تخيّلوا أنكم تتلقون شهرياً مبلغاً من المال من الحكومة لمدى الحياة، من دون أي شروط أو قيود. فسواء كنتم تعملون أم عاطلون من العمل، أم حتى غير ناشطين اقتصادياً، فإنكم ستتلقون دخلاً يكون بمثابة حق، بغضّ النظر عن وضعكم الاجتماعي. هذه الفكرة، قد يعتبرها البعض راديكالية، أو ضرباً من الخيال لا يمكن أن يتحقّق إلا في عالم مثالي، ولكنها ليست كذلك.


فكرة جديدة ــ قديمة
في السنوات القليلة الماضية بدأت فكرة الدخل الأساسي تأخذ رواجاً في أوساط صانعي السياسات؛ الحكومات والمؤسسات المالية الدولية والاقتصاديين. تعرّف منظمة العمل الدولية الدخل الأساسي بأنه «تحويل مالي غير مشروط لجميع المواطنين/ المقيمين». ويأتي هذا الاقتراح في ظل اقتصاد عالمي ما زال يحاول التعافي من أزمة 2008، وفي ظل تزايد اللامساواة والفقر، وخصوصاً في أوقات تترسّخ فيها السياسات التقشفية كاستجابة وحيدة للأزمات الاقتصادية والمالية في بلدان عدّة. لذا، يشكّل الدخل الأساسي أحد الحلول غير الاعتيادية، التي تمثّل تغييراً ملحوظاً عن الحلول النيوليبرالية المكرّرة. فحتى صندوق النقد الدولي اقترح تطبيق الدخل الأساسي كحل لمكافحة الفقر واللامساواة في تقرير الراصد المالي لعام 2017. فقد بات هذا الطرح مقبولاً لمواجهة استياء الناس من الوصفات النيوليبرالية الجاهزة وترجمتها في صناديق الاقتراع وصعود التيارات الشعبوية في بلدان عدّة.

25.3%

هي النسبة إلى الناتج الإجمالي المحلّي، المُقدّرة من منظّمة العمل الدولية، لدخل أساسي لكل البالغين والأطفال في لبنان يوازي 100% من خط الفقر الوطني، مقارنة بنحو 23% في الأردن و17.2% في تونس و16.4% في مصر


تلقى فكرة الدخل الأساسي رواجاً غير مسبوق، وتتحوّل شيئاً فشيئاً إلى أحد الطروحات السائدة، بعد أن كانت جزءاً من الأفكار غير التقليدية والمرفوضة بين أوساط القوى السياسية التقليدية. الفكرة مغرية طبعاً، ويأتي الترويج لها ليس فقط على أنها قد تشكّل حلّاً للفقر وتقليص اللامساواة، بل أيضاً كخطوة استباقية من أجل مواجهة الأتمتة والتعويض عن استبدال الروبوتات للعمل الإنساني، فالدخل الأساسي (أو الراتب) سيبدّد الخوف من الروبوتات والتحوّلات الجذرية التي تطرأ على العمل وأشكاله. يختصر السوسيولوجي والاقتصادي فان باريسيتش، وهو أحد أهم الداعمين للدخل الأساسي، كل المسألة بقوله: «تلاقي اللامساواة المتزايدة مع موجة جديدة من الأتمتة ووعي أكبر حول الحدود الإيكولوجية للنمو، جعل من الدخل الأساسي موضوع اهتمام غير مسبوق حول العالم».
تتلاقى تيارات عدّة سياسية واقتصادية يمينية ويسارية حول ضرورة إدخال الدخل الأساسي للجميع إلى جدول الأعمال، لكن الإشكالية تأتي في التطبيق. فشعار الدخل الأساسي للجميع وبريقه يخفي خلافات جدية وجذرية حول المبدأ نفسه وتمويله وكيفية تطبيقه. فمقترحات الدخل الأساسي كثيرة وتتعارض وتتناقض في ما بينها، وخصوصاً التي يطرحها اليمين واليسار. فالفكرة قديمة جداً، وتعود إلى قرون مضت، وتاريخياً يمكن القول إن التطبيق الأول لها كان في مقاطعة سبينهاملاند في بريطانيا في عام 1795. ففي حينه أُدخل برنامج مساعدة للفقراء، بحيث تحوّل لهم الحكومة المحلية مبلغاً من المال شهرياً يعادل سعر الخبز، بهدف تنفيس الغضب الشعبي جرّاء تنامي الفقر والجوع وصعود الموجات الثورية التي كانت إحدى نتائج الثورة الفرنسية. استمرّ البرنامج لثلاثين عاماً قبل أن يُلغى. ومن ثم طفت الفكرة مجدّداً في القرن العشرين، وخصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية. ولم تكن مشروعاً يسارياً حصراً، فالرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون حاول تطبيق الدخل الأساسي، لكن مجلس الشيوخ عطّل مشروع القانون.

