يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن التطبيقات الإلكترونية، إذ أصبح من الممكن إيجاد تطبيق لكل خدمة أو فعل نقوم به في حياتنا اليومية. وهذا ما دفع آدم غرينفيلد، الباحث في أمن المعلومات، إلى الحديث في كتابه «التكنولوجيات الراديكالية» (2017) عن استباحة التطبيقات الإلكترونية للحياة اليومية للأفراد والتحكّم بأدقّ تفاصيلها، حتى وصل به إلى اعتماد مصطلح استعمار الحياة اليومية (colonizing of everday life)، وذلك عبر الوسائط التكنولوجية المحمولة، وعلى رأسها الهاتف الذكي أو الساعات والأساور الذكية، والتي تقوم عملياً بتوثيق وإرسال دائم (24/7) لمجمل البيانات التي يتطلّبها بروتوكول الاستعمال، الذي نوافق عليه في اللحظة التي نحمّل فيها أياً من التطبيقات التي نستعملها.

7 ملايين سائق

يعملون مع «أوبر» وينقلون نحو 30 مليون راكب بمعدّل 147 رحلة في الثانية الواحدة في أكثر من 500 مدينة موزّعة على أكثر من 70 بلداً


كي نعلم مدى اتساع دائرة تأثير التطبيقات الإلكترونية، علينا القيام بتمرين بسيط نقوم خلاله بتخيّل حياتنا اليومية من دونها. تمرين كهذا عليه أن يتخطّى التطبيقات المعروفة كفايسبوك أو واتساب أو إنستغرام أو حتى أوبر وAirBnb. لا بل علينا التفكير في إمكانية الاستغناء عن التطبيقات التي نستعملها للاطلاع على حساباتنا المصرفية أو القيام بمعاملات مالية صغيرة، الاستماع للموسيقى، الاطلاع على معلومات الطقس، الترجمة الفورية، المفكرة الرقمية. ويصل الأمر في بعض الدول المتقدّمة في مجال استعمال تكنولوجيا المعلومات إلى إدارة حسابات الأفراد والأسر المرتبطة في خدمات أساسية كالمياه والكهرباء والغاز والإنترنت والمدرسة، بالإضافة إلى الاستشارات الطبية المباشرة.
أمام هذا المشهد، تروّج هذه التطبيقات لنفسها كخدمات مجانية، تهدف إلى تحسين نوعية الحياة للأفراد أو الجماعات، وهي أحياناً كثيرة تتخذ من بعض القيم كالحرية الفردية والإبداع ركائز أساسية لحملاتها الدعائية. فهكذا يصبح العملاق الإلكتروني، فايسبوك، الذي يسيطر على قسم كبير من سوق الإعلانات الرقمية، وسيلة اتصال وتواصل مجانية تجمع بين الناس على اختلافاتهم واتساع المسافات بينهم. فالموقع/ التطبيق الذي يضم حوالى 2.19 مليار حساب ناشط حتى الربع الأول من عام 2018 يقوم عملياً بتوثيق النشاط الرقمي للمستخدمين وتصنيفه (ما يقارب ثلث البشرية جمعاء)، ويعيد إنتاجها على شكل سلعة معروفة بمسمى «الداتا»، التي يصار إلى بيعها في السوق الدولية للإعلانات. وهكذا أيضاً تقوم شركة كـ«أوبر»، التي تعرّف عن نفسها بأنها السبيل الرئيس أمام الأفراد لزيادة مداخيلهم من دون أي قيود أو أكلاف إضافية ومعاملات إدارية مُعقّدة، بتوثيق بيانات ملايين السائقين (7 ملايين على أقل تقدير، كما تمّ الكشف عنه في أحد التسريبات) والركّاب (30 مليوناً) والذين يقومون بحوالى 147 رحلة في الثانية الواحدة في أكثر من 500 مدينة موزّعة على أكثر من 70 بلداً. الحال نفسها تنسحب على الكثير من التطبيقات الأخرى التي نستعملها في حياتنا اليومية من دون أن ندرك أننا عملياً ندفع مقابل هذه الخدمات من بياناتنا التي نمنحها إياها، مقابل استعمال خدماتها «المجانية»، والتي تخفي في طياتها نموذجاً جديداً من الشركات الرأسمالية تقوم على ركائز ثلاث:


