على مدار الـ25 عاماً الماضية، شهدت بيروت عملية توسّع مكثّفة تخطّت إعادة إعمار وسطها المثيرة للجدل بعد الحرب. ويعدُّ انتشار الأبراج السكنية ونمو البلوكات العمرانية، وتضخّم أسعار العقارات، ودعم برامج القروض الإسكانية، من المظاهر الأكثر وضوحاً على هذا التوسّع. أمّا التفسير العملي لهذه الفورة العمرانية في بيروت الكبرى، حيث يتكدّس أكثر من نصف المقيمين في لبنان (55%)، فيرتبط مباشرةً بشبكة من رؤوس الأموال المحلّية والدولية، جذبتها سياسة الفوائد المُرتفعة على الإيداعات المصرفية وسندات الدين، والضرائب المُنخفضة على أرباح القطاعات الريعية (الإيداع المصرفي والعقارات) وعوائدها، التي كانت تهدف إلى تحقيق النمو ودعم الاستقرار المالي والنقدي في مرحلة ما بعد الحرب، فساهمت بتناسل الرأسمالية اللبنانية، التي نمت وتراكمت أرباحها عبر ربط الملكية العقارية بالقطاع المالي، وتحوّلت بحكم دورها إلى رأسمالية أكثر ريعية، وبالتالي أكثر خطورة على الاستقرار الهشّ، الذي باتت تتحكّم به القرارات الاقتصادية للأفراد والشركات الفاعلة في هذين القطاعين.


هذه هي الخلاصات التي توصلت إليها رسالة دكتوراه تحت عنوان «تطوير بيروت ما بعد الحرب 1990-2016: الاقتصاد السياسي لربط سعر التوسّع المديني»، أعدّها الباحث والمخطّط المديني برونو مارو من جامعة ماكجيل في مونتريال، وقدّمها الأسبوع الماضي في ندوة بمعهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت.
يناقش هذا البحث آليات تشكّل التنظيم المديني في بيروت الكبرى بعد انتهاء الحرب اللبنانية، فينطلق من إعادة تشكيل النظام الاقتصادي المالي خلال تلك الفترة والهادف إلى استعادة الدور الذي أدّاه قبل الحرب كمركز مالي وخدماتي في المنطقة، وتطوّر القطاع العقاري فيه وترابطه بالقطاع المالي نتيجة دوره في جذب التدفقات المالية ودعم ميزان المدفوعات، بما حرفه عن دوره الرئيسي في توفير المسكن، إلى سلعة يجري تبادلها، وصولاً إلى التداعيات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن هذا الربط ومساهمته في مراكمة رأس المال وزيادة حدّة اللامساواة في المجتمع اللبناني.

العقار في نظام ما بعد الحرب
الاستثمار العقاري موجود في لبنان منذ أكثر من 150 عاماً، إلّا أن فترة إعادة الإعمار وما تلاها، كانت مرحلة مواتية لازدهار الاستثمار في هذا القطاع، ورُبط نموّ أرباح العقارات بنمو مماثل في القطاع المصرفي، وكان الهدف ضمان ثبات سعر الصرف ودفع النمو الاقتصادي بما يضمن التراكم المستقرّ للرأسمالية المحلّية.
وفق النتائج التي توصّل إليها البحث «تضخّمت أسعار العقارات نحو 3 مرّات بين عامي 2003 و2013، وارتفعت الأرباح المصرفية نحو مرّتين، وارتفعت حصّة العقارات والبناء من الناتج المحلّي الإجمالي من 13.3% قبل الحرب إلى 21% في عام 2014. وسجّلت أصول المصارف المجمّعة المعدّل الأعلى في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال العقد الأول من الألفية الثانية».

200%

هي نسبة ارتفاع أسعار العقارات بين عامي 2000 و2014 في مقابل ارتفاع حصّة الفرد من الناتج القومي بنحو 85%


وبالتوازي مع ارتفاع حصّة العقارات في الاقتصاد المحلّي وتنامي أرباحه وأرباح القطاع المصرفي، تزايدت حدّة اللامساواة في توزيع الثروة، وارتفعت مديونية الأسر والأفراد، بحيث «حلّ لبنان في المرتبة 129 من بين 141 بلداً لناحية اللامساواة في توزيع الدخل في القطاع الخاصّ وفقاً للـUNDP، وباتت فئة الـ10% الأكثر ثراءً، بين عامي 2005 و2014، تستحوذ على 70% من إجمالي الثروة الوطنية (بغالبيتها ملكية عقارية) و55% من الدخل الوطني وفقاً للباحثة ليديا أسود.
أمّا العائد على رأس المال، فعاد إلى مستويات عام 1950، أي نحو 59% من الناتج المحلّي بعد أن سجّل انخفاضاً في بداية 1997 وصل إلى 41%. فيما تراجع عائد العمل إلى مستويات عام 1950 عندما كان يستحوذ على 35% من الناتج المحلّي، وذلك بعد أن ارتفع إلى 46% في 1997 وفقاً لدراسات توفيق كسبار وحسابات مارو.
وأيضاً ارتفعت قيمة القروض السكنية 10 مرّات وزاد عدد المقترضين 4 مرّات بين عامي 2005 و2015 وفقاً لإحصاءات المصرف المركزي، وباتت قروض القطاع الخاصّ المقيم تشكّل 116% من الناتج المحلّي ونحو ربع مجمل الأصول المصرفية في 2016، كذلك ارتفع الدين الخاصّ لكلّ بالغ من 6.653 دولارات إلى 13.987 دولاراً بين عامي 2000 و2016.
وأكثر من ذلك، لم يعد هناك توازٍ بين سعر العقار والدخل المحلّي خلال العقدين المنصريين، ففيما لم تطرأ تصحيحات جذرية على الأجور، استمرّت أسعار العقارات بالارتفاع، وبين عامي 2000 و2014، ارتفعت حصّة الفرد من الناتج القومي بنحو 85% في مقابل ارتفاع أسعار العقارات بنسبة 200%، أي أكثر من مرّتين».

