رفع المجلس الفدرالي الأميركي سعر الفائدة ربع نقطة للمرّة الثالثة هذا العام، خلال اجتماعه أخيراً في 26 أيلول/ سبتمبر الماضي. هذا القرار يتماشى مع إجماع المحلّلين على رفع أسعار الفائدة 4 مرّات في عام 2018 و3 مرّات في عام 2019 ومرّة واحدة في عام 2020. كذلك يأتي انسجاماً مع السياسة المالية التوسّعية للبيت الأبيض، وذلك بهدف تصحيح الاختلالات الناجمة عنها وإعادة التوازن مع السياسات الاقتصادية في الولايات المتّحدة الهادفة إلى تحفيز الطلب الداخلي. هذه الديناميكية الداخلية المُستهدفة مردّها إلى مكوّنين: الأوّل مباشر، عن طريق سياسة خفض الضرائب وزيادة الإنفاق العام. والثاني يتعلّق بالسياسة التجارية الحالية التي تستهدف تحفيز الإنتاج المحلّي على حساب الاستيراد، ما يزيد الطلب على الشركات المحلّية، فيحفّز الاقتصاد.

إذاً، تنقسم سياسة البيت الأبيض الى جزأين، الأوّل هو تحفيز الطلب الداخلي، والثاني هو تحوّل فائض هذا الطلب نحو الإنتاج المحلّي على حساب الاستيراد. لهذه السياسة تأثيرات جانبية لا تقلّ أهمّية عن الأهداف والنتائج المرجوة منها، وأهمّها خطر التضخّم الناتج عن ارتفاع الطلب الداخلي وارتفاع الرسوم الجمركية. في القسم الأوّل، ستؤدّي زيادة الطلب على الشركات الأميركية إلى ضغوطات سعرية تصاعدية على الأجل القصير. أضف إلى ذلك، أن زيادة الرسوم الجمركية، مثلاً على الغسّالات، بنسبة 20% تؤدّي إلى زيادة بنسبة 16.4% في سعر هذه السلع. نتيجة أخرى هي أن تحفيز الطلب المحلّي يؤدّي إلى تفاقم العجز الخارجي للولايات المتّحدة ودائماً، على الأمد القصير. ذلك لأن ارتفاع الطلب آني بينما بناء المصانع يأخذ وقتاً، لذلك تلجأ الشركات لسدّ الفجوة عن طريق الاستيراد فيزيد العجز.

ماذا يجب على المجلس الاحتياطي الفدرالي أن يفعل؟
في ظلّ هذه الظروف الدقيقة، يجب عليه الحفاظ على التوازن بين السياسات المالية والنقدية والضريبية لمنع الاختلالات الطويلة الأمد. لذلك، إن رفع أسعار الفائدة حالياً مهمّ لأنه يضع أسعار الفائدة فوق نسبة التضخّم الأساسي للمرّة الأولى منذ عام 2008. هنا، تصبح السياسة النقدية غير مُقيّدة للأسواق، وفي أحسن الأحوال تصبح محايدة. وبذلك يكون المجلس الاحتياطي الفدرالي قد سجّل النقطة الأولى، وهي كسب هامش مناورة جديد للتدخّل في الأسواق في حال حدوث أزمات جديدة، لأن السيّد باول لا يؤمن بأن السياسة الضريبية المدعومة من البيت الأبيض مُستدامة، ولا يمكن أن تستمرّ لوقت طويل، وهذا ما اسُتنتج من خاتمة مؤتمره الصحافي الأخير.
من هنا، ما دام البيت الأبيض لن يقوم بتغيير سياسته التحفيزية للطلب الداخلي، سيتعيّن على المجلس الاحتياطي الفدرالي اتخاذ إجراءات أكثر صرامة برفع أسعار الفائدة وفق البرنامج المُعلن أعلاه خلال عامي 2019 و2020. المُلاحظ في خطاب رئيس المجلس أن مفاعيل هذه السياسة يمكن أن تنتهي مع بداية عام 2021. هنا تكون أسعار الفائدة قد تخطّت متوسّط أسعار الفائدة الطويلة الأجل والمُقدّرة بـ3%، وبلغت نطاقها المستهدف المُدار (administré) ضمن حدود 3.25% و3.50% عند هذه الحدود، يكون الفدرالي كسب هامشاً مهمّاً للتدخّل في الأسواق لتصحيح الاختلالات التي قد تحدث وتضرّ بالاقتصاد.

