في معظم التقارير والدراسات، يرد أن «رأس المال البشري» هو أحد ميزات المجتمع اللبناني ومصدر لغناه وطوق نجاته. إلّا أن مؤشّراً جديداً أطلقه البنك الدولي في الأسبوع الماضي يكشف جانباً من الحقيقة المرّة: فالطفل الذي يولد في لبنان اليوم لن يكون مُنتجاً عندما يكبر إلّا بنسبة 54% من قدرته الفعلية على الإنتاج، لأنه ببساطة لن يحظى بالتعليم المناسب والصحّة الجيّدة، بالقدر الكافي لاستغلال طاقته الإنتاجية الكاملة، ما يحرم الاقتصاد من 46% من طاقته الكامنة.

هناك مسعى دائم لتقدير قيمة الإنسان كمّياً، أي تسعيره (منحه سعراً معيّناً في السوق). ويظن بعض الاقتصاديين أن باستطاعتهم التوصّل إلى ذلك عبر استخدام نماذج رياضية، على غرار النماذج المُستخدمة في تسعير رأس المال المادي (الآلات مثلاً) أو الأرض (القيمة العقارية) أو الموارد الطبيعية (مخزون النفط). وهنا تكمن الإشكالية الأساسية التي تعتري مفهوم «رأس المال البشري»، إذ كيف يمكن اختزال قيمة الإنسان إلى مجرّد سعر يعبّر عن قيمته في السوق؟ مثل هذا التسعير لن يكون مُتاحاً بدقّة إلّا في ظلّ «العبودية»، حيث يجري بيع «العبيد» وشراؤهم في السوق كأيّ سلعة، ويكونون مُلكاً لصاحب «رأس مال بشري»، يجني عوائد العمل وحده ولا يمدّ العمّال إلّا بسبل البقاء لتجديد قوّتهم الحيوية ومواصلة الإنتاج، أي البقاء على قيد الحياة بما يكفي لتحقيق فائض قيمة أو ربح.


لكن، بمعزل عن هذه الإشكالية المهمّة، ومع التحفّظ على مبدأ تكميم قيمة الإنسان وتبخيسها في السوق. يقدّم البنك الدولي أداة قياس لتقدير قيمة «رأس المال البشري»، انطلاقاً من تقدير القيمة التي سيُنتجها في المستقبل كلّ طفل يولد اليوم، تبعاً للظروف الصحية والتعليمية السائدة في البلد الذي يعيش فيه. ويحاول المؤشّر قياس المسافة التي تفصل كلّ بلد عن الوصول إلى حدود التعليم الكامل والصحّة الكاملة لطفل يولد اليوم، عبر تحليل البيانات الإحصائية المتوافرة حول معدّلات البقاء على قيد الحياة (هل سيبقى الأطفال الذين يولدون اليوم على قيد الحياة حتّى سنّ دخول المدرسة؟ وكم سيبقى منهم على قيد الحياة حتّى سنّ الستين؟)، وحول التعليم (كم سنة سيمضون في المدرسة؟ ماذا سيكملون من مراحل التعليم؟ وما مقدار ما سيتعلّمونه؟ وأي نوعية تعليم سيحصلون عليها؟)، بالإضافة إلى البيانات المُتعلّقة بالصحّة والتقزّم (هل سينهون دراستهم وهم بصحّة جيّدة ومستعدّون لمواصلة التعلُّم و/أو العمل؟).
يقيس «مؤشر رأس المال البشري» إنتاجية طفل يولد اليوم بالمقارنة مع مستوى إنتاجيته فيما لو كان يتمتّع بكامل الصحّة وأتمّ تعليماً عالي الجودة على مقياس من صفر إلى واحد، بحيث يكون الرقم واحد تعبيراً عن أعلى تقدير مُمكن للإنتاجية. وعلى سبيل المثال إذا كان تقدير أداء بلد ما 0.5 نقطة، فإن هذا يعني أن الأفراد - والبلد بأسره - يخسرون نصف إمكاناتهم الاقتصادية في المستقبل.
بالاستناد إلى هذا المؤشّر، فإن الطفل الذي يولد في لبنان اليوم، لن يكون مُنتجاً عندما يكبر إلّا بنسبة 54% من مجمل قدرته على الإنتاج، أي إن الاقتصاد اللبناني يهدر نحو 46% من طاقته الإنتاجية المُتاحة، التي يمكن الوصول إليها في حال حصل كلّ طفل على تعليم جيّد ونما في صحّة جيّدة.
يشمل مؤشّر «رأس المال البشري» 157 بلداً، ويحتلّ لبنان المرتبة 86، أي إنه يقع في النصف الأدنى بين دول العالم، وتبلغ قيمة مؤشّره 0.54 نقطة فقط، وهي أدنى من متوسّطات سبعة بلدان عربية مُدرجة على هذا المؤشّر، وأدنى من متوسّط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (0.57 نقطة) والبلدان المتوسّطة الدخل من الشريحة العليا (0.58 نقطة) اللتين يُصنّف لبنان ضمنهما. وتشير البيانات التي نشرها البنك الدولي إلى أن قيمة مؤشّر لبنان تراجعت من 0.56 نقطة في عام 2012 إلى 0.54 نقطة في عام 2017. ما يعكس تعمّق أزمة النموذج الاقتصادي في لبنان.
تشكّل هذه الأداة إدانة جديدة لكلّ السياسات التي حكمت العالم في الخمسين سنة الأخيرة، وأعادته إلى ما يشبه الظروف التي عاشها في القرن التاسع عشر. فمؤشّر «رأس المال البشري» يخبرنا أن «نحو 56% من الأطفال في العالم، الذين يولدون اليوم، لن يُتاح لهم في المستقبل المساهمة إلا بنصف قدرتهم على الإنتاج، وأن 92% من أطفال العالم سيكبرون ليصبحوا، في أفضل الحالات، مُنتجين بأقل من 75% من قدرتهم. وعلى الرغم من أن البنك الدولي لا يخبرنا عن سبب هذه التفاوتات الكبيرة، إلّا أنه يخبرنا بصراحة تامّة أن سياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة والتقشّف والضرائب المنخفضة على الدخل وتدمير «دولة الرعاية الاجتماعية» وتخفيض الاستثمار في تعميم التعليم الجيّد والتغطية الصحّية الشاملة... كلّها عوامل حرمت الرأسمالية نفسها، وهي محور اهتمام البنك الدولي، من استغلال كامل قوّة العمل المُتاحة. فالناس، في ظلّ التطوّر الرأسمالي، بات مُتاحاً لهم أن يعيشوا عمراً أطول وينتجوا كمّية أكبر في الاقتصاد وبالتالي قدراً أعلى من الثروة والرفاهية، ولكن بشرط أن يتمكّنوا من الوصول إلى فرص التعليم الجيّد الذي يؤهّلهم لبيع قوّة عملهم في السوق في وظائف جديدة مرتفعة الإنتاجية، وإذا تمكّنوا من العيش في صحّة جيّدة تسمح لهم بالمحافظة على إنتاجيتهم المرتفعة لأطول مدّة زمنية ممكنة. وهما شرطان غير ممكنين في ظلّ «ديكتاتورية السوق الحرّة»، التي تلقي على الفرد وحده مسؤولية توفيرهما، وتعفي الدولة من هذه المسؤولية.