الثروة، أي البحبوحة، حين نَعرِض لها على نحو تحليلي، يظهر لنا أنها اصطِلاح الجماعة اشتُقّ من وجودها، وذلك لأن الفرد ليس بحاجة إلى الثروة، بهذا المعنى أصلاً، فإذاً، هي ضرورة اجتماعية فقط *.

وكانت في الأصل محاصيلٍ تُعبّر عن حاجات حيويّة، وبتولُّد «فكرة الغد» وبتحرُّك مخاوفه، تولّد الادّخار وأعان عليه الطّماعية والنهم. ولما كانت المحاصيل لا يمكن ادّخارها إذ ذلك، تولّد في سلسلة من المراحل، «النقد» الذي ساعد على استفحال النهم والشره.
وكان في هذا الاستفحال النهمي، الذي قاعدته النقد، ما نقل العمل الاجتماعي في تسلسله الطبيعي: محاصيل، فنقد، فمحاصيل، إلى تسلسل جشعي إجرامي: نقد، فمحاصيل، فنقد.
وبذلك، تولّد «الرأسمال» البغيض، الذي اتخذ غاية ما اصطلحت عليه الجماعة وسيلة، فوقف النشاط العام عند أقلّيّة ضئيلة.
وعليه، فالثروة، ورمزها النقد - ومعادلته رياضياً أنه: حاصل جهد + ضرورة - تُعبّر عن احتياجات حيوية عضوية، جمّدتها الأنانية واستلبها الذين هم أكثر تطفّلاً، واستبدّوا بها.
وبما أنها كذلك، أي حاجة الجماعة وجهد الجماعة، فكل استحواذ للفرد عليها استحواذاً أنانياً، يشير إلى اعتداء، دون ما ريب، لأنه استحواذٌ على الجماعة نفسها... وبالتالي، كلّما وجد استقطاب مالي أناني، فهناك أنكر وجه من وجوه الجريمة.
الشيخ عبد الله العلايلي
أين الخطأ؟ - 1978

* لا أطلق الثروة هنا بالمعنى المتداول في علم الاقتصاد، من أنها ما يمكن أن يتقوّم بقيمة، مهما كانت، وخصائصها: كونها نافعة، إمكان حيازتها: فحرارة الشمس مفيدة ولكن لا تعدُّ ثروة إلا بتحويلها إلى شغل أو طاقة، انفصالها عن شخص الإنسان إلّا في ما غير من عهد الرّقّ، عدم شيعوها كالهواء فإنه ليس ثروة إلّا بتحويله أيضاً... إلخ، ودفعاً للّبس ومجانبة للإبهام واختلاط المفاهيم، أطلق على معناها عند علماء الاقتصاد كلمة: غنية بكسر الأوّل أو ضمّه، وأخصّ الثروة هنا بالبحبوحة في وسائل اليُسر.