كان علينا انتظار ما تسرّب عن تقرير ماكينزي في ما يخصّ تشريع زراعة الحشيشة لأغراض طبية، كي تنضمّ قوى جديدة إلى تأييد القوى التقليدية، التي كانت تقول علناً أو سرّاً بذلك منذ عقود.


المؤيّدون التقليديون
يطرح هؤلاء الدوافع التالية لموقفهم:
● إنها واحدة من وسائل تنمية بعلبك - الهرمل، من خلال «منتج زراعي» ذي مردود مرتفع بالنسبة إلى المزارع مقارنة بالمحاصيل الأخرى، ومتلائم مع طبيعة المنطقة، لا سيّما أن المزارعين هناك يملكون خبرة متراكمة فيها. وقد قَوي هذا الطرح بعد فشل مشروع الزراعات البديلة في صيغته الأخيرة، والمُتمثّلة في برنامج التنمية في بعلبك - الهرمل في التسعينيات، والذي أداره برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي في حينه.
● إنها مدخل إلى معالجة مشكلة مذكّرات التوقيف والملاحقات، التي تطال الآلاف من أهالي المنطقة، وتشكّل مشكلة اجتماعية - سياسية - أمنية للمسؤولين الرسميين والواقعيين. ويرون أن تشريع الزراعة للاستخدام الطبي، من شأنه أن يساعد في إيجاد مخارج لهذه المشكلة وتوفير مناخات مُسهّلة للعفو ووقف الملاحقات (لا ننسى أنّ قانوناً للعفو يشمل قضايا المخدّرات هو قيد البحث أيضاً).
● إن انتشار تعاطي المخدّرات في لبنان بات أمراً واقعاً وظاهرة متوسّعة - كما تشير التقارير الصحافية والمشاهدات - وإنّ تشريع زراعة الحشيشة يمكن أن يكون أيضاً مدخلاً إضافياً لمعالجة مشكلات الإدمان وتحفيز المعالجات العلاجية لا العقابية، وهو منطقٌ يجد ما يسنده في تجارب دول أخرى. والأمر نفسه ينطبق على تجارة المخدّرات، وأن يكون ذلك مدخلاً لإعادة تنظيمها وضبطها، بما في ذلك التغطية المشرّعة للتجارة غير الشرعية التي تتمتّع بالحماية السياسية والأمنية الكافية.

المؤيّدون الجدد
بالنسبة إلى هؤلاء، فإن اقتراح ماكينزي (الذي هو تبنٍّ لاقتراحات قائمة منذ مدّة) أعطى الضوء الأخضر لخروجهم العلني إلى مقدّمة المشهد، من مُنطلق المصلحة الاقتصادية للبنان وتحفيز النّمو وفق مقاربات «علمية وعالمية» هذه المرّة، بما يسمح بتجاوز الوصمة الاجتماعية والأخلاقية اللصيقة بالحشيشة والمخدّرات. ولا يمانع التقليديون ذلك، لا بل هم يشجّعونه لأنه يوفّر احتضاناً أوسع لفكرتهم الأصلية بين فئات من رجال الأعمال والاقتصاديين، لم يكن بإمكانهم الحصول على تأييدهم في السابق. أما الحجج الجديدة هنا فهي:
● تحفيز النّمو الاقتصادي وتوسيع الأعمال إلى قطاع جديد ذي مردود مالي عال (كما يزعمون).
● المساهمة في تنمية منطقة بعلبك - الهرمل.
● زيادة الصادرات وزيادة موارد الدولة من هذا النشاط الاقتصادي الجديد.

توجّهان: المزرعة والشركة مجدّداً
بمعزل عن مناقشة مدى واقعية الطروحات المختلفة، وهو ما سنعود إليه في فقرة لاحقة، يمكن التمييز بوضوح بين فريقين، لدى كلّ منهما رؤيته الخاصّة لهذه المسألة.
فالفريق «التقليدي» يريد من خلال التشريع حلّ مشكلة تطال النظام الزبائني، من خلال معالجة مشكلة الملاحقات ومذكّرات التوقيف بحقّ سكّان المنطقة، وتبعات ذلك على العلاقة مع سكّان المنطقة وشبكات الإتجار بالمخدّرات، وهذا هدف مباشر وآنيّ. كما أنه يسعى من خلال التشريع إلى التدخّل في إعادة تنظيم هذا القطاع الريعي في شقّيه الشرعي المُقترح وغير الشرعي الذي سيستمرّ، ويشمل ذلك الانتقال من الشكل البسيط من الريع القائم على الحصول على نسبة من عائد التجارة (غير الشرعية) في شكل خوّة - رشوة مقابل الحماية السياسية والأمنية من دون أي تدخّل في عملية الإنتاج - التبادل نفسها، إلى دور تنظيمي أكثر تأثيراً في العمليّة برمّتها وتوسيع نسبة العائد الريعي وجعله آلية عضوية في القطاع الشرعي وغير الشرعي، لا مجرّد خوة - رشوة كما هو الآن. ومن شأن هذا التحوّل أن يُدخل أطرافاً جديدة إلى دائرة المستفيدين، أو تعديل حصص الأطراف المشاركة راهناً في تقاسم الريع. وأصحاب هذا الطرح يفضّلون التعاطي مع هذا النشاط بصفته نشاطاً زراعياً (والدور الأساسي فيه لوزارة الزراعة) مع إدارته مباشرة من الدولة، وفق نظام يشبه نظام الريجي (التبغ)، حيث أن ذلك هو الشكل الملائم لمنطق المزرعة في الزبائنية والمحاصصة في صيغته التقليدية (اقتراح القانون المؤيّد من الرئيس بري ونواب من كتل متنوّعين).

