«يأنف الشيوعيون من إخفاء آرائهم ومقاصدهم، ويُنادون علانية بأن لا سبيل لبلوغ أهدافهم إلّا بإسقاط النظام المجتمعي القائم، بالعُنف».

ماركس وانجلز- البيان الشيوعي - 1848

لا يستحق وزير الاقتصاد والتجارة رائد خوري أيّ اهتمام، إلا في إطار رصد الميول «الانتهازية» في المجتمع اللبناني ونظامه السياسي، التي تدفع ببعض الأشخاص لتبوؤ المناصب في الدولة. ولولا ردّ الحزب الشيوعي اللبناني على تصريحات خوري الأخيرة، التي كشف فيها خيوط «مؤامرة صهيونية» لشنّ الحرب المالية على لبنان، والتي تستغلّ «ذوي الميول الشيوعية» من اللبنانيين، الحاقدين على الرأسمالية اللبنانية والساعين إلى تخريبها وإسقاطها... لولا هذا الردّ «الشيوعي» الرسمي، لما كانت هذه التصريحات تستدعي أيّ تعليق من أي نوع، يتجاوز التعليقات المستهزئة بها، التي تناقلها أشخاص كثر على شبكات التواصل الاجتماعي، ممن التقطوا النكتة وتسلّوا بها.
أولاً، لأن رائد خوري ليس جوزف مكارثي، لا بالشكل ولا بالمضمون ولا بالظروف. هذا المدير التنفيذي لـ«سيدروس»، الذي اختارته «مستشارة رئيس الجمهورية ميشال عون، ابنته ميراي، ولا أحد سواها»، وفق ما كتبته الزميلة رولا ابراهيم في «الأخبار» عند تعيينه في مجلس الوزراء (كانون الأول/ يناير 2016)، ومدحت سيرته الذاتية التي تشير إلى أنه «الرجل المناسب في المكان المناسب»، وسوف «يجهد ليترك بصمة في الاقتصاد حتى تثبت ميراي صحة خياراتها». في الواقع، ليس في سيرته الذاتية المنشورة أيّ شيء يدل على ذلك، سوى أنه حاصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد وماجستير في النقود والبنوك من الجامعة الأميركية في بيروت. وأنه محلّل مالي، عمل في إدارة ثروات بعض العملاء في «باركليز»، وفي بنك «عودة»، وفي شركة «فيدوس» التابعة لبنك «سوسيته جنرال»، وصولاً إلى ترؤوس مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية لشركة «سيدروس انفست» وبنكها التابع «سيدروس».
ثانياً، ليس صحيحاً أن رائد خوري يتمتع بأيّ دور سياسي «خاص» يتجاوز الأدوار «الإدارية» التي يجيدها، وفق سيرته الذاتية، أي إدارة «ثروات العملاء»، وهو ما يشير إليه إنجازه الوحيد المتمثّل بواحدة من أكثر العمليات وقاحة، والتي عُرفت باسم «الهندسة المالية الخاصة ببنك سيدروس»، إذ نفّذ مصرف لبنان 5 عمليات مع هذا البنك، 3 منها قبل التجديد لحاكم البنك المركزي واثنتان بعد التجديد له، وجرت هذه العمليات بطريقة لا تخطر على بال، فقد باع مصرف لبنان لبنك سيدروس أوراقاً مالية وأعاد شراءها في اللحظة نفسها (حرفياً)، بأسعار أعلى من سعر بيعها، ومنحه بذلك أرباحاً استثنائية فورية بملايين الدولارات، من لا شيء إطلاقاً، سوى توقيع الحاكم رياض سلامة وطبع العملة (وهي مال عام) لضخّ أرباح غير مشروعة إلى المنتفعين من هذه العمليات!
ثالثاً، ما يُنسب إليه في ملف«ماكنزي»، ليس من إنجازاته أبداً، فالدراسة التي كُلّفت بها هذه الشركة لتحديد خيارات الاقتصاد السياسي، جاءت كواحدة من نتائج «التفاهم» بين رئيسي الجمهورية والحكومة، قبل أن يتعرّض هذا التفاهم للانتكاسة الحالية، وبالتالي لا علاقة لرائد خوري إلّا بوصفه وزيراً للاقتصاد والتجارة، يستوجب توقيعه على عقود تلزيم الشركة «المختارة»، فجميع المتابعين يعلمون جيداً أنّ العمل مع شركة «ماكينزي» جرى عبر غرفتين، واحدة في القصر الجمهوري وثانية في القصر الحكومي.