حلم نيو ليبرالي
يلاقي الدخل الأساسي تأييداً ملحوظاً في التيارات الاقتصادية اليمينية الأكثر تشدّداً. فعلى سبيل المثال، يعدّ ميلتون فريدمان (مؤسس المدرسة النقدية في الاقتصاد التي أسّست للنيوليبرالية بشكلها الحالي) أحد أهم المروّجين للدخل الأساسي، ليس لتقليص الفقر، بل لتقليص حجم القطاع العام. فبرأي فريدمان، يجب استبدال كل التحويلات الاجتماعية والتأمينات الاجتماعية (كالضمان الاجتماعي، وإعانات البطالة، والمعاشات التقاعدية)، أي استبدال نظام الرعاية الاجتماعية كلّه بدخل أساسي يحلّ محله. بذلك، يُقلَّص حجم القطاع العام و«فساده»، ويمكن تمويل الدخل الأساسي وضمان فعالية السوق في إدارة الاقتصاد من دون تدخّل الدولة وبرامجها الاجتماعية وأنظمتها الصحية والتعليمية. ويمكن أيضاً الاستغناء عن الحدّ الأدنى للأجور والسماح للسوق بالعمل بحرية وفعالية كاملة. هذا الطرح ليس غريباً عن الواقع اللبناني. خلال معركة سلسلة الرتب والرواتب اقترح نقولا شمّاس، رئيس جمعية تجّار بيروت، إعطاء كل عائلة لبنانية ألف دولار أميركي لمرة واحدة عوضاً عن تصحيح أجور القطاع العام، وذلك لتفادي زيادة الأجور وتحفيز الطلب. وهذان سببان آخران لحمل اليمين على طرح الدخل الأساسي، باعتباره حلاً لانخفاض الطلب الحالي نتيجة التقشّف وتدني قيمة الأجور الحقيقية، خصوصاً أن هناك مخاوف كبيرة من أن تسبّب أزمة الطلب هذه فترة كساد جديدة مع تضخّم مديونية الشركات والأسر.



تحريرنا من العمل الاستغلالي
أما على اليسار، فتأتي الطروحات مختلفة كليّاً، ففيما يهدف اليمين النيوليبرالي إلى اعتماد الدخل الأساسي من أجل التخلّص من دولة الرعاية الاجتماعية، يطرح اليسار الدخل الأساسي كوسيلة لإعادة التوازن بين العمّال ورأس المال. بالفعل، يدعم عدد من الماركسيين، كعالم الاجتماع الأميركي أولن رايت، الدخل الأساسي كمدخل أساسي لدعم النضال العمّالي والصراع الطبقي في وجه رأس المال. ويدعم هؤلاء تطبيق دخل أساسي مموَّل من الضرائب التصاعدية، ويكون جزءاً من الرعاية الاجتماعية ولا يستبدلها. ويقول دعاة هذا الطرح إنّ على هذا الدخل أن يكون كافياً ليحقّق وحده حياةً كريمة، بحيث يعطي الفرصة للعمّال أن يرفضوا وظيفة معيّنة من دون أن يكونوا تحت خطر الفقر أو العوز. وهنا يمكن الدخل الأساسي أن يحقّق أهدافاً مهمة عدّة. أولاً، يزيد من قوة العمّال التفاوضية، إذ إنهم باتوا قادرين على مواجهة أصحاب العمل ورفض الاستغلال من دون فقدان مصدر رزقهم، ويتيح لهم وقتاً وإمكانية أكثر بأن يتنظموا. ثانياً، يكون خطوة نحو إنهاء تسليع العمل، إذ يصبح بإمكان الأفراد اختيار عدم الانخراط في العمل بطابعه الاستغلالي الحالي، وعوضاً عن ذلك الانصراف إلى الأعمال التي يحبّونها وغير المثمنة في سوق العمل، أي نزع الطابع الاغترابي عن العمل. وثالثاً، يمكن للراتب الأساسي أن يعيد تعريف الأسرة أو حتى فكفكة طابعها الأبوي والسلطوي. ففي حال تحويل دخل يتيح عيشاً كريماً للفرد، يمكن مثلاً للنساء، أو أي فرد من أفراد الأسرة الذين يتعرّضون للظلم، ترك كل شيء خلفهم. وبشكل عام، سيتيح لأفراد الأسرة النووية إمكانية الاستغناء عن العلاقات الأبوية من أجل تأمين معيشتهم ورفاههم.

