من المبرّر فكرياً بالنسبة إلى اليمين السياسي أن يرغب في تقييد مفهوم العمل بالشغل، أي النشاط المُدرّ للعائد المادي. ولكن من غير المبرّر لمن هم في اليسار السياسي أن يفعلوا ذلك. فالديموقراطيون الاجتماعيون يدفعون ثمناً سياسياً باهظاً لقيامهم بذلك خلال القرن العشرين. فقد وقع هؤلاء في شركهم السياسي الخاص، حين قدّسوا مفهوم العمالة الكاملة (التشغيل الكامل للعمالة) حين كان ذلك يعني أكثر بقليل من تعظيم عدد الناس العاملين في مواقع تتراوح بين الوظيفة العادية والإدارية.

وإن لم يستطع اليسار الهروب من حماقة مساواة العمل بالشغل، فسوف يستمرّ في خسارة شعبيته والانجراف إلى الهوامش السياسية. فلماذا يجب أن يملي عدد الأشخاص الذين يشغلون «وظائف» السياسات التقدمية؟

(فاسكو غارغالو ــ البرتغال)

يجب تذكير الديموقراطيين الاجتماعيين، الذين تعتمد سياساتهم على العمالة، أنّ هدف الاستقرار أو الأمان الوظيفي، هو مفهوم كان أصحاب العمل يدافعون عنه في الأساس في منتصف القرن التاسع عشر، وليس ممثلو العمّال. ولعقود طويلة، كان مصطلح «موظّف» أمراً مؤسفاً واعترافاً بوضع اجتماعي متدنٍّ، يطلق عادة على النساء غير المتزوجات اللواتي يُجبرن على القيام بأعمال منخفضة الأجر في أسر بورجوازية أو أرستقراطية.
خلال القرن العشرين، أدّى تحالف غريب بين أيديولوجيات سياسية إلى جعل الشغل أمراً إلزامياً، ما عدا في صفوف طبقة النبلاء والأثرياء. وما كان ضرورة مُرهقة في النظام الرأسمالي، أصبح ضرورة مُرضية في الدستور السوفياتي في عبارة لينين: «من لا يعمل لا يأكل»، واتخذ لاحقاً شكلاً مشابهاً يعادي الحرية في جميع أشكال الديموقراطية الاجتماعية. وكان الحصول على ضمان اجتماعي لائق يقتصر، في شكل متعمّد جداً، على أولئك الذين أدّوا أعمالاً لرؤسائهم أو الذين أظهروا بطرق مهينة، الرغبة في الشغل، أو الذين، كانوا متزوّجين من شخص يعمل، أو الذين أمضوا فترة طويلة في الخدمة.

