في العاشر من حزيران الماضي صوّت 76% من المقترعين السويسريين بـ«لا» في الاستفتاء على «المبادرة السويسريّة للمال السيادي». وهذه «المبادرة» كانت اقتراح قانون يحصر شرعيّة خلق المال بالمصرف المركزي السويسري دون باقي المصارف في البلاد. ولكن كيف تخلق المصارف المال؟ أليست المهمّة فعلاً منوطة بالمصارف المركزيّة دون غيرها؟

في مخيّلتنا الشعبية المال هو العملة، والعملة هي المال، ولكن هذا تعريف قاصر عن استيعاب معنى المال من منظور اقتصادي. فعلم الاقتصاد يعرّف المال على أنه كل ما يشكّل بيئة تبادل ووحدة محاسبة وتخزين للقيمة. وبناءً على هذا التعريف، كمية المال في العالم اليوم كبيرة جدّاً، والعملات جزء منها. وبتقديرات معظم الاقتصاديين لا تتجاوز العملات الورقية والمعدنية 8% من كمية المال المتداول حول العالم.
بالعودة إلى سويسرا وإلى السؤال المطروح، في النظام المصرفي المعاصر، المصارف المركزية تخلق المال بكثير من أشكاله ومن ضمنها العملة الورقية، بينما المصارف تخلق المال بطريقة أخرى، لأنها لا يحق لها خلق مال على شكل عملة ورقية. إذاً كيف؟
إنها تخلق المال عبر القروض، فهي تعطي القروض بما يتجاوز موجوداتها، ولا تكتفي بإقراض ما هو مودع عندها أو ما تقرضها إياه المصارف المركزية فقط، بل تقرض أضعافه. طبعاً التوسّع في الإقراض هذا تحكمه معادلة رياضية مرتبطة بنسبة الاحتياطي من الودائع الذي تحتفظ به المصارف والتي تفرضه المصارف المركزية. فمثلاً إن كانت النسبة 10% تكون المعادلة قيمة المضاعِف القصوى=110%=10، أي يحقّ للمصرف إقراض ما يصل إلى عشرة أضعاف ما تبقّى من الإيداعات في المصرف بعد اقتطاع الاحتياطي.
وبينما تضع مناهج التدريس في الجامعات هذه العملية تحت سلطة المصرف المركزي عبر ما يضخّه من احتياطي لدى المصارف على شكل قروض، إلا أن الكثير من الباحثين في هذا المجال والكثير من الخبراء في المصارف المركزية العالمية يقولون إن هذا النموذج يُخرج عملية خلق المال من يد المصارف المركزية ويركّزها في يد المصارف الخاصة. وفحوى مشروع القرار السويسري كان منع المصارف من إقراض أكثر من موجوداتها من الودائع، ما يعني أنه لا يمكنها أن تقرض أكثر ممّا لديها من مال. ولكن محاولة تصوّر نظام خلق مال مختلف تعني نهاية النظام المالي كما نعرفه، ومن الصعب التنبّؤ بما سيحل بالأسواق المالية والاقتصادات إن أصبحت عملية خلق المال أصعب، وتحكّمت به المصارف المركزية حصراً.