الإحصاءات التي يعلنها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة مثيرة للدهشة، وتتبُّعها والتدقيق فيها يدفعان إلى شكوك جدّية وتساؤلات عن الهدف منها.

فبعد تعديل طريقة احتساب ميزان المدفوعات خلافاً لأيّ منهجية مُعترف بها، بهدف إظهار أن العجز فيه أقلّ ممّا هو في الواقع، أدخل سلامة، على ما يبدو، تعديلاً على طريقة احتساب ودائع القطاع الخاصّ، وأضاف إليها بنوداً لا تُصنّف كودائع للزبائن لدى المصارف، وأعلنها من دون أي توضيح، وذلك بهدف إظهار نمو الودائع بقيمة أعلى ممّا هي في الواقع أيضاً.
وفق الجدول الذي عرضه سلامة على رئيس الجمهورية ميشال عون، في الأسبوع الماضي، ظهر أن ودائع القطاع الخاصّ ارتفعت من 178.1 مليار دولار في آب/ أغسطس 2017 إلى 183.4 مليار دولار في آب/ أغسطس 2018، أي إنها ازدادت بقيمة 5.28 مليار دولار في سنة، أو ما نسبته 2.96%.
بمعزل عمّا إذا كانت قيمة هذه الزيادة تمثّل زيادة فعلية في الودائع، باعتبار أن الفوائد المدفوعة على الودائع القائمة قبل سنة كانت كفيلة وحدها بزيادة الودائع بقيمة أعلى من القيمة المُعلنة. فإن ما أعلنه حاكم مصرف لبنان في شأن إحصاءات ودائع القطاع الخاصّ لا تتطابق أبداً مع الإحصاءات المُعلنة من مصرف لبنان نفسه، ومن لجنة الرقابة على المصارف وجمعيّة المصارف والتقارير الدورية التي تصدرها مصارف ومؤسّسات مالية عدّة، والتي تستند أصلاً إلى إحصاءات مصرف لبنان.
وفق التقرير الأخير الصادر عن جمعيّة المصارف، بلغت قيمة ودائع القطاع الخاصّ المقيم وغير المقيم، في نهاية حزيران/ يونيو 2018، نحو 173.3 مليار دولار، بالمقارنة مع 167.7 مليار دولار في حزيران/ يونيو 2017. وهذه الإحصاءات هي تقريباً نفسها في كلّ المراجع المُعتمدة الرسمية وغير الرسمية، ولم يطرأ عليها أي تغييرات لافتة في شهري تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 2018. وهي أدنى بوضوح بنحو 10 مليارات دولار من الإحصاءات التي أوردها حاكم مصرف لبنان في جدوله! فمن أين جاء سلامة بهذه المليارات العشرة ليضيفها إلى ودائع القطاع الخاصّ؟
قد يكون هناك تأويلات عدّة، ولكن المصرفيين لا يملكون أي جواب يفسّر هذا التباين الكبير في الإحصاءات. وتكفي الإشارة إلى الإحصاءات التي أوردتها لجنة الرقابة على المصارف في تقريرها عن عام 2017 لترتسم علامات استفهام كبيرة، إذ إن ودائع الزبائن (من دون ودائع القطاع العامّ وودائع الشركاء) بلغت في نهاية كانون الأول/ ديسمبر الماضي نحو 166.7 مليار دولار، فهل يُعقل أنها انخفضت بقيمة 11.4 مليار دولار بالمقارنة مع ما ورد في جدول حاكم مصرف لبنان عن قيمة ودائع القطاع الخاصّ في آب/ أغسطس 2017؟ وهل يُعقل أنها ارتفعت بقيمة 16.7 مليار دولار في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام؟ طبعاً، لم تحصل مثل هذه التطوّرات الكبرى، وبالتالي لا يعدو الأمر كونه عملية تلاعب بالأرقام لا أكثر ولا أقل لطمس حقيقة أن الودائع لم تعد تنمو إلّا بدعم مباشر من مصرف لبنان، سواء عبر الهندسات المالية التي يجريها مع المصارف، أو عبر دعم رفع سعر الفائدة على الودائع الجديدة والمُجدّدة.
