تأتي كلمة «مالي» من كلمة باللاتينية تعني «محفظة». فحين يتعلّق الأمر بالسياسة المالية - أي كيف تدير الحكومة موازنة البلاد - يقارن الناس بشكل خاطئ محفظة البلاد وكيفية إدارتها بمحفظة الفرد أو الأسرة. إلا أنها في الواقع مختلفة، وفي حال تمّت إدارتها بشكل صحيح، يمكنها إنهاء التقشّف وجعل الاقتصاد مستقرّاً وعادلاً.

في البداية، شهد اقتصاد المملكة المتّحدة انتعاشاً قوياً من أزمة 2008 المالية، بدأ في أواخر عام 2009 واستمرّ خلال عام 2010. لاحقاً، أدّت سياسات التقشّف المُتبعة من حكومات حزب المحافظين على مدار ثماني سنوات، إلى القضاء على هذا الانتعاش والتسبّب بحالة من الركود والكساد وتزايد معدّلات الفقر. أمّا الحجج التي قدّمها المحافظون، من عدم استقرار السوق العالمية وصولاً إلى المخاوف من «بريكست» فقد أخفقت في حجب السبب الحقيقي لهذا الأداء الاقتصادي الكئيب ما بعد الأزمة.
في الواقع، تعاني حكومة المحافظين من «هوس بالعجز» - حيث تقع سياستها العامة رهينة تحقيق توازن في الميزان المالي أي جعله صفراً، أو تحقيق فائض أولي، من خلال تقليص النفقات - إلّا أن التخفيضات الهائلة في النفقات العامّة فشلت مراراً في تحقيق توازن في الموازنة. وعلى رغم ذلك، فإن معظم الجمهور البريطاني لا يزال مهووساً بهدف تقليص العجز الذي أقلّ ما يقال عنه إنه هدف مختلّ.

مشاكل أساسية
إن المشكلة الأساسية في الوصول إلى توازن في الموازنة، وبكلّ نسخه، تكمن في عدم إمكان تحقيق هذا التوازن. لنأخذ العجز كمثال، مع وجود توازن سلبي في الموازنة ووزير مالية مُلتزم بتقليص العجز بسرعة. يعتقد الأخير أنّ الطريقة لتقليص العجز هو زيادة الضرائب أو تقليص النفاقات. إن وزراء المالية المحافظون منذ عام 2010 فضّلوا تقليص النفقات.
إلّا أنّ تقليص النفقات يخفّض الطلب على السلع والخدمات التي يشتريها القطاع العامّ كالأدوية والمعدّات الطبية. ونتيجة لذلك، تقلّص الشركات التي تقدّم هذه السلع والخدمات عدد الموظفين لديها وتخفّض استثماراتها. ويؤدّي ذلك إلى تراجع مداخيل الشركات والأسر، وبالتالي إلى تراجع عائدات الضرائب. لذلك فإن أي انخفاض في العجز والاقتراض العامّ سيكون أقلّ من التخفيضات نفسها للنفقات.


إن الإخفاقات المُتكرّرة لحكومات المحافظين في تحقيق أهدافها المالية منذ عام 2010، تشير بوضوح إلى تأثير التخفيضات على المداخيل الخاصّة ونفقاتها. كما أن مقاربة السياسة المالية القائمة على تحقيق التوازن في الموازنة تعزّز عدم الاستقرار في الاقتصاد البريطاني. حين يكون الإنفاق الخاصّ ضعيفاً، تؤدّي محاولات تحقيق التوازن في الموازنة إلى جعله أكثر ضعفاً، محوّلا حالات الركود الصغيرة إلى ركود كبير، وهو ما يصفه الاقتصاديون بـ«مسايرة الاتجاهات الاقتصادية» procyclical.
وبدلاً من الهوس غير المجدي في «مسايرة الاتجاهات الاقتصادية» بتحقيق التوازن في الموازنة، يجب على وزير المالية أن يفعل العكس - أي استخدام سياسة مالية تقلّص عدم الاستقرار في الاقتصاد - وهو ما يصفه الاقتصاديون بـ«مقاومة التقلّبات الدورية الاقتصادية» countercyclical.
أي وزير مالية متنوّر سيكون مُدركاً تماماً بأنّ انخفاض عائدات الضرائب في حالة الركود هو أمر جيّد، إذ يرفع قدرة الإنفاق لدى الأسر. بالطبع، إن انخفاض الإيرادات يعني حكماً ارتفاعاً في العجز (أو تراجعاً في الفائض). ولكن بعد منح الناس المزيد من المال بعد اقتطاع ضريبة الدخل، لن يعود العجز مشكلة وإنّما جزءاً من الحلّ.