أولاً، تمويل المخاطر
هو أحد أشكال التمويل الرأسمالي، التي تستهدف الشركات الحديثة، وتحديداً تلك المعنية بالتكنولوجيا المتطوّرة. ينشط في هذا المجال مستثمرون يستثمرون في الأفكار والمشاريع التي يجدونها فرصة لإحداث تغيير ثوري في بيئة الأعمال، إن عبر التكنولوجيا المتبعة أو عبر النموذج الإداري المُعتمد، وأيضاً بسبب طبيعة الخدمة المقدّمة. في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى تقاطع المصالح الأساسي الذي ينشأ ما بين مستثمر المخاطر من جهة، وروّاد الأفكار والأعمال من جهة أخرى (كمارك زوكربيرغ في حالة فايسبوك أو ترافيس كلانيك في حالة أوبر)، والذي يغلّف بشعارات كدعم التطوّر التقني وتشجيع المبدعين الشباب أو حتى دعم التكنولوجيا والأعمال الصديقة للبيئة. هكذا يمكننا أن نجد أن الصندوق السعودي للتنمية، الساعي إلى تنويع مصادر الاستثمار بعيداً من اقتصاد الطاقة الأحفورية، قد شارك بإحدى جولات التمويل لشركة أوبر، التي تقدّم نفسها كأحد أبرز الحلول لمشكلة الازدحام المروري عبر ما تسمّيه خدمة تشارك النقل (ride sharing)، بمبلغ وصل الى نحو 3.5 مليارات دولار.

ثانياً، التكنولوجيا الحديثة
تقدّم نفسها للعموم كمطوّر لبرامج المعلوماتية، كحال أوبر مثلاً التي جهدت لتصنيف نفسها كشركة معنية بالتطوير التكنولوجي بعيداً من خدمات النقل حتى وصلت بها الحال إلى اعتبار نفسها (أمام محكمة العمل في لندن) مظلّة تجمع ما بين حوالى 30 ألفاً من روّاد الأعمال (سائقي السيارات) مع الآلاف من الركّاب. هذا ما رفضه القاضي واعتبره مُجانباً للمنطق. إلا أن المشترك بين مختلف المنصّات الإلكترونية هو اعتمادها التكنولوجيا الرقمية والإنترنت كالبنية التحتية الأساسية لعملية الإنتاج. هنا نتحدّث عن خطوط إنتاج تبدأ وتتطوّر وتنتهي في ما يعرف بالفضاء الرقمي الذي تشكّل الإنترنت بنيته التحتية، وقد تتخلّل عملية الإنتاج بعض الجوانب التي تجرى في العالم الفعلي كنقل سائق أوبر لراكب ما من منطقة إلى أخرى. إلا أن هذا الجانب يبقى تحت إشراف وسيطرة مباشرة من الأدوات الرقمية (تحديداً الخوارزميات المكوّنة للتطبيق). في اقتصاد المنصّات الإلكترونية، تختلف وظيفة التقانة. هي لم تعد أداة لتحفيز الإنتاجية وتوسيع هوامش الأرباح، بل أصبحت تشكّل بعداً افتراضياً بذاته يقوم بأدواته الخاصة (الخوارزميات) بالتحكّم بالحياة اليومية، لا بل أصبح يشكّل عالماً موازياً للعالم المادي الحقيقي.
إعادة تعريف العمّال كروّاد أعمال أو عاملين لحسابهم مع تحميلهم جزءاً أساسياً من كلفة الاستثمار الثابت في عملية الإنتاج وحرمانهم من أي حقوق تكفلها قوانين العمل