ما ينطبق على الودائع ينطبق على التسليفات، فقد ورد في جدول حاكم مصرف لبنان أن تسليفات القطاع الخاصّ ازدادت من 69.8 مليار دولار إلى 71.2 مليار دولار. وكما أراد أن يوحي أن نمو الودائع كافٍ لتمويل حاجات الاقتصاد والموازنة وكلفة تثبيت سعر صرف الليرة، أراد أن يوحي أيضاً أن عمليّاته وارتفاع سعر الفائدة الفعلي وحبس السيولة لديه لم تؤدِّ إلى توقّف التسليف للقطاع الخاصّ (الأسر والشركات)، وبالتالي يحاول أن يقول إن سياسته النقدية لا تزال داعمة للنمو الاقتصادي، وهو ما يتناقض كلّياً مع الوقائع.
وفق الإحصاءات التي نشرتها جمعيّة المصارف، بلغت التسليفات الممنوحة للقطاع الخاصّ المقيم في نهاية حزيران/ يونيو الماضي نحو 53.1 مليار دولار! ولن يزول التباين حتى ولو أضيفت التسليفات المصرفية المُستعملة في الخارج (نحو 7 مليارات دولار). في الواقع، تبيّن الإحصاءات الواردة في تقرير لجنة الرقابة على المصارف عن عام 2017، أن قيمة التسليفات المصرفية الممنوحة إلى القطاع الخاصّ بلغت في نهاية 2017 نحو 62.5 مليار دولار، إلّا أن 6.4 مليار دولار منها هي ديون مُستعملة في خارج لبنان، في حين أن الديون المُستعملة في لبنان بلغت 55.7 مليار دولار، من ضمنها نحو 3.6 مليار دولار ديون متعثّرة غير مُنتجة للفوائد (الأصل من دون حساب الفوائد غير المُحقّقة)، بزيادة 681 مليون دولار عن عام 2016. وارتفعت نسبة هذه الفئة من الديون من 5% من مجمل ديون القطاع الخاصّ في نهاية عام 2016 إلى 5.8% في نهاية عام 2017. ويشير تقرير لجنة الرقابة على المصارف إلى أن احتساب الفوائد المُتراكمة على الديون غير المُنتجة يرفع نسبتها من مجمل ديون القطاع الخاصّ إلى 9.2%. وهي تتركّز لدى عدد قليل من المصارف. ووفق التقرير المذكور، ارتفعت قيمة الديون الهالكة، المنقولة إلى حسابات تُذكر خارج الميزانية والمكوّن لها مؤونات بالكامل، أي التي تمّ شطبها ولم تعد تظهر في الميزانية، من نحو 862 مليون دولار في عام 2016 إلى نحو 1.1 مليار دولار في عام 2017، أي بزيادة 223 مليون دولار. كما ارتفعت قيمة الأصول المتملّكة استيفاء لديون، أي الديون المتعثّرة التي جرى تنفيذ الرهون عليها، من نحو 1.134 مليار دولار إلى 1.280 مليار دولار، بزيادة 146 مليون دولار في سنة. انطلاقاً من هذه الإحصاءات، يتبيّن أن القيمة الحقيقية لديون القطاع الخاصّ الهالكة (التي لم تعد تنتج فوائد) ارتفعت من نحو 4.9 مليار دولار إلى نحو 6 مليارات دولار. وهذه القيمة تمثّل الديون التي هلكت بالفعل. إلّا أن هناك مؤشّراً آخر مهمّاً، هو تطوّر قيمة الديون المُصنّفة «للمتابعة والتسوية»، الذي يُعدّ بمثابة إنذار مبكر على تدهور نوعية ديون المصارف للقطاع الخاصّ في المستقبل القريب. فقد ارتفعت هذه الديون من نحو 4.9 مليار دولار في عام 2016 إلى 5.7 مليار دولار في العام الماضي، بزيادة 840 مليون دولار، أي ما نسبته 17%، وباتت تشكّل نسبة مُرتفعة جدّاً من أموال المصارف الخاصّة، وتمثّل مصدر خطر رئيساً على سلامة القطاع المصرفي.