ما هي عواقب هذه السياسة؟
أعتقد أن الدولار سوف يستمرّ في الصعود مقارنة بالعملات الأخرى نتيجة سياسة الاحتياطي الفدرالي. وهذه وسيلة بحدّ ذاتها يمكن أن تحدّ من الضغوطات على نظام الإنتاج الأميركي، وبالتالي تجنّب خطر الانزلاق. وهذا يعني أن وضع البلدان الناشئة سيزداد سوءاً، لا سيّما الدول التي تمتلك مديونية مرتفعة بالدولار أو التي تستدين بالعملة الخضراء. وهذا ما كان محطّ أنظار العالم طوال عام 2018 لدول مثل تركيا والأرجنتين.
تأثير آخر لسياسة رفع أسعار الفائدة الأميركية هو عدوى سوق السندات. بما أن سوق السندات عالمية، فإن ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية بنسبة 1%تؤدّي تلقائياً إلى ارتفاع السندات الأوروبية مثلاً بنسبة 0.4%. يأتي هذا فيما الكثير من الدول الأوروبية، ولأسباب محض سياسية، بدأ بطيّ صفحة سنوات التقشّف المالي والبدء بسياسات ضريبية تحفيزية أو سياسات مالية توسّعية. هذه السياسات غالباً ما تكون قائمة على مديونية عامّة مرتفعة، ما يؤدّي إلى ارتفاع قيم المخاطر، وبالتالي أسعار الفائدة. ولتمويل هذه السياسات تلجأ الدول إلى أسواق السندات للاستدانة بتكاليف مرتفعة، ما يهدّد بتباطؤ نشاطها الاقتصادي. ما ينطبق على الحكومات ينطبق على القطاع الخاصّ، إذ إن الشركات غالباً ما تلجأ إلى سوق السندات للاستدانة بهدف زيادة استثماراتها، فتزداد التكاليف. أما الدول النامية، ذات المديونية المرتفعة بالعملة الخضراء، فإن تأثّرها يكون مضاعفاً، أوّلاً بخروج الرساميل الأجنبية نظراً إلى الاستثمار المربح والأمن في السندات الأميركية، وثانياً لحاجتها إلى الدولار الغالي، وثالثاً بسبب لجوئها إلى الاستدانة لسدّ احتياجاتها الداخلية والخارجية بأسعار فائدة مرتفعة. أمّا بالنسبة إلى الدول ذات الاقتصادات المدولرة كلبنان التي تتأثّر حكماً بالعوامل السابق ذكرها، يمكن أيضاً أن يؤدّي ارتفاع قيمة الدولار فيها إلى خفض الطلب الخارجي على السلع المحلية.

ما الذي يمكن أن يغيّر هذا السيناريو؟
عاملان أساسيان يمكن أن يؤثّرا على برنامج المجلس الفدرالي الأميركي وسياسته: الأوّل داخلي، خسارة الانتخابات النصفية للبيت الأبيض. مع أن هذا الاحتمال ضئيل، لكن حدوثه سيكون بمثابة صدمة سلبية على الدولار الأميركي. هنا يكون الاحتياطي الفدرالي أمام احتمالين اثنين، إمّا أن يلجأ إلى رفع جديد لأسعار الفائدة بوتيرة أسرع من المتوقّع ما يهدّد استقرار أسواق المال والنشاط الاقتصادي، وإمّا أن يلجأ بطريقة غير شرعية للتدخّل في سوق interbancaire باستخدام مخزون العملات الأجنبية لشراء الدولار وامتصاص الصدمة.
العامل الثاني المرجّح هو ارتفاع أسعار النفط، إذ إن ارتفاع أسعار النفط الأخيرة مردّه إلى عوامل تتعلّق بالعرض. فكما هو متوقّع، يستمرّ منتجو «أوبك» في الحفاظ على المستويات الحالية للإنتاج من دون تعويض فجوة النقص في المعروض من النفط الإيراني بعد العقوبات. في الوقت نفسه، يستمرّ الإنتاج الفنزويلي في التدهور بحيث انخفض بأكثر من 35% منذ بداية العام. هذا الانخفاض في العرض لم يقابله ارتفاع في الإنتاج في الولايات المتّحدة، ما أدّى إلى ضغوطات تصاعدية على الأسعار والتي يتوقّع كثير من المحلّلين أن يصل سعر برميل النفط إلى 100 دولار.
