أظهر بيان الربح والخسارة للقطاع المصرفي اللبناني (income statement) أن الأرباح الصافية (بعد تسديد الضريبة) قفزت في العام الماضي إلى 2.6 مليار دولار، بزيادة 772 مليون دولار عن عام 2016، وهذه أعلى قفزة تسجّلها الأرباح المصرّح عنها في سنة واحدة، أقلّه في السنوات العشر الماضية، أي منذ انفجار أزمة الأسواق المالية في عام 2008 واستمرار تداعياتها حتى الآن، وتحوّل ميزان المدفوعات اللبناني إلى عجز بنيوي دائم منذ عام 2011، نتيجة ضمور التدفقات الخارجية وخروج رأس المال من لبنان وارتفاع المخاطر النقدية والتمويلية.


يشمل بيان الربح والخسارة النتائج المُحقّقة في لبنان فقط، أي من دون نتائج فروع المصارف ووحداتها التابعة في الخارج، وهو بالتالي يعكس نتائج العمليات المحلية إلى حدّ كبير، ويبيّن مصادر الإيرادات ومكامن «الأعباء»، وفق التعبير المستخدم فيه. إلا أنه لا يشمل نتائج العمليات (ربح أو خسارة) المُسجّلة خارج الميزانيات أو النتائج المؤجّلة، وأبرزها القسم المهم من أرباح ما يُسمّى «الهندسات المالية». وعلى الرغم من ذلك، تسمح قراءة هذا البيان بتكوين صورة عن الأرباح المُحقّقة ومصادرها.
في نهاية عام 2017، وصلت قيمة الموجودات لدى المصارف المحلية إلى 230 مليار دولار تقريباً، من ضمنها نحو 167 مليار دولار كودائع للزبائن (من دون ودائع القطاع العام وودائع الشركاء)، أي نحو 73% من مجمل الموجودات، ومن ضمنها أيضاً نحو 13 مليار دولار كقروض من مصرف لبنان إلى المصارف، بفوائد شبه مجانية مخصّصة لدعم ربحية المصارف وتعزيز ميزانياتها. ما يعني أن هذين المصدرين يمثلان أكثر من 78% من مجمل الموجودات، والباقي (22%) يمثل المصادر الأخرى، بما في ذلك الأموال الخاصة وودائع القطاع العام والقطاع المالي غير المقيم.
أين يجري توظيف هذه الموجودات الضخمة؟
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

بلغ مجموع التوظيفات في الأدوات السيادية (المديونية الفعلية المترتبة على الدولة اللبنانية من خلال سندات الدين وشهادات الإيداع والهندسات المالية) نحو 137 مليار دولار في نهاية العام الماضي، أي إن 60% من مجمل موجودات المصارف موظّفة لدى الدولة اللبنانية، في حين بلغت التوظيفات في القروض الممنوحة للقطاع الخاص نحو 62 مليار دولار، أي نحو 27% من مجمل الموجودات، علماً أن نحو 7 مليارات من هذه القروض موظّفة في الخارج، ونحو 4 مليارات متعثّرة ولا ينتج عنها أي فوائد، ما يعني أن قروض المصارف المُنتجة للفوائد محلياً تبلغ نحو 51 مليار دولار، من ضمنها أكثر من 21 مليار دولار قروضاً سكنية وشخصية ونحو 14 ملياراً قروضاً عقارية. ووفق بيانات العام الماضي، فإن القروض السكنية كانت مسؤولة عن ربع النمو في محفظة قروض القطاع الخاص، وكانت قروض تجارة الجملة (المستوردين) مسؤولة عن الربع أيضاً.
هذه الخريطة الموجزة لتوزّع توظيفات المصارف تبيّن أن المصدر الرئيس للإيرادات هو المال العام، من دون أن يقلّل ذلك عبء المديونية على الأسر والشركات، التي تتجاوز 100% من مجمل الناتج المحلي. ووفق بيان الربح والخسارة لعام 2017، بلغ مجموع الفوائد التي قبضتها المصارف على توظيفاتها المذكورة نحو 11.8 مليار دولار، 45% منها مصدره مصرف لبنان و20% مصدره الخزينة العامة، و32% مصدره القروض للقطاع الخاص وأقل من 4% بقية المصادر المتاحة. ما يعني أن نحو 8 مليارات دولار من مجموع الفوائد المقبوضة مصدرها المال العام، ونحو 1.5 مليار دولار مصدرها قروض الأسر.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

استخدمت المصارف هذه الكتلة الهائلة من الفوائد المقبوضة، ولا سيّما التي قبضتها من المال العام، لتسديد نحو 8.1 مليار دولار كفوائد مترتبة على الودائع لديها، ولا سيّما ودائع الزبائن. وإذا اعتمدنا نسب التركّز في الودائع كمقياس لتحديد ما دفعته المصارف إلى كبار المودعين، فإن 0.8% من الزبائن فقط قبضوا أكثر من 4.2 مليار دولار من هذه الفوائد، في حين احتفظت المصارف بأكثر من 3.7 مليار دولار، وتوزّع أقل من 200 مليون دولار على كل الأطراف الباقية.
لا تربح المصارف من الفوائد فحسب، إذ تتضمّن إيراداتها عمولات تقبضها من الزبائن لقاء خدمات تقدّمها لهم، وكذلك تقبض العمولات من عمليات تجريها مع مصرف لبنان والمصارف الأخرى والعمليات في الأسواق المالية والبورصات وأسواق القطع والمساهمات المختلفة، وغيرها. ووفق بيان الربح والخسارة، قبضت المصارف في العام الماضي نحو 885 مليون دولار كعمولات ودفعت في المقابل 181 مليون دولار، ما يعني أن صافي العمولات التي قبضتها بلغ 703 ملايين دولار. يضاف إلى هذه العمولات نحو 610 ملايين دولار كأرباح من العمليات الجارية مع مصرف لبنان (الهندسات المالية)، ونحو 109 ملايين دولار كسبتها المصارف من عمليات القطع، فضلاً عن 574 مليون دولار كسبتها كإيرادات أسهم وحصص ومساهمات وإيرادات تشغيلية أخرى.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

بمعنى أوضح، حقّقت المصارف في العام الماضي إيرادات بقيمة تصل إلى 6 مليارات دولار، بعد تنزيل الفوائد والعمولات المدفوعة من قبل المصارف إلى أطراف أخرى، معظمها من توظيفاتها في الدين العام وعمليات مصرف لبنان، وأعادت توزيع هذه الإيرادات عبر إنفاق نحو 1.4 مليار دولار على موظّفي المصارف، من ضمنها نحو 210 ملايين دولار للإدارة العليا التنفيذية والرقابية. وكذلك أنفقت نحو مليار دولار كنفقات تشغيلية واستثمارية. وأنفقت أيضاً نحو 400 مليون دولار لإطفاء خسائر وتغطية قروض متعثرة. أي إنها أنفقت نحو 2.8 مليار دولار، واحتفظت بنحو 3.1 مليار دولار كأرباح، سدّدت عليها ضريبة بقيمة 440 مليون دولار، ليبلغ الربح الصافي المُصرّح عنه نحو 2.6 مليار دولار.