عندما حطّت الطائرة على مطار بالي في إندونيسيا، أدركت أن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين لن تكون مثل الاجتماعات التي تُعقد في مقرّ المؤسّستين في واشنطن. فما إن خرجت من الطائرة حتّى اكتشفت أن هناك مساراً مُخصّصاً للمشاركين وحدهم، منفصلاً عن مسار الزوّار العاديين. هناك استقبلني رجال ونساء بأزيائهم التقليدية، وأرشدوني إلى المسار الخاصّ، حيث لا توجد زحمة لختم جواز السفر، وفي غضون 5 دقائق تقريباً كنت قد خرجت من المطار.

هذه المرّة الثالثة التي أشارك في اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين، كواحد من الممثّلين عن المجتمع المدني. في المرّتين السابقتين كانت الاجتماعات منعقدة في واشنطن، حيث التجربة مختلفة بشكل راديكالي، فلا مسار خاصّاً ولا ترحيب مميّزاً ولا إجراءات أمنية استثنائية. في واشنطن تستمرّ الحياة عادية، أمّا في بالي فالاجتماعات تضحي حدثاً استثنائياً وكلّ الإجراءات المتعلّقة بها استثنائية أيضاً.
يعقد الصندوق والبنك اجتماعات دورية مشتركة في الربيع والخريف. تُعقد اجتماعات الربيع في مقرّي المؤسّستين في واشنطن حصراً، أمّا الاجتماعات السنوية في الخريف، فقد جرت العادة أن تُعقد في واشنطن سنتين متتاليتين وفي أحد البلدان الأعضاء في السنة الثالثة. وكان دور بالي هذه السنة.

دروب التطبيع
منذ اللحظة الأولى، يضعك المسار المُخصّص للمشاركين في اجتماعات بالي على درب التطبيع مع هاتين المؤسّستين الدوليتين، المتهمتين بأنّهما وراء شقاء الكثير من البشر ومنهم الإندونسيون أنفسهم. فقد أدّت الانتقادات القاسية الموجّهة إليهما في البلدان النامية، ولا سيّما في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، إلى بذل مساع حثيثة لإصلاح صورتهما. وبدأ الصندوق والبنك منذ 15 عاماً بدعوة منظّمات غير حكومية من أنحاء مختلفة من العالم لحضور اجتماعات الربيع والاجتماعات السنوية، من أجل الحوار والتأثير على السياسات. ولكن حضور هذه المنظّمات اتخذ طابعاً استيعابياً، تطويعياً وتطبيعياً، فالصندوق والبنك يموّلان مثلاً حضور ممثّلين عن «المجتمع المدني» في بلدان نامية عدّة، من أجل تعريفهم عن كثب إلى الصندوق وسياساته وموظّفيه، وهما يريدان بذلك أن يعطيا الانطباع أنهما يستمعان إلى هواجس هؤلاء من أجل تحسين تدخلاتهما في البلدان الضعيفة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

