسطى، وهي أساس الاستقرار الذي يحتاج إليه الاقتصاد اللبناني». ولكن البيانات المُتاحة تُظهر المزيد من «الحقائق» المؤلمة، فقد تضاعفت قيمة القروض السكنية والشخصية (الاستهلاكية) منذ عام 2010، وبلغت حالياً أكثر من 22 مليار دولار، وهذه المديونية الهائلة باتت خدمتها تستنزف أكثر من نصف الدخل المُتاح لاستهلاك الأسر، باعتراف حاكم مصرف لبنان نفسه. فكيف سيعيد مصرف لبنان تكوين الطبقة الوسطى، فيما المصارف والمضاربون على أسعار العقارات وتجّار السيارات والتعليم والصحة يقاسمونها نصف دخلها ويدفعونها إلى تخفيض استهلاكها إلى الحاجيات الأساسية الأخرى التي تساهم في تطوير مستوى عيشها؟ يوجد الآن أكثر من 130 ألف أسرة تعيش تحت عبء الرهون العقارية وخدمة قروضها السكنية لآجال طويلة تمتد ما بين 20 و30 سنة. كذلك يوجد 15 ألف قرض لتسديد أقساط التعليم، و91 ألفاً لشراء سيارات، و373 ألف قرض استهلاكي، و4 آلاف قرض لشراء المفروشات والأدوات المنزلية، و182 ألف قرض عبر بطاقات الائتمان. هل هكذا يُعاد تكوين الطبقة الوسطى؟ حتماً لا، وليس هناك أدنى شكّ أن سلامة والمصرفيين وتجّار العقارات وجميع المتورّطين معهم يدركون أن هذه الأرقام تعني العكس تماماً.
ليست هذه الحقائق «المؤلمة» ما يدفع إلى «الحيرة»، بل الحقائق الأخرى المُتصلة بحركة سوق الاتجار بالعقارات والأبنية ونشاطها. فقد أظهرت قراءة للإحصاءات، أعدّها المصرفي منصور بطيش وقدّمها تكتل «لبنان القوي» إلى المجلس الاقتصاد الاجتماعي، أن عدد البيوعات العقارية وقيمتها ازدادا خلال عام 2017، كذلك قيمة الرسوم والضرائب المُحصّلة على الأملاك المبنية بالمقارنة مع السنوات الأربع السابقة (2013 حتى 2016 ضمناً). بل أظهرت أيضاً، أن قيمة البيوعات العقارية بلغت في العام الماضي مستوى قياسياً، هو أعلى من مستوى الذروة الذي بلغه في عام 2010! فكيف يمكن الحديث عن ركود فيما البيوعات تزداد؟
وفق حسابات بطيش، بلغ مجموع البيوعات العقارية خلال الفترة المُمتدة ما بين عامي 1997 و2017 ضمناً (21 سنة) حوالى 118 مليار دولار أميركي، على أساس القيم المُصرّح عنها لدى الدوائر العقارية. ويقدّر القيمة الحقيقية لهذه البيوعات بأكثر من 150 مليار دولار، وتصل إلى أكثر من 170 مليار دولار أميركي في الفترة بين 1991 و2017. ويُقدّر قيمة الثروة العقارية في لبنان (Real Estate Wealth/ Richesse ou Fortune Fonciere) بما يساوي 18 إلى 22 مرّة حجم إجمالي الناتج المحلي (GDP)، أي نحو 1100 مليار دولار تقريباً، وهي توازي خمس مرّات قيمة الثروة المالية التي تتشكّل من الإيداعات لدى المصارف والاستثمارات في المصارف والشركات.
يزعم البعض أن هذه الحقائق لا تعبّر عن نشاط قطاع البناء، أو كما قال سلامة نفسه، إنها تعبّر عن بيع مخزون الوحدات المبنية، وبالتالي لا تعكس أي استثمارات جديدة. في الواقع، تُبّين قراءة بطيش أن كمية الإسمنت المُسلّم للسوق المحلي (وهي المؤشر الأساسي لنشاط البناء المحقّق بالفعل) لم تنخفض خلال عام 2017 إلّا بنسبة 5.5% مقارنة بعام 2016، وهي شبه مُستقرّة منذ عام 2010. ما يعني أن المساحات المُشيّدة سنوياً بقيت على الوتيرة نفسها طوال الفترة المُمتدة من عام 2008 إلى عام 2017 (خلال عشر سنوات). في المقابل، فإن رخص البناء الممنوحة (وهي مؤشّر على احتمالات نشاط البناء في المستقبل وليس الآن) شهدت انخفاضاً ملموساً بالمقارنة مع السنوات السابقة، ما يؤشّر إلى تباطؤ مستقبلي بدأنا نشهده خلال عام 2018 بالتوازي مع أزمة الإقراض السكني التي بدأت منذ بضعة أشهر. وهذا دليل إضافي على أن تدخلات مصرف لبنان لم تكن تهدف إلا إلى دعم الأسعار ومنع تحقيق أي خسائر للمضاربين والمصارف، ولم تكن الأهداف المُعلنة إلا أهدافاً مزعومة.
للتواصل: [email protected]