المنطق السليم
تندرج المبادئ الموجّهة نحو تبنّي سياسة مالية فعّالة لـ«مواجهة التقلّبات الدورية الاقتصادية» في إطار التفكير السليم: استخدام الاستثمارات العامّة لتحفيز النمو المتوسط والطويل الأجل. وفي الوقت نفسه، يوفّر الإنفاق الجاري أداة للحفاظ على الاقتصاد عند مستويات مستقرّة وعالية من الإنتاج والعمالة. وستساعد المبادئ التالية الحكومة على إنهاء التقشّف وبناء اقتصاد أفضل.
1- الاستثمارات العامّة في التعليم والنقل تشكّل أداة لتحفيز النمو، لكن هذا النوع من الإنفاق يستغرق وقتاً للتطبيق وتحقيق عائد. لذلك لا يجب وقف هذه المشاريع في منتصف الطريق، فهي ليست أداة فعّالة لإدارة الناتج الاقتصادي والعمالة على المدى القصير، بل أداة أكثر من فعّالة في تحفيز الاقتصاد.
2- إن تعديل الإنفاق الجاري يوفّر أداة لمواجهة تراجع الاستثمارات الخاصّة والصادرات، التي تسبّب ضغوطاً تضخّمية أو حالات ركود أخرى. على سبيل المثال، إذا كان الاقتصاد في حالة ركود، فإن زيادة الأجور أو مكافأة موظّفي القطاع العام ستحفّز المزيد من الإنفاق الأسري، ممّا يؤدّي إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات الخاصّة. وإذا لاح خطر التضخّم، يمكن لوزير المالية إدخال زيادات مؤقّتة في الضرائب لخنق الإنفاق الخاصّ.
3- قد تُسجّل الموازنة العامّة فائضاً أو عجزاً نتيجة هذا النوع من السياسة المالية النشطة. ويعتمد ذلك بشكل أساسي على سلوك القطاع الخاصّ. فالطلب القوي في القطاع الخاصّ يفضّل وجود فائض مالي، في حين أن ضعف الإنفاق الخاصّ يشير إلى وجود عجز مالي. والحالتان لا بأس بهما.
4- إن التوازن بين النفقات والضرائب هو نتيجة لسياسة مالية نشطة. ولكن هذا التوازن ليس هدفاً لهذه السياسة في حدّ ذاته، بل الاقتصاد التقدّمي - حيث يحصل الباحثون عن وظائف على هذه الوظائف وبأجر لائق وظروف آمنة، وعندها تزدهر الخدمات العامّة بفضل التمويل الكافي، وتتوزّع الفائدة الاقتصادية بالتساوي في كل أنحاء البلاد.
جون ويكس خبير اقتصادي وأستاذ فخري في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن. حاصل على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة ميشيغان، آن أربور، عام 1969. مؤلف كتاب جديد بعنوان «اقتصاديات الـ1%: كيف يخدم الاقتصاد السائد الأغنياء، ويحجب الواقع ويشوّه السياسة»

* نشر بترخيص من Social Europe
ترجمة: لمياء الساحلي