في بالي تكتشف المتباينة التالية: فعندما ينتقد الصندوق والبنك الأوضاع القائمة في بلدك، ويحمّلان الحكومة مسؤولية الفشل، تجد نفسك، كممثّل للمجتمع المدني، في الخندق نفسه معهما، مُستاءً مثلهما من الفساد واللامساوة وهدر الفرص.
يأتي انعقاد الاجتماعات السنوية خارج واشنطن مرّة كلّ ثلاث سنوات في السياق نفسه، على الرغم من أنه تقليد أقدم، بدأ اتباعه منذ عام 1947، ويهدف أيضاً إلى إعطاء الانطباع أن الصندوق والبنك يصغيان إلى الجميع، وبالتالي يبنيان وهم «المشاركة».
هذه العملية التطويعية تترسّخ في تجربة المشاركة في الاجتماعات بأكملها، بدءاً من هبوط الطائرة حتى آخر يوم لانعقادها. فواشنطن، تصل إليها كأيّ مسافر عادي، تقف لساعات بين حشود القادمين إلى الولايات المتّحدة، وتنتظر دورك للوصول إلى أمن المطار والسماح لك بالدخول إلى الأراضي الأميركية بسلام ومن دون أي تعقيدات أو تفتيش معمّق. في واشنطن، تنعقد الاجتماعات في مكاتب الصندوق والبنك، الواقعة في أحد الشوارع الرئيسية في المدينة. ولا توجد أي إجراءات أمنية غير اعتيادية، فلا طرقات تُقفل ولا مناطق، فقط بعض التشديد الأمني عند مداخل المباني للتأكّد أنّ من يدخلها هو من المشاركين المسجّلين مُسبقاً، وفي هذه الأثناء تستمرّ حياة سكّان المدينة بشكل طبيعي، وكذلك الحاضرين في الاجتماعات. تخرج قليلاً لتشرب القهوة في مقهى قريب أو تتناول الغداء في أحد المطاعم الموجودة في المنطقة. اجتماعات واشنطن تبدو كأي اجتماع، حتّى تكاد تنسى أنك في حضرة أهم مؤسّستين ماليتين عالميتين، تملكان تأثيراً هائلاً على عيش البشر ومصائرهم.
منذ أكثر من 4 عقود، لم يتوقّف الصندوق والبنك عن فرض برامج الخصخصة والتقشّف والتحرير الاقتصادي على البلدان النامية، ما تسبّب بانهيار اقتصادات بأكملها. ولكن في هذه الاجتماعات تتمظهر هاتان المؤسّستان بمجموعة أفراد تجتمع بهم، توجّه إليهم الملاحظات لكن بلطف، ويتسنّى لك فتح أحاديث جانبية معهم عن الطقس وأوضاع المنطقة وتتبادلون النكات. تنتهي الاجتماعات في واشنطن ويكون الجميع قد أدّوا أدوارهم: موظّفو الصندوق والبنك يتظاهرون بأنهم استمعوا إلى هواجس المجتمع المدني، ونحن كممثّلين عن المنظّمات غير الحكومية نتظاهر بالتأثير على سياسات المؤسّسات المالية الدولية. ولكن اجتماعات جزيرة بالي كانت مختلفة، كانت تذكيراً بأن لا شيء طبيعياً وعادياً في هذه الاجتماعات.

قطع لسان الجزيرة
امتلأت الجزيرة بيافطات الترحيب بالمشاركين، بجميع اللغات: الإنكليزية والفرنسية والصينية والعربية وغيرها. وتمّ إغلاق منطقة اسمها «نوسا دوا»، وهي لسان على الجزيرة، يسهُل تطويقها وحصر الدخول إليها، وهي أيضاً بمثابة تجمّع كبير لأفخر الفنادق في بالي، وفيها مصرف ومستشفى ولا داعي للخروج منها إلى حيث يعيش سكّان الجزيرة.
على عكس واشنطن، حيث يوجد رجال الأمن فقط أمام مداخل مباني الصندوق والبنك، تولّى الجيش حراسة منطقة الاجتماعات في بالي، وهو تولّى الأمن على المداخل ولم يسمح بالدخول إلّا لمن لديه شارة الاجتماع، كما أن هناك شركة تاكسي واحدة مُصرّح لها بالدخول إلى منطقة الاجتماعات. فكانت هذه المنطقة صورة عن العالم الذي ساهم الصندوق والبنك في صنعه، عالم مخصخص ومغلق، ينعم به الأغنياء ويحيطون أنفسهم بالأسوار، في حين تعيش الغالبية وسط التلوث وتردّي الخدمات الأساسية والبنية التحتية وتعمل في أنشطة غير نظامية ذات قيمة مضافة متدنية، كما هو حال أكثرية سكّان بالي التي تعتاش من السياحة والخدمات الموجّهة إلى السيّاح. كان مفاجئاً لي رؤية هذا الكمّ من الناس المسخّرين لخدمة المشاركين في اجتماعات بالي، على عكس واشنطن، حيث يقف شخصان فقط عند مدخل كلّ مبنى لإرشاد المشاركين. في بالي، كان هناك موظفون عدّة من الحكومة على الطرقات بين الفنادق لإرشادنا إلى الطريق التي يجب سلوكها، وداخل الفنادق يستقبلك على الأقلّ 10 نساء ورجال بالزي التقليدي، لا لشيء بل فقط للابتسام لك واستقبالك بانحناءة، وبين قاعات الاجتماعات هناك من يأتي ليطمئن عليك ويسألك إذا احتجت لأي شيء. وبين الفنادق أقامت الحكومة صالات عرض لتسويق إندونيسيا شبيهة بتلك التي تبيع السيّارات، فهناك تتعرّف إلى النمو التي تشهده إندونيسيا والقطاعات الاقتصادية كالعقارات والسياحة والصناعة، كما أنك تمرّ بمسرح كبير حيث هناك عروض رقص وغناء متواصلة وبجانبها أزياء تقليدية للبيع. يذكّرك كل ذلك أنك لست مشاركاً في اجتماع عادي، بل في مهرجان تسويقي كبير، بحجّة تمويل التنمية المستدامة وأهدافها الـ17. في بالي، ترسم صورة كاريكاتورية أوضح لكيفية تسخير بلدان الجنوب في خدمة الاستثمارات الأجنبية واسترضاء المؤسّسات المالية الدولية وتحويل كلّ شيء إلى سلعة، وخصوصاً الخصائص الثقافية التي تُستخدم لاستخراج الريع وفق دايفيد هارفي.