انجل بوليغان - المكسيك

في المقابل فإن الفريق «الحديث والعصري» يغلّب المنطق الاقتصادي، حيث التركيز على نقاط أخرى. يُنظر إلى النشاط هنا باعتباره نشاطاً اقتصادياً زراعياً - صناعياً- تجارياً بالدرجة الأولى، له طابع طبيّ (أي أحد مكوّنات صناعة وتجارة الأدوية)، حيث الدور الأساسي يجب أن يكون لوزارة الصحّة تأكيداً لذلك (اقتراح القانون المقدّم من القوات اللبنانية والذي يلقى تأييداً من رجال الأعمال). وهذا التصوّر الذي عبّرت عنه قوى سياسية واقتصادية (نقابة الصناعات الدوائية، رجال أعمال، مراكز أبحاث ومختبرات) يقوم على مقاربة محورها بناء خطّ لنشاط اقتصادي جديد مُدمج بشكل شبه كامل في سلاسل القيمة العالمية في قطاع الأدوية ووفق معاييره العالمية. ووفقاً لرجال الأعمال هؤلاء فإن هذا القطاع سيكون من الناحية التشريعية والتنظيمية مُقيّداً بدرجة شديدة جدّاً بالمعايير والمواصفات العالمية، كما أن شروط إنتاجه نفسها تخضع للشركات الدولية بدءاً من الإشراف على «تنظيف» التربة والمياه، إلى استخدام البذور المستوردة التي لا يمكن إعادة زراعتها، وصولاً إلى طريقة المعالجة والتصنيع، ومستوى التصنيع الذي سينحصر على الأرجح في استخلاص الزيوت والبودرة، ثم تصديرها إلى شركات في أوروبا لتصنيعها النهائي. وربّما بقي قسم أقلّ أهمية للتصنيع داخلياً. وهذه هي الصيغة المُلائمة لمنطق الشركة الاقتصادي الذي يفضّله رجال الأعمال الساعون للدخول إلى هذا القطاع الذي كان مُغلقاً عليهم.

أيّ طرح ستكون له الغلبة؟
في الجوهر وفي نهاية المطاف، ستكون هنا تسوية بين المقاربتين وفق المنطق الغنائمي نفسه، الذي يحكم صيغتي المزرعة والشركة، حيث ستتكرّس صيغة شراكة محدّدة بتوازنات مركّبة تضمن مصالح الطرفين.

الأثر التنموي
الترويج الشعبي لهذه الطروحات سيركّز على نقطتين أساسيتين هما: تنمية منطقة بعلبك - الهرمل، والفائدة الاقتصادية الوطنية، لا سيّما من خلال عائد تصدير المُنتج الجديد. فهل هذا حقيقي وواقعي؟
منطقة بعلبك - الهرمل هي من أكثر المناطق حرماناً في لبنان إلى جانب مناطق شمال لبنان الأخرى (عكار، الضنية، طرابلس)، والفجوة التنموية بين هذه المنطقة والمتوسّطات الوطنية وباقي مناطق لبنان مُزمنة وأسبابها هيكلية تعود على الأقل إلى فترة الانتداب ثمّ الاستقلال وما بعده (لا نريد العودة أبعد من ذلك في التاريخ الاجتماعي للبنان). وقد استمرّ هذا الحرمان في ظلّ ذروة زراعة الحشيشة خلال الحرب وما بعدها مباشرة، وقد أدّى ذلك في حينه إلى ارتفاع مستوى المداخيل العامّ في المنطقة (على الرغم من أن حصّة المزارعين كانت الفتات)، إلّا أن ذلك لم يعالج الفجوة التنموية، بل ولّد تشوّهات خطيرة مناقضة للتنمية: تعميق التفاوت الاجتماعي ويعبّر عنه تراكم الثروة عند تجّار المخدّرات وأصحاب النفوذ (أحد تعبيراته انتشار القصور الفخمة بين القرى الفقيرة)، وتراجع الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للتعليم وعزوف الشباب عنه، وتدهور الزراعات الأخرى، والهجرة إلى المدينة، والتفلّت الأمني، والوضع الصحّي المتردّي، وتدهور البنية التحتية، وتراجع احترام القانون وتآكل سلطة الدولة... إلخ.
إن الاقتراحات المُقدّمة لا تعالج هذه المشكلات، وهي في حال تحقّقها - وهو أمر مشكوك فيه - ستعني استمرار تركّز الفوائد بين أيدي أصحاب النفوذ القدامى والجدد، حيث أن هذه الزراعة، إذا تمّت وفق الشروط التي يتحدّثون عنها، ستكون زراعة مضبوطة ومُقيّدة بمعايير شديدة وحصرية، ولن يكون المستفيدون منها من المزارعين أنفسهم، ذلك أن أيّ زيادة موعودة في رفع العائد الناجم عن ارتفاع سعر المنتوج، الذي تشتريه منهم الشركات والمصانع (الذي قد يكون أعلى من سعر المبيع إلى تاجر المخدّرات)، سيقابله ارتفاع كبير جداً في تكاليف الإنتاج لاستيفاء الشروط والمواصفات المطلوبة. كما أن الفلّاح أو المزارع الجديد لن يعمل باستقلالية في حقله كما هو عليه الأمر حالياً، بل سيكون - بمعنى ما - عاملاً زراعياً (وإن على أرضه) يعمل وفق تقسيم العمل المفروض عليه، بما يخدم سلسلة القيمة العالمية، أي سيصبح مزارعاً معولماً بامتياز. أما العوائد على المجتمع المحلّي ومعالجة المشكلات التنموية فستبقى مسؤولية الدولة والبلديات التي عليها أن تضع خطّة تنمية شاملة لبعلبك - الهرمل، لم تكن قائمة في السابق، لا بسبب عدم توفّر الموارد، بل بسبب عدم وجود إرادة سياسية حقيقية لذلك. إن أي عوائد جانبية قد تعود لأفراد (المزارعين) أو بلديات (من رسوم أو عوائد أخرى مشابهة) ستكون محدودة في الحجم (القسم الأكبر من العائد سيكون للشركات والمصدّرين والدولة المركزية) ومحدودة التأثير في التنمية المحلّية، كما أنها لن تؤدّي إلى وضع خطّة تنمية متكاملة للمنطقة لم تقدم عليها الدولة سابقاً، ولا القوى السياسية المُسيطرة عليها.