قارب نجاة النيوليبرالية
لكن الفرق الأساسي بين رؤية اليمين واليسار هو موقع القوة. أي إن اليسار هو في موقع الضعف من ناحية القوة الاجتماعية والتنظيمية، ومن ناحية انتشار مقاربته الاقتصادية داخل دوائر صنع القرار، على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية. أما اليمين، فهو في موقع المُهيمن في جميع الميادين، ويتبنّى أكبر رأسماليي العالم فكرة الدخل الأساسي، ولا سيّما من هم على رأس أضخم شركات التكنولوجيا كأمازون، وفايسبوك، وغيرها. فتجارب الدخل الأساسي الحالية تتبع بمجملها الرؤية النيوليبرالية. ففي فنلندا مثلاً، طبّقت الحكومة اليمينية الدخل الأساسي على عيّنة من المواطنين كاختبار تجريبي. وأعلنت أن الهدف منه استبدال إعانات البطالة بنظام أكثر فعالية وأقل هدراً وتحفيز العمالة. فاعتمدت دخلاً أساسياً متدنياً، 560 يورو شهرياً، أي ما يوازي 50% من خط الفقر الوطني. وموّلته عبر إلغاء بعض المنافع الاجتماعية كإعانة البطالة من أجل عدم زيادة الإنفاق العام. لذلك، جاء اختبار الدخل الأساسي خطوةً أولى لإلغاء المنافع لبعض الفئات، بحجّة تقليص البيروقراطية، كذلك جاء من أجل «تحفيز» العمّال على قبول أجور متدنية، بحجّة وجود راتب أساسي شهري غير مشروط. فالطروحات اليمينية هذه التي من المرجح اعتمادها، هي بمثابة دعم لأصحاب العمل عبر تحويل دخل أساسي متدنٍّ، أي لا يكفي وحده للعيش الكريم، ما يدفع العمّال إلى قبول أجور متدنية تكون إضافة إلى الدخل الأساسي. فبذلك يكون الدخل الأساسي أكثر إفادة لأصحاب العمل عبر خفض تكلفة العمل، ولا سيّما الأجور، ومن خلال خفض أو حتى إلغاء مساهمة أصحاب العمل بتمويل تقديمات الرعاية الاجتماعية كالضمان الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك يعتقد بعض الاقتصاديين اليساريين، ممن ينتقدون هذا الطرح، أن الدخل الأساسي سيحلّ الأزمة التي تقبل عليها الرأسمالية مع أتمتة العمل عبر دعم الطلب والاستهلاك الاجماليين، فيكون هذا الأخير طوق النجاة للرأسمالية وليس أداةً لمحاربتها.
يقول السوسيولوجي دانيال زامورا إن الدخل الأساسي كما يُطرح الآن «ليس بديلاً من النيوليبرالية، لكنه استسلام أيديولوجي لها». ويقول إن الدخل الأساسي كما يتمنّاه اليسار مكلف جداً على الرأسمالية التي لن تستطيع تحمّله. فإذا كان لدينا القوة الاجتماعية والسياسية لتطبيق الدخل الأساسي الذي يبتغيه اليساريون الراديكاليون، فلن يكون هناك حاجة للدخل الأساسي بالأصل، لأنه سيكون لدى العمّال القدرة على السيطرة على وسائل الإنتاج.
الجدل النظري والتطبيقي حول الدخل الأساسي غير محسوم، خصوصاً إذا كنا نتكلّم عن سياقات تشبه واقع مجتمعاتنا. فالخوف الرئيس من الدخل الأساسي، أن يكون بديلاً من أنظمة الرعاية الاجتماعية وبداية لخصخصة الخدمات العامة. لكن هل سيختلف ذلك في بلد كلبنان مثلاً يتّسم بضعف أنظمة الرعاية النظامية وتغطيتها لأقل من نصف الشعب اللبناني؟ وهل يمكن طرح دخل أساسي للجميع مع الإبقاء على أنظمة الرعاية الحالية؟ أم يجدر المطالبة بإعانة بطالة وتغطية صحية شاملة؟ وهل يمكن أيضاً أن يكون الدخل الأساسي خطوة أولى لتفكيك الشبكات الزبائنية؟ مجدداً، هذه السياسات يفرضها ميزان القوى الاجتماعي السائد.