«لا أحد يستطيع شيئاً ضدّ شركة سوليدير، لأنها منذ الآن هي حزب بمئة وعشرين ألف عضو».

ناصر الشمّاع - 1994

حتّى الآن، لم يظهر من بين مسرّبي المعلومات من يتحلّى بالشجاعة الكافية للكشف عن حقائق ما جرى عند نهاية الحرب الأهلية في لبنان (1975-1990)، ولا سيّما في الفترة بين شباط/ فبراير وأيلول/ سبتمبر من عام 1992، وهي الفترة التي شهدت أوّل انتخابات نيابية منذ عام 1972، وأرست دعائم «النظام الجديد»، ومهّدت لتسليم إدارة الحكومة إلى رفيق الحريري، المقاول الثري القادم من السعودية على «حصان أبيض»، مُحمّلاً بالدعم الخارجي ووعود الربيع وأحلام استعادة لبنان دوره السابق قبل الحرب، كوسيط مالي وتجاري إقليمي ومقرّ للشركات العالمية الساعية إلى اختراق الأسواق العربية ومركز للسياحة والتسوّق والترفيه، موجّهاً نحو حاجات الأسر الخليجية الثرية ورغبات رجالها الجامحين.
تلك الأشهر الثمانية من عام 1992 كانت كثيفة جدّاً بأحداثها وتطوّراتها، وبدت كأنّها في سباق مع الزمن من أجل إنجاز الانقلاب على اتفاق الطائف المكتوب وغير المكتوب (1989) وتكريس نظام الحرب القائم على «علاقات القوّة والسيطرة» و«المحاصصة» و«تقاسم الريوع»، والذي تمّ تعريفه في البداية باسم «نظام الترويكا»، أي نظام الرئاسات الثلاث. ومن ثمّ تمّ تعريفه باسم «نظام الوصاية السورية»، بالتعاون والتنسيق مع السعودية ورعايتها. ولاحقّاً باسم «النظام الأمني السوري - اللبناني المشترك»، أي حكم المخابرات السورية. وهذه التسميات، وإن كانت تعبّر عن الشكل الذي اتخذته إدارة السلطة والمجتمع والاقتصاد منذ نهاية الحرب، إلّا أنها في الواقع كانت تُخفي الصعود «الخارق» لطبقة «أوليغارشية» بامتياز، جمعت أثرياء الحرب مع أثرياء النفط والأثرياء المغتربين، وضمّت المصرفيين والمقاولين وبقايا «البرجوازية التقليدية» الناجية، التي سيطرت عليها تاريخياً مصالح التجّار ومُلّاك الأراضي الكبار.
تعاظمت قوّة هذه الطبقة الصاعدة في ظلّ ما يُمكن وصفه بـ«الاقتصاد الأسود» (سُمّي «اقتصاد الحرب» ثمّ «اقتصاد الصفقة» أيضاً، وكذلك «احتكار القلّة» و«الفساد الحميد»)، ونجحت في بناء نظام سياسي تتركّز السلطة الفعلية فيه لدى عدد قليل من الأفراد وبعض العائلات، ممّن يستمدّون قوّتهم من تراكم الثروة والإرث والتقاليد والقوّة العسكرية والسيطرة على الأرض والقدرة على استخدام العنف أو التهديد به، بالإضافة طبعاً إلى العلاقات مع الخارج والولاءات لمراكز القوى الفاعلة. بلغت قوّة هذه الطبقة حدّاً دفع حتّى بالبنك الدولي، في تقرير له في عام 2015، إلى وصف «النظام الطائفي» في لبنان بعد الحرب بشكل نظام «بلوتوقراطي»، يحكم فيه الأثرياء، ويخفي الامتيازات التي يتمتّعون بها وتضعهم فوق القانون، بل فوق الدولة والمجتمع، كما كان الأمر في مدن اليونان القديمة.