رابعاً، تصريحات وزير الاقتصاد والتجارة الأخيرة، لا تعبّر إلا عن «ضحالة» مطلقها، الذي لم يجد ما يقوله في مقابلاته الإعلامية عن المخاطر النقدية والمصرفية، لتخفيف قلق الناس وتطمينهم، سوى أن «هناك أناساً، يحبون التخريب بطبيعتهم، لديهم ميول شيوعية، ويريدون تخريب الدنيا على الرأسمالية»، وأن «هناك جهات دولية (اللوبي الصهيوني) تلعب على هذا الوتر (وتر الميول الشيوعية)، وتضغط على الولايات المتحدة الأميركية كي تزيد العقوبات على حزب الله»، وبما «أن الاقتصاد ثقة، فإن الأخبار، التي يبثّها ذوو الميول الشيوعية عن المخاطر الاقتصادية والمالية والنقدية وتدهور الاقتصاد والأوضاع المعيشية وسوء توزيع الثروة والدخل والبطالة والهجرة والظلم الضريبي والكهرباء والمياه والطرقات والنقل العام والبيئة والنفايات والصحة... هي أخبار غير صحيحة، وبثّها يؤدي إلى فقدان الثقة بالاقتصاد وبالتالي بلبنان».
ردّ الحزب الشيوعي عبر بيان صادر باسم «المكتب السياسي»، الهيئة القيادية الأهم في الهرم التنظيمي، وأخذ على وزير الاقتصاد والتجارة أنه «لا يتوانى عن تكرار توجيه التهم الملفّقة ضدّ الشيوعيين، محمّلاً إيّاهم، بخفّةٍ ورعونةٍ، مسؤولية تعميم الشكوك والإساءات والأفكار المدسوسة والتشويهات الموجّهة». وطالبه «أن يكشف ولو نقطة من بحر الفساد الذي تسبح فيه حكومته، بدلاً من توجيه الاتهامات، التي يطلقها جزافاً، دون أي حسٍّ بالمسؤولية».
ليست لغة البيان ركيكة فحسب، بل إنها تمعن في الاستجابة لخطاب «شعبوي» يركّز على الفساد، بوصفه مصدر كلّ العلل وشعار كل المعارك، وعلى قاعدة أنّ «من بيته من فساد لا يرشق الشيوعيين بالحجارة». وهو، أي البيان، ومن غير قصد طبعاً، يستجيب للخطاب الشائع (تصريحات خوري إحدى تعبيراته)، الذي يوحي أن التحذيرات من خطورة الأوضاع القائمة في لبنان، ولا سيما على صعيد السياسة النقدية المُتبعة، ليست إلا «شكوكاً وإساءات وأفكاراً مدسوسة وتشويهات موجّهة». فهل ينأى الحزب الشيوعي بنفسه عن الصراع الجاري حالياً تحت عنوان «الدفاع عن الليرة»، الذي سيحدّد الآن كلفة كلّ خيار، مهما كان، والفئات الاجتماعية التي ستسدّد هذه الكلفة؟
ليس ذوو الميول الشيوعية وحدهم من يطلق هذه التحذيرات، ويطالبون بتأمين مظلات لحماية الفئات الضعيفة والعمّال وفئات الدخل المتوسط. بل يشترك بذلك مروحة واسعة من الاقتصاديين والناشطين في الشأن العام، يساريين وليبراليين وخبراء حتى من صندوق النقد والبنك الدوليين، وهؤلاء جميعاً يقصدهم وزير الاقتصاد والتجارة في تصريحاته، بوصفهم «ذوي ميول شيوعية»، وقد سبق لحاكم مصرف لبنان أن أوحى أيضاً أنهم أدوات في مؤامرات خارجية، وهذا ما فعله، كلّ بلغته، العديد من المسؤولين في الدولة والأحزاب المهيمنة.
إن نقد «الاقتصاد السياسي» هو حقل «الحزب الشيوعي» بامتياز. حقله الخاص، أو لِنَقلْ إنه الحقل الذي يجعل منه حزباً «شيوعياً» أو يجعله شيئاً آخر. وبالتالي لا معنى لأن يكون المرء «شيوعياً»، ما لم يكن هدفه قلب النظام المجتمعي والإطاحة بنمط الإنتاج الرأسمالي. حتى ولو أغاظ ذلك رائد خوري.