«إن التقشّف هو قرار سياسي»

جون ماكدونيل

عادت في بعض الأوساط، في الآونة الأخيرة، نغمة التقشّف وشدّ الأحزمة وإلى ما هنالك من إجراءات شبيهة، كطريقة وحيدة لحل الأزمة المالية التي يمرّ بها لبنان (وهو يمرّ بها منذ التسعينيات)، ودرءاً لاحتمال أزمة نقدية كَثُر الحديث والشائعات عنها أيضاً في الفترة الأخيرة. لا أحد يعلم كيف ستبدو خطة التقشّف هذه، إن حصلت بالطبع: هل ستكون عفوية أم ارتجالية مثل «خطّة» سعد الحريري التي أعلنها عند بحث موازنة 2018، ألا وهي خفض 20% من نفقات كلّ الوزارات؛ أم ستكون خطّة أكثر منهجية وتفصيلاً؟ لا بد هنا، في هذا الإطار، من طرح بعض المواضيع التي لا تُؤخَذ بالاعتبار عند البحث أو التفكير بالتقشّف. فهو يُشَبّه عادةً، عن عدم دراية أو لمحاولة التبسيط، بالتقشّف المنزلي، لكنه بالتأكيد ليس كذلك.

(أنجل بوليغان ــ المكسيك)

أولاً، نحن لسنا في القارب نفسه
إن خطاب شدّ الأحزمة وإلى ما هنالك من تعابير تستخدم من أجل إشاعة نوع من حالة الطوارئ الاقتصادية، إذ يتم حشد الشعب بمجمله دعماً للتقشّف، ما هو إلا ذرّ للرماد في العيون. فسياسات التقشّف تؤدي الى خاسرين ليسوا موزّعين بشكل عشوائي بين الشعب. أي من سيدفع ثمن أو أثمان التقشّف لن يتم اختياره ككرات اللوتو. لو كان كذلك، يمكننا كلنا أن نوافق على التقشّف ونتضرّع ألا يصيبنا، بل يصيب غيرنا «خبط عشواء». لكن التقشّف في تجارب كل البلدان التي مرّت به لديه تأثير سيئ على الطبقات المتوسطة والعاملة وعلى الفقراء، فمثلاً يزيد الفقر (في إيطاليا ارتفع عدد الفقراء من 2 مليون في 2008 إلى 5 ملايين في 2017)، والتشرّد بين متدنّيي الدخل، والموت المبكر (في دراسة نشرت في المجلة الأميركية للصحة العامة وجدت أن في إسبانيا بعد عام 2010، أي عام بدء التقشّف، زادت معدلات الوفيات بشكل ملحوظ)، ويزيد البطالة ويخَفّض نفقات دولة الرفاه الاجتماعي. إذاً نحن أمام إجراء اقتصادي يُحَمِّل تبعاته بشكل غير متساوٍ بين الفئات والطبقات الاجتماعية.
ثانياً، التقشّف ليس مفهوماً محايداً
فهو ليس أمراً مفروضاً علينا تبعاً لقانون اقتصادي صارم لا يمكننا الهروب منه. فكما قال النائب العمّالي البريطاني ومستشار الظل جون ماكدونيل خلال مطالعة له في مجلس العموم البريطاني: «إن الشعب يعرف الآن أن التقشّف كان قراراً سياسياً وليس حاجة اقتصادية». والأساس هنا أن التقشّف الذي يُطرح دائماً وكأنه فقط يطال الإنفاق هو أمر غير منفصل عن الضرائب. يضيف ماكدونيل في المطالعة نفسها (على وقع استهجان المحافظين طبعاً): «إن المحافظين اختاروا أن يخفّضوا الضرائب على الأغنياء والشركات والمصرفيين، وقد دفع باقي المجتمع ثمن هذا». وكان أيضاً بيرني ساندرز واضحاً في هذا المجال، إذ قال: «علينا أن نلغي الفجوات الضريبية التي تتيح لأغنى الشركات أن تتجنّب ضرائب بتريليونات الدولارات! علينا أن ننهي التقشّف على العائلات العاملة ونضع قليلاً من التقشّف على أغنى وأقوى الشركات في العالم».
ثالثاً، التقشّف عادة لا يعمل كما يُسوّق
فهو يؤدي إلى خسائر اقتصادية كلية أيضاً. أي أنه يؤخّر من النمو بدلاً من إطلاقه، فنظرية (أو أضحوكة) التقشّف التوسّعي (أي أن التقشّف يحفز النمو) قد برهنت على أنها مخطئة، بل مخطئة جداً. كما أنه في كثير من الأحيان، لا يصيب الأهداف التي وُضع من أجْلها. ففي بريطانيا، صدر أخيراً تقرير عن «مكتب المسؤولية المالية» يحتسب أن بريطانيا، بعد كل التقشّف الذي حصل في السنوات الأخيرة، بحاجة إلى 50 سنة أخرى من خفض النفقات حتى تتفادى انفجار الدين العام! بينما البرتغال أخذت طريقاً آخر منذ عام 2015 بعيداً من التقشف، والآن تتمتع بنمو وازدهار كبيرين. تقول ليز ألديرمان في مقالة في النيويورك تايمز في تموز الحالي: «تحدّت البرتغال المنتقدين الذين أصرّوا على التقشّف كإجابة عن الأزمة الاقتصادية والمالية في أوروبا. في حين أن البلدان من اليونان إلى إيرلندا ــــ وعلى فترة البرتغال نفسها ــــ التزمت بهذا الخطّ، قاومت لشبونة، ما ساعد على إحياء عملية انتعاش دفعت بالنمو الاقتصادي العام الماضي إلى أعلى مستوى له في عقد من الزمان، وقد حصل هذا على أثر تحالف غير معتاد بين يسار الوسط مع الأحزاب الشيوعية واليسارية الراديكالية، والتي تم عزلها عن السلطة منذ نهاية الديكتاتورية البرتغالية في عام 1974. واتحدوا على هدف التغلّب على بعض أصعب جوانب التقشّف، مع تحقيق التوازن الدفتري وفاءً لقواعد منطقة اليورو».
رابعاً، يجب علينا أن لا نتوقّع الكثير من التقشّف
فحكومة تحاصص طائفية تميل دائماً إلى الشعبوية لتحقيق مطالب جماهير طوائفها. ومثال على ذلك، سلسلة الرتب والرواتب التي أقرّت لا لسبب اقتصادي، أي إعادة القيمة الحقيقية لأجور العاملين في القطاع العام والأساتذة، بل من أجل كسب الولاء السياسي والمذهبي والاجتماعي لهؤلاء. لو كان الأمر غير ذلك، لقابلت الحكومة السلسلة بضرائب إضافية على الأرباح والريع وحتى على الضريبة على القيمة المضافة إلى معدلات أعلى من 11%. هكذا كانت تصرّفت حكومة مسؤولة من أجل التخفيف من سلبيات السلسلة على الموازنة وعلى ميزان المدفوعات، وذلك عبر تحويل الموارد من الطبقات الريعية الخاملة نحو الموازنة، وعبر كبح الاستهلاك الخاص. لكن حكومة محاصصة طائفية وتخضع أيضاً لسيطرة التجّار والريعيين لم تكن لتفعل ذلك. فمسار حكومات ما بعد الطائف هو في انحدار نحو المزيد من الطائفية والشعبوية. فإذا كان هناك في الماضي، أي في عام 1992، بعض من «منطق الرأسمال»، اليوم انتهى كله، فنحن الآن في مرحلة الصراع التوزيعي الواضح بين المذاهب والأحزاب الحاكمة.
خامساً، على الحكومة وضع التثبيت النقدي على الطاولة
مباشرة من دون مواربة. فإذا أرادوا الحفاظ عليه، هناك سلسلة إجراءات عليهم اتباعها، وإذا لم يريدوا فهذا خيارهم. فالذي حافظ على التثبيت حتى الآن هي الترويكا المحلية (المصرف المركزي، المصارف، الدولة)، مدعومة بالتدفق الخارجي للرساميل، كما ذكرت سابقاً. ولا يبدو أن الترويكا اهتزّ تحالفها، وإذا كان هناك مشكلة في الأمر الأخير، فليست «الميول الشيوعية» هي التي أدّت إلى ذلك بالتأكيد! وبالتالي فإن ما قاله الوزير رائد خوري أمر خارج السياق لمسار الأمور. البعض شبّه الوزير بالسيناتور الأميركي جوزف مكارثي، الذي في خمسينيات القرن الماضي كثّف الحملة، التي كانت قد بدأت قبل ذلك، ضد الشيوعيين ومرافقي الطريق (fellow travellers) في أميركا، والتي أدّت في مجملها إلى آلاف الضحايا الذين خسروا وظائفهم، وإلى تحطيم مستقبل الكثير من الفنانين والعلماء والأدباء الأميركيين والمهاجرين. لكن بالطبع هذا التشبيه ليس في محله، فمكارثي ابتدأ جدّياً وانتهى أضحوكة، وهنا نحن فعلياً أمام parody لـparody.
التقشّف لن يتم اختياره ككرات اللوتو. لو كان كذلك، لكان يمكننا كلنا أن نوافق على التقشّف ونتضرّع ألا يصيبنا بل يصيب غيرنا