هذا السيناريو بحدّ ذاته، إذا ما استمرّ لفترة طويلة وصدقت توقّعات المحلّلين بملامسة أسعار النفط لحاجز 100 دولار، سيكون عامل خطر جدّي على سياسة مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي القائمة على إحداث التوازن وتصحيح الخلل بين السياسات الاقتصادية؟ إذ إن هدف الفدرالي من خلال سياسته الحالية هو كسب هامش مناورة للتدخّل في الأسواق في حالة الصدمات بتمركز أسعار الفائدة فوق معدّلها الوسطي الطويل الأجل 3% وفوق معدّل التضخّم الحالي.
منذ عام 2008، كانت دينامكية التضخّم قائمة بشكل رئيسي على أسعار النفط (éléments volatiles). هذه الدينامكية تسارعت مؤخراً، مدعومةً بالطلب الداخلي في الولايات المتّحدة، إذ أن ارتفاع سريع في سعر النفط من شأنه أن يؤدّي إلى ارتفاع سريع في معدّلات التضخّم. الأمر الذي يدفع المصرف المركزي إلى التدخّل برفع أسعار الفائدة بوتيرة أسرع من المتوقّع. فيدخل المركزي في دوّامة ملاحقة أسعار التضخّم الأمر الذي يدفع إلى وصول أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية. هنا، يجد مهندسو السياسات الاقتصادية في الولايات المتّحدة أنفسهم أمام حلّين: أوّلاً أن يلجأ البيت الأبيض إلى التخلّي عن سياسته التوسّعية لكبح جموح التضخّم فيهدّد النمو الاقتصادي، إمّا أن يلجأ الاحتياطي الفدرالي إلى رفع أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية فتحدث الصدمة وهنا بين القصيد.
إن تدخّل الفدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة بوتيرة أسرع من المتوقّع من شأنه أن يؤدّي إلى تدهور سريع في أسواق المال، نظراً إلى ارتفاع تكاليف الاستثمار وخدمته بالنسبة إلى الشركات العالمية فينخفض حجم الأعمال وكذلك الربحية. أما في ما يتعلّق بالحكومات، فإن ارتفاع تكاليف الاستدانة من شأنه أن يهدّد مسار السياسات الاقتصادية المتبعة من مالية وضريبية، الأمر الذي يؤدّي إلى تهديد النشاط الاقتصادي والنمو. أمّا بالنسبة إلى الدول النامية، فحدّث ولا حرج، لأن النتائج يمكن أن تكون كارثية بحيث تُهدّد غالبية اقتصاديات دول هذه المجموعة.
إذاً، إن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن يكون عاملاً مُهدّداً للسياسات الاقتصادية الأميركية والنمو العالمي ككلّ، إذا استمرّ في الصعود. ولكن هل تسمح الإدارة الأميركية بصعود أسعار النفط إلى المستويات التي تهدّد نمو اقتصادها واقتصادات الدول الصناعية؟ تملك الولايات المتّحدة أدوات عدّة تمكّنها من كبح ارتفاع أسعار على المدى القصير والبعيض، فمثلاً تستطيع رفع إنتاجها من النفط الصخري بشكل سريع ما يحدّ من ارتفاع الأسعار. عامل آخر غير مباشر يساهم في كبح جموح الأسعار إلا وهو سعر الدولار. في آلية تحديد أسعار النفط، هناك عوامل أخرى غير العرض والطلب تؤثّر على دينامكية الأسعار، ومنها سعر صرف الدولار. إن ارتفاع قيمة الدولار يؤدّي إلى انخفاض في أسعار النفط والعكس صحيح، لما لديه من تأثير على القدرة الشرائية للدول المنتجة. هذا بالإضافة إلى العوامل السياسية وهكذا، من الصعوبة بمكان تخيّل أن تسمح الولايات المتحدة لأي سيناريو بالظهور حيث أنه يُهدّد المسار الرئيسي للاقتصاد الأميركي على المدى المنظور.