تربط بعض التحليلات المالية بين الضغوط الاقتصادية التي يواجهها لبنان وجملة من العوامل، أبرزها ارتفاع أسعار الفوائد في السوق، ما يعني - بالنسبة إلى هذه التحليلات - ارتفاع كلفة الاقتراض الاستثماري وامتصاص رؤوس الأموال على شكل ودائع بدل الاستثمار. هذه التحليلات تذهب إلى اعتبار مسألة الفوائد بحدّ ذاتها سبباً من أسباب تزايد هذه الضغوط، بدل اعتبارها أحد العوارض الجانبية للأزمة البنيوية التي يعاني منها النموذج الاقتصادي اللبناني، إذ تؤدّي عوامل مختلفة إلى مفاقمة أزمته المالية الحالية. في الواقع، يحاول أصحاب هذا التحليل القول إنّ أحد أسباب الضغط المالي الناتج من ارتفاع الفوائد، هو العامل الخارجي المتعلّق بارتفاع أسعار الفوائد بمعزل عن العوامل الداخلية الأخرى.


في الأرقام، تظهر مراجعة للفترة الأخيرة (2005 – 2018) أنّ معدّل الفوائد الحالي لم يبلغ المعدّل القياسي الأعلى. وفقاً لأرقام مصرف لبنان، سجّل متوسّط الفوائد على الودائع بالدولار الأميركي في شهر آب/ أغسطس من سنتين متتاليتين (2006 و2007) نسبة مرتفعة بلغت 4.58% و4.85%، وفاقت المعدّل المسجّل في شهر آب/ أغسطس الماضي (2018)، الذي بلغ 4.2%. ويرتبط الارتفاع في تلك الفترة بجملة من العوامل، من بينها حرب تموز/ يوليو عام 2006، وخروج ودائع من لبنان، والطلب على السيولة في الفترة التي تلت الحرب.
لكنّ الأرقام تظهر أيضاً أنّ سنة 2007 التي سجّلت المعدّل القياسي لمعدّل نسبة الفوائد منذ 2005 (بنسبة 4.85%)، شهدت في الوقت نفسه معدّل نمو اقتصادي بلغ 9.4%. بمعنى آخر، لم يكن ارتفاع الفوائد في تلك السنة نتيجة عامل اقتصادي ضاغط أو بسبب تراجع الوضع المالي.
وبالتالي، لا يجب قراءة هذا الارتفاع في معدّلات الفوائد كعامل مؤدٍّ بحدّ ذاته إلى الأزمة المالية، بل يمكن - على العكس - قراءته في الفترة الأخيرة كواحد من التداعيات التي تظهر في سياق أزمة النموذج الاقتصادي الأخيرة. فالنموذج القائم على جذب التدفّقات المالية الخارجية، يحتاج إلى الحفاظ على هامش واسع (فارق) بين معدّلات الفائدة محلّياً وعالمياً وبين معدّلات الفائدة على الليرة والفائدة على الدولار في السوق المحلّية، وذلك بهدف استقطاب الودائع إلى السوق المحلّية والتعويض عن ارتفاع المخاطر. ومع تفاقم أزمة عجز ميزان المدفوعات خلال السنوات الماضية، ارتفع بالتوازي طلب المصارف على السيولة بالعملات الأجنبية لتوظيفها في هندسات مصرف لبنان المرتفعة العوائد، وبالتالي ساهم هذا الأمر في رفع الفوائد.
أمّا من جهة الفائدة على الودائع بالليرة اللبنانية، فالأكيد أن ارتفاع الفوائد كان أوّلاً لضبط الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، ومنع تحوّلها إلى الدولار الأميركي، في ظلّ ارتفاع الفوائد على الدولار. كذلك حاول مصرف لبنان من خلال هذا الأمر معالجة آثار هندساته المالية التي خلقت كتلة نقدية كبيرة بالليرة، لامتصاص هذه الكتلة وإبقائها تحت السيطرة، خصوصاً بعد أن ظهرت آثار هذه المسألة من خلال تضخّم أسعار السوق اللبنانية.
لا ينفي كلّ هذا التحليل وجود آثار اجتماعية واقتصادية كبيرة لمشكلة ارتفاع نسبة الفوائد، خصوصاً على مستوى الكلفة على الأسر، وكلفة إعادة تمويل الدين العامّ في المستقبل. لكنّ الأكيد أنّ ارتفاع الفوائد لم يكن مُسبّباً للأزمة بمعزل عن الظروف المحيطة، بل كان في الواقع إحدى الأدوات التقليدية للتعامل معها من جهة، وأحد الآثار التي نجمت عنها من جهة أخرى.