يقول بول كروغمان عن الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة: «هناك مرض أعمق من ترامب: فهناك حزب سياسي ذو سطوة، وفعلياً يتحكّم بكل مفاصل السلطة، راضٍ عن التخريب الخارجي للديموقراطية الأميركية، ما دام ذلك يساعدهم على خفض الضرائب على الأغنياء وعلى منع الرعاية الصحية عن الفقراء».
هذه القوى الحاكمة في لبنان أخضعت البلاد للخارج حفاظاً على مصالحها الطبقية، بالإضافة إلى الطائفية، وأوصلتها إلى حالة حيث تحتلّ، حسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي 2017-2018 حول التنافسية العالمية، المرتبة 124 في المؤسسات، والـ 133 في البيئة الماكرو – اقتصادية، والـ 134 في جودة الكهرباء، والـ 130 في جودة البنية التحتية. إذاً الأهم اليوم، أن تُؤخذ الأمور بجدّية بدلاً من اتخاذ القرارات اليائسة مثل تشريع زراعة الحشيشة، أو ترداد القديم، أو البحث عن أكباش محرقة هنا أو هناك. فالصراعات «التوزيعية» وصراعات «الأحجام» والشعبوية والجهل بألف باء الاقتصاد وإلى ما هنالك من علل تصيب الجسم السياسي اللبناني هي الأساس. وهنا المعضلة الكبرى! فهي ليست ميولاً، بل هي أمراض يجب إنهاؤها.