أوهام رجال الأعمال
الطرح الاقتصادوي لرجال الأعمال ليس واقعياً أيضاً. يتوهّم بعض رجال الأعمال أنه بإمكانهم بناء قطاع اقتصادي حديث جداً، ومندمج عضوياً في سلاسل القيمة المعولمة، يستجيب لمواصفات ومعايير دقيقة وتفصيلية وصعبة تحكم الصناعات الدوائية عالمياً. ويتوقّعون حصول ذلك في لبنان في ظلّ انحلال فكرة الدولة وسلطة القانون، وفي ظلّ الإطباق الغنائمي على الدولة والاقتصاد، وفي ظلّ الفساد المستشري... إلخ. هذا مجرّد وهم لا يوجد له أيّ أساس واقعي في ما نعرفه عن الرأسمال اللبناني وعن رجال الأعمال فيه. والشواهد لا تعدّ ولا تحصى: قطاع الاتصالات (مثلاً)، الذي تتوفّر فيه شروط مناسبة لتحقيق اندماج عمودي في الاقتصاد العالمي، نظراً إلى التقنيات الحديثة وانعزال القطاع عن العلاقات الاجتماعية وغيرهما، ومحدودية الاستثمارات المطلوبة فيه... وهو فشل فشلاً ذريعاً في تقديم خدمة جيّدة مقابل كلفة عالية جدّاً، وبات جزءاً من منظومة الفساد وتقاسم الغنائم. فهل يمكن أن نتوقّع من قطاع مُعقّد مثل زراعة القنّب للاستخدام الطبيّ، يتطلّب استثمارات ضخمة وتداخلاً مع المجتمع المحلّي ومراكز القوى السياسية والأمنية، أن يبني جزيرة اقتصادية معزولة داخل لبنان ومعزولة عنه في الوقت نفسه؟

خلاصة
إن مشروع تشريع زراعة القنّب هو كغيره مشروع ريعي سياسياً ومالياً، لا أكثر. ولا فائدة تنموية تحويلية له لبعلبك - الهرمل، ولا فائدة تنموية أو اقتصادية له للبنان، وهو غير قابل للتحقّق أصلاً في ظلّ اضمحلال الدولة وغياب المشروع التنموي الوطني. أضف إلى ذلك أنه قد لا يحظى أصلاً بثقة الشركاء الدوليين، الذين من دون موافقتهم على شراء المُنتَج وفق المواصفات والشروط التي يضعونها هم، سيبقى مجرّد كلام لا أكثر. إن شروط نجاح هذا المشروع تقع خارج لبنان، ولا تخلو من المعايير والمشروطية السياسية. وربما في ذلك (عدم تحقّقه) فائدة في نهاية المطاف، كي لا يتحوّل الكلام المُنمّق عن التنمية والنمو الاقتصادي إلى غطاء لتقاسم جديد لمورد ريعي يُعاد تنظيمه في خدمة الشركاء القدامى والجُدد، من دون أن يعني ذلك وقف الإتجار غير القانوني بالمخدّرات في لبنان. والأرجح أن الشركاء القدامى والجُدد يدركون تماماً ما هم بصدده، وهو زيادة حصّتهم من الريع لا أكثر بطرق جديدة.

* مستشار في قضايا الفقر والتنمية