يشير البنك الدولي في تقريره الاخير عن لبنان إلى أن وقف القروض المدعومة من مصرف لبنان كان له تأثير ملموس في نشاط الإقراض، إذ لم يرتفع إجمالي الائتمان المُقدّم من المصارف التجارية إلى القطاع الخاص إلّا بنسبة 1.9% فقط (على أساس سنوي) في حزيران/ يونيو 2018، مقارنةً بنمو بلغ 8.4% (على أساس سنوي) في حزيران/ يونيو 2017.
ما الذي يحصل؟ وكيف يمكن تفسيره؟ ولماذا؟ أسئلة مُحيّرة جدّاً، فهدف حاكم مصرف لبنان لا يبدو أنه إعلامي فقط لإراحة النفوس، فمثل هذه الدعاية لا تقدّم ولا تؤخّر لدى الفاعلين الاقتصاديين الذين يمتلكون المعلومات الدقيقة، وبالتالي لا يتصرّفون على أساس معلومات يعلمون أنها غير صحيحة. فالإحصاءات المُتلاعب بها يجري تقديمها إلى رئيس الجمهورية، وربّما إلى رؤساء وفاعلين سياسيين آخرين. وهي تقدَّم في سياق إقناع المسؤولين عن إدارة الشأن العام أن المخاطر النقدية لا تزال تحت السيطرة، ولا داعي للمسارعة إلى أيّ إجراءات تهدف إلى تغيير أو تعديل السياسة النقدية المُعتمدّة والمصالح الكامنة فيها.
تبلغ عملية تجميل الإحصاءات ذروتها في احتساب متوسّطات سعر الفائدة على الودائع والتسليفات بالليرة والدولار، فحاكم مصرف لبنان لا يُبيّن سوى أسعار الفائدة الاسمية، ووفق الجدول المذكور ارتفع متوسّط سعر الفائدة على الودائع بالليرة من 5.93% إلى 7.65%، إلّا أن مصارف عدّة باتت تعرض أسعاراً تصل إلى 16% سنوياً على 5 سنوات وفق شروط معيّنة، أي إن كلّ 100 ليرة تتحوّل إلى 180 ليرة بعد 5 سنوات. وكذلك ارتفع متوسّط سعر الفائدة على التسليفات بالليرة من 8.10% إلى 8.81%، وفق جدول حاكم مصرف لبنان، علماً أن بعض المصارف بدأ يفرض سعر فائدة على التسليفات الجديدة بالليرة يصل إلى 16%. يعتبر سلامة أن أسعار الفائدة المرتفعة هي بمثابة «مُنتجات» تعرضها المصارف، ولكنّها في الواقع باتت تمثّل أسعار الفائدة الفعلية، وتكاد الفائدة الاسمية لا تطبّق إلّا على سندات الخزينة، ولذلك أصبح مصرف لبنان المُكتتب الرئيس في هذه السندات، وبات يحمل نصفها تقريباً، في حين تتقلّص حصّة المصارف لصالح التوظيف لدى مصرف لبنان بأسعار فائدة أعلى وأكثر سخاءً.



كم يبلغ احتياطي مصرف لبنان الصافي بالعملات الأجنبية؟
المؤشّر الأبرز، الذي يتسلّح به حاكم مصرف لبنان للتطمين إلى عدم وجود أي خطر على سعر الصرف، هو المتمثّل بقيمة موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، التي حافظت على مستواها خلال سنة (ارتفعت ارتفاعاً طفيفاً من 43.9 مليار دولار في آب/ أغسطس 2017 إلى 44 مليار دولار في آب/ أغسطس 2018)، إلّا أن مصرف لبنان لا يعلن عن قيمة الاحتياطي الصافي لديه بالعملات الأجنبية، على الرغم من أنه المؤشّر الفعلي على متانة الوضع النقدي أو هشاشته.
في عام 2016، قدّرت بعثة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتقييم أوضاع القطاع المالي في لبنان، أن الاحتياطي الصافي بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان يسجّل عجزاً بقيمة 4.7 مليار دولار (في نهاية عام 2015)، أي إن مصرف لبنان لا يمتلك أي موجودات بالعملات الأجنبية خاصّة به، بل هو مديون للمصارف بهذه القيمة. لقد كانت نتائج عمل هذه البعثة ذات وقع كبير، فسارع مصرف لبنان إلى إجراء الهندسة المالية الضخمة في النصف الثاني من عام 2016، والتي درّت أرباحاً طائلة للمصارف وكبار المودعين بلغت كلفتها المباشرة والفورية نحو 5.6 مليار دولار.