خرجنا عن النص قليلاً
سمح انعقاد الاجتماعات في إندونيسيا هذه السنة بمشاركة كثيفة لمنظّمات غير حكومية من جنوب آسيا وآسيا الشرقية، التي لا تستطيع عادة الحضور إلى واشنطن للمشاركة، نظراً إلى ارتفاع الكلفة. في اجتماعات واشنطن تكون مشاركة المنظّمات غير الحكومية الأوروبية والأميركية هي الطاغية. والولايات المتّحدة، التي تستضيف مقرّي المؤسّستين وتؤثّر بشكل كبير على سياساتهما، ليست ضحية من ضحاياهما، كما هو حال غالبية بلدان الجنوب. وإندونيسيا هي من إحدى ضحايا الصندوق والبنك الدوليين. لذلك كان متوقّعاً أن تسعى المنظّمات الشعبية اليسارية الإندونيسية إلى استغلال مناسبة انعقاد هذه الاجتماعات لتنظيم تحرّك مناهض، فتمّت الدعوة إلى مؤتمر تحت عنوان «مؤتمر الشعب العالمي ضدّ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي»، ودُعينا إليه كممثّلين عن منظّمات غير حكومية مشاركين في الاجتماعات السنوية. حين وصلنا إلى مكان انعقاد المؤتمر، فوجئنا بالمنظّمين يُعلموننا أن الشرطة طلبت من إدارة الفندق عدم السماح بعقده. فانعقد اجتماع سريع للبحث في الردّ، حضرته منظّمات من بلدان الجنوب والشمال. تداولنا في مضمون البيان الذي يجب تلاوته وضرورة الاعتصام في منطقة انعقاد الاجتماعات السنوية للمخوّلين بالدخول إليها. وشدّد زملاؤنا الأوروبيون على ضرورة أن يكون البيان شديد اللهجة تجاه الصندوق والبنك وتحميلهما مسؤولية هذا القمع الذي يحصل بحجّة حماية اجتماعاتهما. ووفق ما تقرّر في هذا الاجتماع، نفّذنا اعتصاماً داخل الفندق الرسمي في الساعة 12 ونصف، ولكنّنا لم نجد زملاءنا الأوروبيين الذين طالبوا ببيان شديد اللهجة، كنا مجموعة من ممثّلي المجتمع المدني من آسيا وأفريقيا. فكان ذلك تذكيراً أيضاً، بأنّنا في حضرة مؤسّستين نجحتا في فرض شكل الاحتجاج الذي يناسبهما، أي حصره في أطر الحوار وورش العمل التي يدعون منظّمات المجتمع المدني إليها.
في اجتماع بالي، خرجنا قليلًا عن النصّ، كان ذلك بمثابة تشويش صغير أو وقت مقتطع، بعدها عاد الجميع إلى دوره: وفق صندوق النقد الدولي، نحتاج إلى 520 مليار دولار من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة في 49 بلداً ذات دخل متدنٍّ، كيف نؤمّن هذا المبلغ؟