العمل القسري
أوصل أبطال وبطلات الديموقراطية الاجتماعية كل ذلك إلى خواتيم منطقية. فقد دعمت بياتريس ويب أم الاشتراكية الفابية (الفابيانية)، في شكل صريح معسكرات العمل، حتى لو باستخدام القوة إذا لزم الأمر، مانحة وزراء بلير بعد أجيال عدّة تبريراً لدعم برامج التشغيل الحكومية. وفي موازاة ذلك، آمن ويليام بيفريدج، الأب الروحي لدولة الرفاه البريطانية، الذي يجاهر بليبراليته ويكرّم سنوياً في بورصة لندن، بـ«سوط المجاعة» لإجبار العمّال على العمل. وهذا المنظور في أحسن الأحوال يعتبر منظوراً أبوياً، وفي أسوئها معادياً للحرية.
وتوّج هذا الإجحاف باتفاقيات منظمة العمل الدولية، التي تجسّد النموذج الديموقراطي الاجتماعي، لا سيّما اتفاقية رقم 102 الصادرة عام 1952. وهي اتفاقية الضمان الاجتماعي التي تعتبر وجود «مُعيلين» وزوجات تابعات وسنوات «خدمة»، المعايير التي تؤهّل المرء للحصول على الحماية الاجتماعية. صحيح أنّ هذا النوع من التشريع يُعتبر قديماً، إذ إنّه بمثابة استعادة لثلاثينيات القرن العشرين حين قاد الديموقراطيون الاجتماعيون الجهود من أجله بعد عام 1945، إلاّ أنّه في عام 2001، قادت النقابات المهنية في أوروبا والحكومات الديموقراطية الاجتماعية المطالبات بأن يتم الاحتفاظ به باعتباره يمثّل إحدى الاتفاقيات الدولية «الحديثة».
ولكن لا بدّ من مواجهة هذه الحقائق المزعجة، وليس إلغاءها من تاريخ اليسار. فقد كان الديموقراطيون الاجتماعيون صامتين في شكل ملحوظ على التشويه المنهجي للعمل ومساواته بالشغل. ففي البداية لم يفعلوا أي شيء لتغيير الخطاب أو للتشكيك في التمثيل الإحصائي للعمل، الذي تم استخدامه في الحسابات القومية وإحصاءات العمل منذ الثلاثينيات. ولكن ما لم يتغيّروا، لا يمكنهم أن يأملوا في استعادة تقدّمهم السياسي ولن يستحقوا ذلك.
فإذا قضيت ست ساعات في اليوم في رعاية قريب مسنّ، لا يعتبر ذلك في المنطق الديموقراطي الاجتماعي والليبرالي الجديد عملاً، أما إذا قضيت ثلاث ساعات في اليوم ترعى مسنّاً لا يمتّ لك بصلة مقابل أجر، فيسمّى ذلك عملاً يجعلك ترتقي إلى مستلزمات العيش اللائق كـ«موظّف»، ومن المحتمل أن تحصل على الحماية بطريقة ما من خلال قوانين العمل والضمان الاجتماعي. ولكنّ هذا التمييز سخيف.
عند هذه النقطة، يجب على المرء أن يذكر صفاقة الديموقراطية الاجتماعية في اعتبار أنّ الوظيفة تمنح المرء «كرامة»، و«مكانة»، والسُبل لتحقيق الاندماج الاجتماعي أو الشعور بالانتماء إلى المجتمع. وهنا لا بدّ أن أقول أمراً قد يوافقني عليه بعض القرّاء وهو أنّي لم أشعر أبداً أكثر كرامة أو اندماجاً في المجتمع ممّا أنا عليه منذ أن توقّفت عن شُغل وظيفة.
لتقريب الصورة أكثر، قولوا لرجل ينزل إلى المجاري لإصلاح الأنابيب أنّ ذلك يمنحه كرامة وشعوراً بالانتماء إلى المجتمع، فستواجهون ردّ فعل غير مرحب به. وأخبروا امرأة تخرج على مضض في الصباح لتنظيف أوعية التبوّل السريرية أنّها بذلك تندمج في المجتمع ويجب أن تكون مُمتنّة لامتلاكها وظيفة، وستوبّخكم.
في الواقع، يعتبر معظم الناس الوظائف مفيدة من دون أن يحقّروها ولا أن يضفوا عليها طابعاً رومانسياً. فلا يوجد سبب يبرّر ترفيعها فوق أشكال العمل الأخرى. وهذا بالضبط ما فعله الديموقراطيون الاجتماعيون. ولكنّه ليس موقفاً تقدمياً. وكان ماركس محقاً في وصف الشغل بأنّه «نشاط مغترب».