في الواقع، يعاني ميزان المدفوعات من عجز مُتراكم منذ عام 2011 بلغت قيمته 13.3 مليار دولار وفق احتساب «بلوم بنك»، وهذا يؤدّي إلى استنزاف احتياطي مصرف لبنان وزيادة الدين الخارجي (بما فيه ودائع غير المقيمين) لتمويل هذا العجز. يقدّر عجز ميزان المدفوعات في هذا العامّ (حتى تموز/ يوليو) بنحو 3.3 مليار دولار وفق احتساب «بلوم بنك»، في حين أن مصرف لبنان يُقدّره في الفترة نفسها بأقل من مليار دولار، نتيجة التعديلات التي أدخلها على منهجية احتساب هذا الميزان اعتباراً من تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، إذ بات يحتسب موجوداته من سندات اليوروبوندز كما لو أنها تدفّقات فعلية من الخارج، وهي ليست كذلك. هذا العجز المُتراكم في ميزان المدفوعات لسنوات متتالية والضغوط النقدية التي يتسبّب بها، واجهها مصرف لبنان بسلسلة واسعة من العمليات ابتداءً من أيار/ مايو 2016 (الهندسات المالية)، وبكلفة عالية جدّاً، بغية نقل جزء مهم من الأصول الأجنبية من المصارف إليه، بهدف التحكّم بالسيولة والعملات الأجنبية والمحافظة على سياسة التثبيت النقدي. ووفق الإحصاءات الواردة في تقرير لجنة الرقابة على المصارف، ارتفعت توظيفات المصارف بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان إلى 60.7 مليار دولار في نهاية عام 2017، ما يعني أن الاحتياطي الصافي بالعملات الأجنبية كان في نهاية العام الماضي عاجزاً بقيمة تتجاوز 16.7 مليار دولار، وتفيد التقديرات أن هذه القيمة السلبية باتت تتجاوز حالياً 20 مليار دولار.
في تقريره الأخير عن لبنان الصادر قبل أيام قليلة، أشار البنك الدولي إلى أن زيادة موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية كانت مدفوعة بنحو رئيسي بمخزون مصرف لبنان من سندات اليوروبوندز الحكومية، التي بدأ يحتسبها كجزءٍ من احتياطاته بالعملات الأجنبية منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2017. في حين أن مخزون مصرف لبنان بالعملات الأجنبية انخفض فعلياً بنحو 2.7 مليار دولار أميركي خلال النصف الأول من 2018، فيما ارتفع مخزونه من الأوراق المالية الأجنبية بنحو 4.8 مليارات دولار.
تجدر الإشارة، إلى أن هذه المؤشّرات تواصل تدهورها، ولا يبدو أن هناك نيّة لدى حاكم مصرف لبنان لإجراء أيّ تصحيح مطلوب في السياسة النقدية التي يعتمدها، والتي تكبح النمو الاقتصادي وتحدّ من الاستثمار والاستهلاك، ويمكن الركون إلى الفقرة ثانياً من المادة الخامسة من القرار الأساسي رقم 12713، المتعلّق بتطبيق المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9 (التعميم الأساسي رقم 143)، التي تنصّ على ما يلي: «على المصارف والمؤسّسات المالية إطفاء الأرباح الناتجة عن عمليات المبادلة أو عمليات البيع والشراء على الأدوات المالية التي تجريها مع مصرف لبنان على فترة استحقاق الأدوات التي يتمّ مبادلتها وعدم تسجيل أرباح فورية عليها». بمعنى أوضح، تعني هذه الفقرة (مع التشديد على عبارة إطفاء الأرباح) أن مصرف لبنان لن يتوقّف عن استخدام الهندسات المالية في مواجهة الضغوط التي يتعرّض لها، على الرغم من أن التجربة حتى الآن دلّت إلى أن الهندسات المالية عمّقت الأزمة ورفعت الكلفة إلى مستويات لا تُطاق.