ما يشبه فيلم «مايتريكس» إلى حدّ ما، علما بأن تطوير خوارزميات مُتمكّنة من اكتساب مهارات التعلّم الذاتي واتخاذ القرارات المستقلّة، يعتبر عاملاً أساسياً في بنية الإنتاج المُتبعة في المنصّات الإلكترونية، حتى إنها أصبحت بديلاً لمعظم أقسام الإدارة في الشركات التقليدية (إدارة الموارد البشرية، ضمان الجودة، اتخاذ القرارات المتعلّقة بالأسعار، تحديد كميات الإنتاج وآليات التصريف. اللافت هنا أن الديجيتال أو السايبر هو عالم أو سوق عمل ضخم يجمع ملايين من العمّال ولا تحكمه سوى معايير أحادية يضعها المستثمرون وتشاركهم بها الخوارزميات في بعض الأحيان. هكذا ينجح آمازون عبر منصّته الإلكترونية «ميكانيكول تورك» في استيراد شروط عمل مصانع شرق آسيا والصين وفرضها على العمّال في الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال لا الحصر.

ثالثاً، الطبيعة التدميرية (disruptive)
معظم هذه التطبيقات تقوم بشكل أساسي على تدمير أنماط الإنتاج السابقة لها كشرط أساسي لسيطرتها على السوق. نلاحظ هنا كيف غيّر آمازون وإلى الأبد مفهوم الشراء بالتجزئة، وكيف نشهد البوم فورة في مبيعات التجزئة عبر المنصّات الإلكترونية، مقابل ازدياد كبير في نسب إقفال متاجر التجزئة الكبرى كـ Sears أو Toys R us. الأمر نفسه ينسحب على تطبيق أوبر الذي غيّر في طبيعة قطاع النقل عبر التاكسي، وAirbnb الذي يعتبر مسؤولاً مباشراً عن إعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاع العقاري في الكثير من المدن، لا بل يقوم بدور محوري في موجة الارتفاع الجنوني للإيجارات في مدن كتورنتو وبرشلونة وغيرهما. حتى إن هذا التطبيق يعتبر العدو الأوّل لكبريات الفنادق، وتحديداً مع تفشي ظاهرة الفنادق المُقنّعة، حيث تقسم الشقق إلى غرف يصار إلى استئجارها بشكل يومي مع خدمات مباشرة توفّر على مدار الساعة.
تتنوّع هذه الشركات/ التطبيقات وتختلف بطبيعة الخدمات التي تقدّمها، إلا أن من الضروري الإشارة هنا إلى كونها تشكّل ظاهرة أساسية في بنية الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وهي متشعّبة إلى درجة أنه يمكن الحديث عن اقتصاد منصّات إلكترونية (المصطلح يعود للباحث الأميركي د. مارتن كيني) يختلف بشكل كلّي عن مفهوم الاقتصاد الرقمي التقليدي، الذي عايشناه منذ مطلع التسعينيات. فالمنصّات الإلكترونية ليست امتداداً لشركات موجودة خارج الفضاء، وهي أنتجت إشكاليتين أساسيتين أمام النقاش الجدي حول مستقبل العمل على المدى المتوسط؛ أولاً، تعتمد هذه الشركات على التطبيق الإلكتروني Application كأداة إدارية متعدّدة الوظائف وكبديل من الإدارة البشرية لخطوط الإنتاج. وثانياً، إعادة تعريف العمّال كروّاد أعمال أو عاملين لحسابهم مع تحميلهم جزءاً أساسياً من كلفة الاستثمار الثابت في عملية الإنتاج وحرمانهم من أي حقوق تكفلها قوانين العمل. تبقى هاتان الإشكاليتان مادة أساسية لنقاش مُعمّق حول طبيعة عمل المنصّات الإلكترونية وميكانيزمات المواجهة التي يعتمدها العمّال المنخرطون في أنشطة اقتصادية عبر المنصّات الإلكترونية.