يشرح الكاتب الصلات بين العجز التجاري والعجز المالي، أو ما يسمّى «العجز التوأم». ففي الحالة اللبنانية، يفوق الاستيراد التصدير، بشكل دائم، وتنشأ حاجة مستمرة للحصول على تدفقات رؤوس الأموال، وهي إمّا ديونٌ تُسجّل على الاقتصاد الوطني (شراء لسندات حكومية أو خاصة، ودائع لغير المقيمين)، وإمّا أصول يبيعها اللبنانيون للخارج (أسهم في شركات لبنانية، عقارات...). في كلتا الحالتين، يخسر اللبنانيون عائدات مستقبلية من رأسمالهم أو عملهم، لتذهب تلك العائدات الى الدائنين الخارجيين.

تساهم التجارة الداخلية والتبادلات الخارجية بشكل كبير في الاقتصاد الوطني، وهي من أعمدة النشاط الاقتصادي اللبناني. فلبنان اقتصاد صغير مفتوح يستورد ويورد الخدمات والبضائع، ويسمح لرؤوس الأموال بالدخول والخروج من دون عوائق أو موانع.
يستورد لبنان سنوياً بما قيمته 24 مليار دولار تقريباً، منها نحو 20 مليار دولار سلع و4 مليارات دولار خدمات. أي أن مجموع السلع والخدمات المستوردة إلى لبنان يشكّل نحو 46% من مجمل الناتج المحلي.


في المقابل، تبلغ الصادرات اللبنانية من سلع وخدمات ما يقارب 12 مليار دولار سنوياً، منها ما يقلّ عن 3 مليارات دولار فقط من السلع، فيما الباقي (نحو 9 مليارات دولار) تُصنّف خدمات، يتميّز لبنان بقدرته على إنتاجها. أي أن مجموع السلع والخدمات المصدّرة من لبنان إلى الخارج لا يتخطّى 23% من الناتج المحلي.
يبيّن الرسم البياني الرقم 1 مجموع السلع والخدمات المستوردة إلى لبنان بالمقارنة مع مجموع السلع والخدمات المصدّرة من لبنان، كما يُظهر العجز في ميزان تجارة الخدمات والسلع (الناتج عن الفارق بين الصادرات من جهة والواردات من جهة أخرى).
عند مقارنة نسبة تغطية الصادرات للواردات من سلع وخدمات (الجدول رقم 2)، يتبيّن أن مجموع الصادرات اللبنانية لا يتخطّى 59% من الواردات، أي أن لبنان يستورد تقريباً ضعف ما يصدّره إلى العالم من سلع وخدمات.
أمّا إذا نظرنا فقط إلى نسبة تغطية الصادرات من سلع للواردات من سلع (من دون احتساب الخدمات المصدّرة أو المستوردة)، فإن المعدّلات تنخفض إلى حدود 15% فقط، ما يظهر هشاشة القطاعات الاقتصادية المنتجة للسلع.
في مقالي السابق («العجز المالي والدين العام: تقاسم كلفة الحل»)، أشرت إلى العلاقة الثابتة بين دخول رؤوس الأموال من جهة، والعجز في الميزان التجاري للسلع والخدمات من جهة أخرى، حيث يُقابل تدفّق الأموال استدانة وتراجع في إنتاجيّة القطاعات الأساسية وأدائها.

