إن سياسة ربط القطاع العقاري بالقطاع المالي منذ نهاية الحرب اللبنانية، والتي واكبت مرحلة إعادة الإعمار وما تخلّلها من فورات مُتتالية في قطاع البناء وتجارة العقارات، أدّت إلى تحويل العقار إلى سلعة يتمّ تبادلها والمضاربة بها بعيداً من قيمته الاجتماعية ودروه في تأمين المساكن. وبالتوازي مع ذلك، أدّى حصر حقّ السكن بالتملّك، ومن خلال الرهن العقاري بعد إلغاء وزارة الإسكان والتعاونيات وإلغاء قانون الإيجارات القديم، إلى القضاء على كلّ السبل التي تسمح بسكن ذوي الدخل المحدود والمتدنّي في بيروت الكبرى، وبالتالي تحوّل السكن من كونه حقّاً إلى امتياز وترف. في رسالة الدكتوراه التي أعدّها الباحث والمخطّط المديني برونو مارو عن القطاع العقاري في لبنان، يستعرض في أحد الفصول التداعيات الاجتماعية الناجمة عن هذه السياسة من خلال استعراض أعداد المستفيدين من القروض السكنية والشرائح التي ينتمون إليها فضلاً عن رسم صورة لـ«مجتمع الإيجار» في لبنان.


في عام 2015، بلغت قيمة القروض السكنية التي تقرضها المصارف التجارية للشريحة العليا من الطبقة الوسطى، نحو 6.5 مليار دولار، استفاد منها نحو 47.082 فرداً، بمعدّل 138 ألف دولار للقرض الواحد. نحو 45% منهم اشتروا منازل في بيروت واستحوذوا على 64.4% من مجمل قيمة هذه القروض التي بلغت الفوائد عليها نحو 4.2% بعد أن كانت تتراوح بين 11 و13% في عام 2000، أي قبل أن يصبح فرق الفائدة مدعوماً من مصرف لبنان، ما أتاح للمصارف المحافظة على ربحيّتها وتوسيع دائرة زبائنها عبر إتاحة هذه القروض للطبقات الوسطى.
أمّا قيمة القروض التي منحتها المؤسّسة العامّة للإسكان فقد بلغت نحو 3.2 مليار دولار، أي نحو نصف قيمة القروض عبر المصارف التجارية، على الرغم من أن «المؤسّسة» تستحوذ على نصف السوق لناحية العدد. استفاد من هذه القروض نحو 50.857 فرداً معظمهم من الطبقة الوسطى، بمعدّل 126 ألف دولار للقرض الواحد، وهو ارتفع بنسبة 138% بالمقارنة مع معدّل القرض الواحد في أواخر التسعينيات (53 ألف دولار). علماً أن نحو 47.4% من هؤلاء اشتروا في بيروت وحصلوا على 28.6% من قيمة القروض.
إلى ذلك، أقرض مصرف الإسكان بقيمة 946 مليون دولار واستفاد من قروضه أقلّ من 7000 فرد، بمعدّل 119 ألف دولار. نحو 11% منهم اشتروا منازل في بيروت واستحوذوا على 14% من قيمة القروض، فيما 72% من المستفيدين اشتروا في جبل لبنان. وعلى الرغم من أن مصرف الإسكان يستحوذ على 12% من مجمل السوق، وقروضه غالباً ما تخصّص للطبقة الوسطى، إلّا أنه في عام 2017، خصّص 53% من قيمة القروض إلى المغتربين.
تدلّ هذه اللوحة الرقمية إلى أن مجمل القروض السكنية استفادت منها الطبقة الوسطى والأغنياء في سوق بيروت الكبرى. فعلى سبيل المثال يشترط مصرف الإسكان أن يكون الحدّ الأدنى للدخل الشهري للمقترض ألفي دولار، أي أكثر من 4 مرّات الحدّ الأدنى للأجور، فيما تدلّ البيانات المقدّمة إلى أن رواتب المقترضين من المؤسّسة العامّة للإسكان لا تقلّ عن 4.500 دولار. وهو ما يعني أن ذوي الدخل المنخفض والفقراء كانوا خارج المعادلة.
وفقاً للبنك الدولي، 47% من اللبنانيين فقط لديهم حسابات مصرفية، و27% من الـ40% الأكثر فقراً فقط لديهم حسابات مصرفية، وهذا يعني أن شخصاً من بين كلّ شخصين لا يستطيع الاقتراض لتملّك مسكنه، وبالإضافة إلى ذلك، تبيّن الإحصاءات التي يوردها الباحث أن 42% من العمّال النظاميين لا يوجد لديهم الدخل الكافي والدائم للحصول على القرض، كما أن العمّال اللانظاميين هم بحكم الواقع خارج المعادلة مُسبقاً، وبالتالي يلجأ كل هؤلاء إلى الإيجار للسكن. إلّا أن سوق الإيجارات غير المنظّمة تشكّل عبئاً على الأسر، ففي 2012 استحوذ السكن على 28.5% من دخل الأسرة على الصعيد الوطني و36% في بيروت، كون 66% من البالغين يتقاضون رواتب أقلّ من 10 آلاف دولار سنوياً، و81.5% من العمّال يحصلون على أقل من 20 ألف دولار سنوياً.
هذه السوق غير المنظّمة تُشجّع، بطريقة غير مباشرة، على التملّك من خلال الرهن العقاري، على الرغم من أعبائه المرتفعة ومخاطره على الأسر الفقيرة، بدليل أن سوق الإيجار تراجع بين عامي 1970 و2014، من 48% على الصعيد الوطني و77% في بيروت، إلى 23% على الصعيد الوطني و49% في بيروت.