مغالطة شعبوية
يوجد اليوم سببان آخران للقول أن جميع التقدّميين يجب أن يكونوا أكثر راديكالية وصدقاً من الناحية الفكرية في شأن العمل. أولاً، تشهد ازدواجية العمّالية (labourism)التي شكّلت أساساً صلباً جاهزاً للديموقراطية الاجتماعية في عصر الرأسمالية الصناعية، انهياراً. لذلك من المُضلل الاستمرار في الادّعاء بأنها لا تزال المعيار. وطبقة «البريكاريا» المتنامية تعرف ذلك جيّداً. وهذا أحد الأسباب التي تدفعهم إلى التحوّل إلى حركات تقدّمية جديدة يحرص الديموقراطيون الاجتماعيون القدامى على رفضها باعتبارها «شعبوية».
كانت الثنائيتان اللتان شكّلتا أساس السياسة الديموقراطية الاجتماعية وسياسة العمل: «مكان العمل» مقابل الأماكن الأخرى، و«وقت العمل» مقابل الاستخدامات الأخرى للوقت. ولكن الكثير من العمل يحصل بعيداً من أماكن العمل الرسمية وخارج دوام العمل، كما جادلتُ مطوّلاً في مناسبات أخرى. وكثيراً ما يقضي أولئك الموجودون في صفوف «البريكاريا» وقتاً أطول في العمل للشغل والعمل للدولة مقارنة بالعمل الفعلي. ويخبرهم الديموقراطيون الاشتراكيون ضمناً أن هذا ليس عملاً حقيقياً.
إذا قبل المرء بالواقع فعليه الاعتراف بأن إحصاءات العمالة الوطنية تشوّه في شكل متنامٍ صور العمل والطريقة التي يعيش بها الناس. فلا يمكن أي شخص يدّعي أنه من اليسار الدفاع عن اعتماد السياسة الاجتماعية على العمالة المرئية، ولكن هذا التشويه يناسب شخصاً آخر من اليمين. فالحماية يجب أن تُعطى فقط لأولئك الذين يقومون بعمل مرئي. وهنا جاءت ديموقراطية «الطريق الثالث» الاجتماعية التي ذهبت أبعد في هذا الطريق، مُدعيةً أنه لا ينبغي أن تكون هناك حقوق من دون مسؤولية، وأن الفقراء يجب أن يثبتوا ذلك بالشغل، من خلال شغل وظائف.

برامج التشغيل الحكومية
يجب على المرء أن يترك الأمر لضمير الديموقراطيين الاجتماعيين ليشرحوا سبب التزامهم الصمت في شأن طبيعة إحصاءات العمالة الوطنية. فالمرحلة النهائية من قبول النموذج العمّالي هو برامج التشغيل الحكومية، وهو أمر لا مفرّ منه إذا قبل المرء الخضوع لفحص القدرات المالية ووافق على مرونة سوق العمل. وكان ماتيو رينزي في إيطاليا آخر من سلك هذا الاتجاه، وكان حزبه الاجتماعي الديموقراطي (الحزب الديموقراطي) أحدث من دفع ثمن الانحدار، ليصبح كمن يمشي وهو ميّت. ومهّد ويم كوك الذي أسّس «الطريق الثالث»، الطريق أمام انحدار حزب العمّال الهولندي إلى الهاوية، فيما قادت إصلاحات هارتز الرابع، الديموقراطيين الاجتماعيين في ألمانيا إلى المصير نفسه، وخسر حزب العمّال الجديد في بريطانيا «البريكاريا» بسبب ميله إلى فحص القدرات المالية وسمح ببروز شبح الائتمان الدولي باعتباره السياسة الاجتماعية الأكثر ليبرالية لعقود عدة.
لا بدّ أن أقول أمراً قد يوافقني عليه بعض القرّاء وهو أنّي لم أشعر أبداً أكثر كرامة أو اندماجاً في المجتمع مما أنا عليه منذ أن توقّفت عن شُغل وظيفة


وبدلاً من انتقاد برامج التشغيل الحكومية التي تُجبر العاطلين من العمل على القيام بعمل تافه، يقضي الديموقراطيون الاجتماعيون الأكبر سنّاً وقتاً أطول بكثير في مهاجمة الدخل الأساسي الذي، إلى جانب توفير الأمان المُحتمل، يشجّع على العمل بدلاً من الشغل.
وما لم يتمكّن الديموقراطيون الاجتماعيون من عكس التزامهم بالعمّالية، فإنهم سينتهون بالتأكيد كقوة سياسية. نعم الأمر أساسي إلى هذا الحدّ. غير أن السبب الآخر للرغبة في إعادة النظر في التفكير التقدمي في شأن العمل هو الأكثر أهمية في سياق الأزمة البيئية التي تندفع نحونا.
للأسف، لدى اليسار في شكل عام، والديموقراطيين الاجتماعيين بوجه خاص، سجل سيء من الناحية البيئية. فكلما برز تعارض بين خلق الوظائف والبيئة، أعطوا الأولوية للوظائف التي يسمّونها وظائف «الطبقة العاملة». وفي أفضل الأحوال، كلّ ما بقي للديموقراطيين الاجتماعيين هي ترسّبات من سياسة تقوم على التعامل مع «العوامل الخارجية» والسيطرة على التلوّث بدلاً من الترويج لاستراتيجية تنموية مستدامة.