العلاقات بين التبادلات التجارية وحركة رؤوس الأموال
من خصائص اقتصادات السوق المفتوحة عدم ضرورة التوازن بين الاستهلاك للبضائع والخدمات من جهة، والإنتاج لهذه البضائع والخدمات من جهة أخرى، إذ إن الاستثمار والاستهلاك الداخليين تتمّ تغذيتهما عبر منتجات وخدمات مصدرها داخلي أو خارجي، أي بتعبير آخر عبر الاستيراد. وهذا الاستيراد يشمل مجموع الاستهلاك الخاص والحكومي، كما الاستثمارات الخاصة والعامة التي تتأمّن من مصادر خارجية، علماً بأن الناتج المحلي الإجمالي، أو مجموع النفقات الوطنية، يساوي مجموع الاستهلاك والاستثمار والإنفاق الحكومي وصافي الميزان التجاري للسلع والخدمات (وهذا الأخير سلبي في الحالة اللبنانية بفعل تخطّي الاستيراد للتصدير كما أشرنا أعلاه). لذا، فإن صافي الميزان التجاري للسلع والخدمات يساوي حكماً الادخار الوطني (وهو الفارق بين الناتج المحلي الإجمالي ومجموع الاستهلاك والنفقات الحكومية) ناقص الاستثمارات.
أشرت في المقال السابق نفسه إلى أثر العجز في المالية العامة على مستوى الادخار الوطني، الذي سيبلغ في هذا العام 2018 عجزاً يُقدّر بـ 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بفعل العجز الحكومي الذي يبلغ 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي، والذي لا يكفي الادخار غير الحكومي البالغ 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي لتغطيته. وإذا كان الادخار الوطني سالباً، فكيف له أن يُغطي الاستثمارات الداخلية التي تُقدّر بـ21% (2018) من الناتج المحلي الإجمالي!
بمعنى آخر، بفعل العجز في المالية العامة وبفعل ارتفاع الاستهلاك والاستثمار (وهذا الأخير يتركّز في القطاع العقاري من دون أن يشمل القطاعات الأخرى المنتجة للقيمة المضافة)، فإن الميزان التجاري للسلع والخدمات (الذي يساوي الادخار ناقص الاستثمار) لا يمكن إلا أن يكون سلبياً، ليعكس الجانب الآخر لاعتمادنا على الخارج في حياتنا اليومية.
يساوي الادخار ناقص الاستثمار ما يستدينه اللبنانيون من الخارج لتمويل العجز في الادخار الوطني والاستثمار الداخلي، ويقابل هذه الاستدانة عجزٌ مواز في الميزان التجاري للسلع والخدمات.
في الحالة اللبنانية، يسجّل الاقتصاد عجزاً متواصلاً في الميزان التجاري، فيستورد من السلع والخدمات ما يفوق تصديره لهذه السلع والخدمات. في المقابل، فإن لبنان يستدين من العالم الخارجي ما يُمكّنه من تغطية العجز في الميزان التجاري. في المحصلة، يقابل العجز التجاري حاجة مستمرّة لتدفقات رؤوس الأموال، وهي إمّا ديونٌ تُسجّل على الاقتصاد الوطني (شراء لسندات حكومية أو خاصة، ودائع لغير المقيمين)، وإمّا أصول يبيعها اللبنانيون للخارج (أسهم في شركات لبنانية، عقارات...). في كلتا الحالتين، يخسر اللبنانيون عائدات مستقبلية من رأسمالهم أو عملهم، لتذهب تلك العائدات الى الدائنين الخارجيين.

مشكلة تمويل
هل يشكل العجز في الميزان التجاري للسلع والخدمات مشكلة؟ لا، طالما أمكن تمويله.
فالعجز التجاري يخفي أمراً من اثنين: إمّا قطاعات اقتصادية غير منتجة (بفعل غياب اليد العاملة المتخصّصة، أو إرتفاع سعر الفائدة، أو ضعف التكنولوجيا المعتمدة...)، وإمّا ضعفاً في الادخار الوطني (نتيجة العجز في المالية العامة أو في حساب الشركات والأفراد)، ما يسبّب في الحالة اللبنانية عجزاً تجارياً ودَيناً خارجياً ينمو باطراد. في كلتا الحالتين، يقود ارتفاع الاستهلاك الحالي إلى انخفاض الإستهلاك مستقبلاً، فتدفع الأجيال القادمة ثمن الضعف في الادخار الداخلي.


قد يكون للعجز التجاري في بعض الأحيان فوائد اقتصادية، على سبيل المثال عندما ينشأ العجز التجاري عن الاستثمار المنتج (بناء معامل، استعمال تقنيات متطوّرة في الصناعة أو الزراعة ...). هكذا كانت حال كوريا الجنوبية في سبعينيات القرن الماضي، حيث عرفت كوريا عجزاً تجارياً متواصلاً، فيما هي اليوم واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية.
يبقى أن نقول بأن التزامن بين العجزين، التجاري والمالي، أي العجز التوأم (Déficits Jumeaux)، غالباً ما يميّز الدول ذات الإنتاجية الضعيفة.