كيف سيطرت هذه الطبقة على المجتمع اللبناني؟ كيف لمجتمع خارج للتوّ من كارثة الحرب المُدمّرة أن يسمح بحصول ذلك؟ كيف أسقط هذا المجتمع كلّ دفاعاته في مواجهة صعود هذه الطبقة، حتى تلك الدفاعات البسيطة التي ظلّت صامدة في الحرب ومنحت المجتمع شيئاً من المناعة إزاء كلفة العنف، وتلك التي عاودت الظهور أحياناً وسمحت بالتأثير في بعض الأحداث اللاحقة، ولا سيّما على جبهة المقاومة وإنجاز تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي (2000) وإخراج الجيش السوري (2005) والانتصار في مواجهة حرب تموز (2006) وعدم الانزلاق إلى العنف الأهلي الواسع (بعد اغتيال رفيق الحريري و7 أيار وأحداث طرابلس والصراع في سوريا)؟
في أبحاثها ومقابلاتها وفي كتابها «عقيدة الصدمة - صعود رأسمالية الكوارث»، استنتجت نعومي كلاين أن «معظم الناس الذين ينجون من كارثة مدمّرة (كالحرب في لبنان) لا يرغبون بفتح صفحة بيضاء كلّياً، فهُم يريدون إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والبدء بترميم الأشياء التي لم تدمّر. كذلك، يريدون أن يكرّروا ارتباطهم بالأماكن التي عاشوا فيها. إلّا أن رأسماليي الكارثة لا يأبهون لإصلاح ما كان. فهُم، تحت عنوان إعادة الإعمار الزائف، يسارعون إلى إنهاء ما لم تُجهز عليه الكارثة الأصلية، أي محو كلّ ما بقي، قبل أن يتمكّن ضحايا الحرب من الاتحاد مجدّداً والمطالبة باسترجاع ما كان يوماً مُلكاً لهم». تقوم هذه النظرية على فكرة بسيطة تقول: «إن بعض الأشخاص يكدّسون الأغذية المُعلّبة والماء والدواء تحسّباً لوقوع أزمات كبرى، أمّا رأسماليو الكارثة فيدّخرون أفكار السوق الحرّة، ويتحيّنون الفرصة لتحويل كلّ أزمة طاحنة إلى صفحة بيضاء كلّياً، خالية من أيّ شوائب أو عوائق، يرسمون عليها ما يشاؤون وفقاً لمصالحهم، وهي في النهاية: تحقيق أعلى معدّل ربح بأقلّ وقت وبأدنى المخاطر ومن دون أيّ عمل».
جسّد مشروع «سوليدير» هذه النظرية بطريقة فاقعة جدّاً. ففي حين كان المقيمون في لبنان يواجهون آثار الاجتياح الإسرائيلي (1982) وانهيار الدولة والاقتصاد ويدفنون ضحاياهم ويبحثون عن المفقودين منهم... كان رفيق الحريري (بما هو مُمثّل لطبقة الأوليغارشية) يدّخر مخطّطاً للاستيلاء على قلب بيروت التاريخي، ويحتفظ في أحد عنابر مطار «لو بورجيه» في فرنسا بماكيت عملاقة لما يحلم به أيّ مقاول ومضارب، وفق ما ورد في مذكّرات هنري إدّة (المال إن حكم)، وهو المهندس الرئيس للمشروع قبل أن يستقيل ويتبرّأ منه في مطلع التسعينيات.
في عام 1991، وقبل تولّي الحريري رئاسة الحكومة في أواخر عام 1992، صادق مجلس النواب على قانون إنشاء «سوليدير»، بمادة وحيدة، ولم يناقش هذا القانون في الهيئة العامّة إلّا 17 نائباً فقط، وقيل الكثير عن رشى تمّ توزيعها لضمان إقرار هذا القانون بصيغته المعروضة، التي كانت تواجه معارضة واسعة، ولا سيّما في أوساط النخب الثقافية والمهنية وبعض عناصر البرجوازية التقليدية الخائفة من خسارة امتيازاتها في نظام ما قبل الحرب. كانت المصادقة على هذا القانون بمثابة اختبار، فملامح تنامي المعارضة عندما بدأ الناس يلتقطون أنفاسهم بعد الحرب، شكّلت تهديداً لرأسمالية الكوارث لا بدّ من وأده في مهده: اندلعت موجة مضاربات على سعر الليرة بين شباط/ فبراير وأيلول/ سبتمبر من عام 1992، تخلّلها إعلان غريب من حاكم مصرف لبنان ميشال الخوري بالامتناع عن التدخّل لكبح المضاربات، ومعلومات عن تورّط مصارف معروفة بالأسماء بتأجيجها، وأسفرت عن ارتفاع سعر الدولار من 880 ليرة إلى 2850 ليرة في أقلّ من ثمانية أشهر. انهارت قيمة الأجور وتبخّرت تعويضات نهاية الخدمة وخسرت الودائع بالعملة المحلية قيمتها. شكّل ذلك صدمة كبرى، أخضعت المجتمع كلّياً ومهّدت لكلّ ما جاء لاحقاً.
يتبع