نمو اليسار الأخضر
من هنا لا بد من أن يعيد اليسار إطلاق نفسه. فكّروا في المعضلة التالية: إذا احتسبنا العمالة فقط من خلال الإحصاءات الوطنية، وإذا تم قبول العمل فقط من قبل البيروقراطيين الذين يديرون السياسة الاجتماعية، عندئذ ستنخفض قيمة «النمو الاقتصادي» وسنركّز كثيراً على الأنشطة التي تؤدّي إلى استنفاد الموارد. وإذا اتّبعنا بدلاً من ذلك نهجاً غير عمّالي، فإن قيمة العمل الذي ليس شُغلاً أو ما يطلق عليه عادةً «قيمة الاستخدام» ستتساوى على الأقل مع «قيمة المبادلة».
يجب أن يكون ذلك جذاباً جداً لأي شخص ينتمي إلى «اليسار الأخضر»، وسوف يمكّنه من تجاوز غرابة مصطلح «تراجع النمو» (de-growth). فإذا كانت الأنشطة المُصمّمة للحفاظ على مواردنا وإعادة إنتاج أنفسنا ومجتمعاتنا، تُعطى قيمة متساوية للأنشطة التي تستنفد الموارد، فإن الانتقال من الأخيرة إلى السابقة لن يخفّض «النمو» أو «تراجع النمو». ومن الصعب الحفاظ على حملة سياسية تقوم على «تراجع النمو» إذا كان ذلك يعني تخفيض النمو الاقتصادي، حيث أن الإحصاءات التقليدية تشير إلى أنّ ذلك يعني انخفاض مستوى المعيشة في المتوسط. ولكن قد يجعل ذلك أتباع اليسار الأخضر الأكثر تطوّراً، يشعرون بأنّهم فاضلون وأصحاب مبادئ، ولكن من غير المُحتمل أن يجذب ذلك الناخب النمطي.
إذا مُنح العمل الذي ليس شغلاً قيمة مساوية (أو أكثر) واهتماماً أكبر في الإحصاءات، وفي الخطاب التقدمي وفي المقالات والكتب التي يؤلّفها التقدميون، من شأنه السماح للجميع بقياس «النمو» بحساسية أكبر على البيئة. وأنا على ثقة بأنّ الكثيرين بيننا في اليسار يشعرون بعدم الراحة تجاه الدعوات التي يطلقها أشباه الكنزيين وغيرهم في اليسار للمزيد من النمو، في الوقت الذي يعني ذلك المزيد من الاستنفاد للموارد والاحتباس الحراري وتراجع العمل لمصلحة الشغل.
لا مفرّ من الفخّ الديموقراطي الاجتماعي. في الفكر التقليدي، إذا انتقلت من القيام بعمل مملّ في مكتب كل يوم إلى قضاء الوقت نفسه في رعاية أقارب مسنّين أو خدمة مجتمعك المحلّي، سينخفض النمو الاقتصادي وهو ما يعتبر أمراً «سيئاً». ولكن إذا تمّ تقييم عمل الرعاية بما لا يقل عن وظيفة المكتب، فلن يقلّل هذا التحوّل من النمو. بعضنا يتمنّى أن يكون أكثر راديكالية. ولكن ذلك سيكون بداية رائعة.
www.socialeurope.eu

* ترجمة: لمياء الساحلي
*بروفسور باحث مشارك في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن ومؤلف «فساد الرأسمالية: لماذا يزدهر أصحاب رأس المال والعمل لا يدرّ مالاً؟» (Biteback، 2016)، و«الدخل الأساسي: وكيف نحققه» (Penguin، 2017)، كما كتب «البريكاريا: الطبقة الجديدة الخطرة» (Bloomsbury، 2011)، و«ميثاق للبريكاريا: من المقيمين إلى المواطنين» (Bloomsbury، 2014). وهو أيضاً الرئيس الفخري المشارك لشبكة الأرض للدخل الأساسي، وهي منظمة دولية غير حكومية تعمل على تعزيز الدخل الأساسي.