النية الحسنة لا تكفي
نتيجة للوضع الاقتصادي المأزوم، يعمل السياسيون على إطلاق سلسلة من المشاريع الحيوية، كما يجهدون لتنشيط قطاعات معيَّنة تتميّز بقدرتها عل خلق قيمة مضافة تسمح بتصدير ما تنتجه.
ممَّا لا شك فيه أن النيَّة الحسنة والجهد لا يكفيان لإعادة النشاط إلى القطاعات المنتجة، فاستبدال الاستيراد بالمنتجات المحلية، كما رفع مستوى الصادرات اللبنانية إلى الخارج، لن يُكتب لهما النجاح من دون حلّ المعضلة الأمّ، ألا وهي ارتفاع سعر الصرف الحقيقي (الإطار ).
إن المدخل الأساس لخلق فرص عمل جديدة وتشجيع الاستثمارات الداخلية هو عبر إعادة التوازن إلى الحسابات الحكومية، بحيث يُترك الهامش للادخار الداخلي لتمويل المشاريع المُنتجة، بعيداً عن النمط الحالي الذي تطغى عليه الودائع لدى المصارف بهدف تمويل العجز الحكومي.
وحده الخروج من نفق العجز، وما يستتبعه من انخفاض تدرّجي في الدين العام نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، كفيلٌ بخفض تكلفة الإنتاج ورفع إنتاجية القطاعات الاقتصادية.
ويساهم إنعاش البورصة وإدراج الشركات ــــ توازياً مع خفض الدين العام ــــ في توجيه الادخار نحو القطاعات المنتجة (كالصناعات الغذائية والطبيّة والزراعات غير التقليدية وصناعة السنيما ...).


حركة رؤوس الأموال وسعر الفائدة العالمية
بما أن العجز في الميزان التجاري للسلع والخدمات يقابله خروج مواز لرؤوس الأموال، ما يفرض استدانة موازية من الخارج كما سبق عرضه، فإن الاقتصاد الوطني، الصغير بحجمه والمفتوح على التبادلات التجارية وعلى حركة رؤوس الأموال، محكوم بسعر الفائدة العالمية، إذ إن انخفاض الفائدة المحلية عن مستوى الفائدة العالمية يسبّب خروجاً لرؤوس الأموال، وبالتالي يقود إلى انخفاض سعر العملة الوطنية.
يرتبط الميزان التجاري للسلع والخدمات بالسياسات التي تُحدّد الاستثمار أو الادخار. على سبيل المثال، فإن للسياسة المالية التوسّعية للحكومة اللبنانية أثراً مباشراً على التبادلات التجارية مع الخارج وعلى القطاعات المنتجة المحلية. فالعجز في المالية العامّة يعني ادخاراً سلبياً للحكومة، وبالتالي مستوى سلبياً من الادخار الوطني (إذ إن عجز المالية العامة يفوق الادخار الخاص). من جهة أخرى، يتأثر الاستثمار بمستوى الفائدة، فينخفض انخراط المستثمرين والأفراد في الاستثمار عندما ترتفع مستويات الفائدة، والعكس صحيح.
ساهمت العجوزات المالية المستمرة والمتراكمة في ارتفاع الدين العام، كما ساهمت برفع مستوى العجز في الميزان التجاري للسلع والخدمات. بمعنى آخر، كان للعجز في المالية العامة أثرٌ مباشر على تراجع القطاعات الإنتاجية، وخصوصاً الصناعة والزراعة.
أما ارتفاع الفائدة المحلية (ارتباطاً بارتفاع الفائدة العالمية أو بفعل إدارة المخاطر الداخلية)، فله أثرٌ على عجز الميزان التجاري، إذ تحدّ منه بفعل تراجع الاستثمار. لذا، فإن الارتفاع الذي نشهده في الفائدة الأميركية على الدولار قد ينعكس انخفاضاً في الاستيراد، وتالياً تحسّناً في الميزان التجاري (لكن هذا التحسّن قد يطغى عليه العجز الإضافي الناتج من إرتفاع أسعار النفط العالمية، وبالتالي إرتفاع الفاتورة النفطية).


