منذ الرسالة المفتوحة التي وجّهتها مع توماس بيكيتي وجيفري ساكس وداني رودريك وهينر فلاسبيك إلى أنجيلا ميركل، في تموز/ يوليو 2015، أيقنت أنني لم أكتب كثيراً عن اليونان، ولم يتغيّر شيء من حينها لكي تتبدّل آرائي التي عبّرت عنها. إن الاقتراض المُفرط للحكومات اليونانية قبل الأزمة، والذي أُبقي بعضاً منه سرّياً، كان متوقّعاً أنه سيؤدّي إلى تصحيح مؤلم. لقد حوّلت حكومات منطقة اليورو والترويكا (المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) هذا التصحيح المؤلم إلى كارثة كبرى.

للأسف، عليّ أن أشدّد أمام الجمهور البريطاني، أنّ كلّ هذا لا علاقة له بالاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو أو ما وصفته في مقالة سابقة «قسوة الدائن الغبية». فقد كانت المصارف الخاصّة سعيدة بإقراض الحكومة اليونانية لأنها اعتبرت - عن خطأ - أن أموالها في أمان، تماماً كما لو كانت تُقرض ألمانيا. في البداية، تأخّرت حكومات أخرى، ومن ثمّ حدّت من تخلّف اليونان عن الدفع بسبب قلقها من صحّة مصارفها الخاصّة المالية. واستبدلت الدين اليوناني لدى المصارف الخاصّة بمال تدين به الحكومة اليونانية للحكومات الأوروبية الأخرى. من هنا، يرغب الناخبون في استعادة جميع أموالهم. وفي مسعى لتحقيق ذلك، طلبت الترويكا الأوروبية، واستطاعت، أن تفرض إجراءات تقشّف قاسية ومروحة واسعة من الإصلاحات. وكانت النتيجة ركوداً أعاق الاقتصاد بطريقة غير مسبوقة تاريخياً. ويدرك معظم الاقتصاديين أنه في مثل هذه الحالات، المثير للسخرية هو الإصرار على أن يُسدد المدين كلّ ما عليه. ووفقاً لقواعد كينزية أساسية، فإن هذا الإصرار لا يقود سوى إلى تدمير قدرة المدين على السداد: فهذه ليست لعبة بين الدائن والمدين تكون حصيلتها صفراً. ولهذا السبب تم شطب الكثير من الديون الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية، كما أشرنا في رسالتنا إلى ميركل.
بحلول تموز/ يوليو 2015، كان باستطاعة الحكومة اليونانية أن تغطّي نفقاتها من خلال الضرائب، لكن كلّ ما كانت تحتاجه هو تأجيل تسديد قروضها. لم تكن الترويكا بوارد السماح لليونان بتأجيل دفع استحقاقات ديونها إلّا في حال حقّقت فائضاً أولياً كبيراً يسمح لها بالبدء بتسديد ديونها، وهو ما يعني الإمعان في التقشّف. كان من المنطقي أكثر، الانتظار ليتمكّن الاقتصاد من التعافي أوّلاً، إلّا أن الترويكا لم ترَ مغزى من ذلك، ومضت في المسار نفسه لأن البنك المركزي الأوروبي قطع إمدادات اليورو عن اليونان. وكان السبيل الوحيد المُتاح لليونان للخروج من الأزمة هو الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، لكن شعبها لم يرد ذلك. خارج منطقة اليورو، كان يمكن أي حكومة في وضع مماثل أن تتخلّف عن السداد في عام 2010 وكان دائنوها سيخسرون أموالهم، أو كانت ستتخلّف عن السداد بمجرّد وصولها إلى الفائض الأولي. ولكن أن تكون عضواً في منطقة اليورو حيث يلعب البنك المركزي الأوروبي دور الدائنين بالمزايدة فهو أمر مختلف.
لم يكن الثمن الذي دفعته اليونان محصوراً فقط بالتراجع الكبير في مستوى المعيشة كما وصفه فرانسيس كوبولا، بل يشمل أيضاً «حديثي الولادة الذين يموتون لأسباب يمكن علاجها، والمراهقين والشباب الذين يقتلون أنفسهم، والبالغين الذين يموتون من أمراض مرتبطة بسوء التغذية وإدمان الكحول والتدخين وأمراض قابلة للعلاج»، وبأعداد أكبر بكثير بالمقارنة مع البلدان الأوروبية الأخرى، وأعلى ممّا كانت عليه في اليونان قبل الأزمة. وكلّ ذلك هو نتيجة قسوة الدائنين الغبيّة، أي حكومات منطقة اليورو والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي. وأشبّه عدم مبالاة البلدان الأخرى في منطقة اليورو، تجاه المعاناة التي فرضت على اليونان، بتقاعس الحكومة البريطانية خلال المجاعة الإيرلندية.
لم يكن مفيداً أن يكون صوت الحكومة الألمانية، والتي بدت في كثير من الأحيان غير مُدركة لأساسيات الاقتصاد الكينزي، هو الصوت المُهيمن في مجموعة اليورو. ولكن كما نعرف في المملكة المتّحدة، فإن هذا النوع من الأمور يمكن أن يحدث في أي مكان. ولم يكن تجاوز صندوق النقد الدولي لإجراءاته الخاصّة في تقييم إمكان سداد اليونان لديونها، عاملاً مساعداً، تحت ضغط من الحكومات الأوروبية الرئيسية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشروط الكثيرة التي فرضتها الترويكا على اليونان لأن نتائج الإصلاحات الهيكلية أتت عكسية على عملية التصحيح.
ولكن الدرس الأهمّ الذي استقيته من كلّ ذلك هو أن القروض العابرة للحكومات ضمن منطقة اليورو هي فكرة سيّئة للغاية، لأنها شجّعت الدائنين على أن يكونوا أغبياء. خارج منطقة اليورو، عندما تبلغ حكومة مدينة فائضاً أولياً، يمكنها في حينها أن تتأخّر في سداد ديونها، وهو ما يمنحها بعض النفوذ على الدائنين. وساعد ذلك على تفادي وقوع كوارث مماثلة لما حلّ باليونان. لكن داخل منطقة اليورو يملك الدائنون نفوذاً كبيراً لأنهم يستطيعون قطع المال عن النظام المصرفي في إحدى الدول الأعضاء أو إخراجه من النادي. لم تتعلّم منطقة اليورو هذا الدرس لأسباب سياسيّة واضحة، وهو ما يجعل هذا النادي مكاناً خطيراً للمنضمّين إليه. فإن كان حظّك سيّئاً وتعيش في بلد منضوٍ في مجموعة اليورو وحكومته تقترض كثيراً وبشكل سرّي، سيؤدّي ذلك إلى أن يموت الكثير من مواطنيك لمجرّد وجودكم في منطقة اليورو.
بروفسور في الاقتصاد في جامعة أكسفورد

* نشر بترخيص من Social Europe
ترجمة: لمياء الساحلي