سعر الصرف الحقيقي
يمثلُ سعر الصرف الإسمي المؤشّر المُعتمد لقياس تقلّبات العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية. وقد توافق اللبنانيون على ثبات سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي، لما في الأمر من عوائد إيجابية على الاقتصاد، وخصوصاً أن الاقتصاد اللبناني مُدولر إلى حدٍّ كبير.
لكن ثبات سعر العملة الوطنية مقابل الدولار لم يكبح الارتفاع في سعر الصرف الحقيقي، وهذا الأخير مؤشّر قوي للغاية في قياس أسعار المنتجات اللبنانية مقابل المنتجات الأجنبية. كلّما ارتفع سعر الصرف الحقيقي، أضحت المنتجات الوطنية غاليةً مقابل المنتجات الأجنبية، فيتراجع مبيع البضائع اللبنانية في الداخل وفي الخارج، ليتوسّع العجز في الميزان التجاري للسلع والخدمات، ولتتراجع الأنشطة الصناعية والإنتاجية الداخلية، ولترتفع البطالة، وتزداد الحاجة إلى دخول النقد من الخارج، ولترتفع الفائدة، وليتراجع الإنتاج ... وهذه هي الحالة التي يمّر بها لبنان منذ تسعينيات القرن الماضي.
في حالة سعر الصرف الاسمي الفعلي ــــ الذي يُقارِن سعر العملة الوطنية مع سلّة من العملات الأجنبية ويعطي صورة عن تنافسية السلع والخدمات اللبنانية مقارنة مع العالم ــــ فإن الأرقام الصادرة عن صندوق النقد الدولي تُظهر بوضوح أن هذا السعر يرتفع بشكل حادّ منذ سنوات عدّة. هذا في ذاته مؤشّرٌ لتراجع النشاط الاقتصادي الداخلي لمصلحة الاستيراد والاستدانة، إذ تلجأ الأسر والشركات والحكومة إلى استيراد السلع والخدمات من الخارج، وإلى الاستعاضة عن المنتجات اللبنانية بأخرى أجنبية، فيما يناضل الصناعيون والمزارعون في سبيل تصدير بضائع وخدمات أصبحت غالية بفعل سعر التكلفة الداخلية المرتفعة.
يترافق ارتفاع سعر الصرف الاسمي الفعلي مع ارتفاع سعر الصرف الحقيقي الفعلي، وهذا الأخير يحسم معدّل التضخّم من سعر الصرف الحقيقي، ليُبيِّن ارتفاع أسعار السلع والخدمات اللبنانية مقارنة مع أسعارها لدى الشركاء التجاريين. وقد ارتفع سعر الصرف الحقيقي الفعلي بمعدل 2.8% في عام 2017 وفقاً لصندوق النقد الدولي. كلّما ارتفع سعر الصرف الحقيقي الفعلي، انخفضت الصادرات الصافية.
يمكن للقارئ كذلك ربط الارتفاع في سعر الصرف الفعلي مع العجز المستمر في الحساب الجاري (المقترن بدخول الودائع والرساميل)، كما مع العجز في الميزان التجاري نتيجة الاستيراد القوي من الخارج والذي تؤثر به سلباً أسعار النفط العالمية المتجهة إلى الارتفاع.
يدفع ارتفاع سعر الصرف الفعلي، مقروناً بنسب التضخّم، إلى خفض سعر العملة الوطنية. فالتجربة المالية تثبت بأن مستوى التضخّم المرتفع مقارنة مع التضخّم عند الشركاء التجاريين يؤدّي في النهاية إلى تدني سعر العملة الوطنية. أمّا وقد اختار اللبنانيون ــــ وعن صواب ــــ ثبات عملتهم مقابل الدولار الأميركي، فإن العجز التوأم في المالية العامة والميزان التجاري يقودان حتماً إلى الحاجة إلى التمويل الخارجي، وبالتالي إلى الاستدانة المتواصلة.