الجميع يريد البناء
يشرح مارو هذه النتائج عبر سرد المراحل التي مرّت بها آلية الاستثمار بالعقارات وترابطها مع القطاع المالي، ويشير إلى أن «الجميع كان يريد البناء؛ المطوّرون التقليديون في فترة ما قبل الحرب، والمستثمرون المغتربون، والهواة الجدد، الكلّ كان يسعى لركوب موجة النشاط العقاري الذي انطلقت شرارته مع عملية إعادة إعمار وسط بيروت من قبل شركة عقارية خاصّة (سوليدير)». ووفقاً للبحث، «عزّزت مرحلة إعادة الإعمار ثقة المغتربين المدفوعين بالحنين إلى الوطن الأمّ، والمستثمرين غير المقيمين، وتحديداً رأس المال الخليجي الساعي إلى تنويع محفظة استثماراته خارج القطاع النفطي، كذلك فإن الإجراءات التي اتخذتها حكومة رفيق الحريري ومصرف لبنان، القاضية بتثبيت سعر الصرف، ورفع العوائد على الودائع المصرفية وسندات الخزينة، التي وصلت إلى 48%، وخفض الضرائب على العقارات وتقليل مخاطره، جذبت هؤلاء نحو الاستثمار فيه، بحيث بلغ مجمل التدفّقات المالية بين عامي 1993 و1997 نحو 25 مليار دولار. ثمّ ساهم ارتفاع أسعار النفط بين 2004 و2010 بارتفاع مصادر تمويل العرض والطلب في القطاع العقاري، في العقد الأوّل من الألفية الثانية، مدفوعاً بارتفاع التحويلات من 5.5 مليارات إلى 7 مليارات دولار، وارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر من 2 إلى 4.8 مليارات بين عامي 2004 و2010».
في الواقع، مرّ القطاع العقاري خلال العقدين المنصرمين بمراحل عدّة حصل خلالها على كلّ الدعم والتحفيزات لتأمين ثبات تطوّره. إن جاذبية هذا القطاع بالنسبة إلى التحويلات والتدفّقات المالية الضرورية لتأمين الاستقرار النقدي والمالي وسدّ العجوزات، كان له دور رئيسي في تركّز النشاط فيه وتحوّل اهتمام رأس المال نحوه. أمّا أبرز تلك المراحل، فهي:
مرحلة 2002-2004 التي سُبقت بركود أسعار النفط عند 20 دولاراً، ما سبّب عجزاً في ميزان المدفوعات وصدمة ثقة في الاقتصاد المحلّي أدّت إلى انعقاد «باريس 2»، الذي حصل بموجبه لبنان على مساعدات وقروض مشروطة بسلسلة إجراءات، من ضمنها خفض الفوائد على سندات الخزينة والودائع المصرفية التي انخفضت إلى 10% مباشرة بعد المؤتمر، وهو ما أدّى إلى تحوّل جزء كبير من التدفّقات المالية والاستثمارات إلى القطاع العقاري الذي حظي بالمحفّزات.
مرحلة 2004-2008 التي شهدت حرب تموز ومعاودة ارتفاع أسعار النفط، وخلالها ارتفعت التدفّقات المالية التي أدّت إلى زيادة أسعار العقارات وتضخّمها بنحو مرّتين ونصف مرّة من 1400 دولار إلى 3400 دولار للمتر الواحد في بيروت.
مرحلة 2008-2010 التي تزامنت مع الأزمة العالمية وهروب الودائع نحو البلدان الناشئة واستمرار ارتفاع أسعار النفط وتدفق تحويلات المغتربين، فتحقق فائض في ميزان المدفوعات وزيادة في السيولة، بحيث بلغ مخزون رأس المال نحو 110 مليارات دولار دون أن يكون الاقتصاد قادراً على امتصاصه (الناتج المحلّي بلغ 38 مليار دولار)، فجرى تصريف السيولة بتشجيع القروض إلى القطاع الخاصّ، وخصوصاً القروض السكنية.
مرحلة 2010-2014 التي بدأت مع الحرب السورية وتراجعت خلالها أسعار النفط والاستثمارات والتحويلات، وبدأ ميزان المدفوعات يسجّل عجوزات متتالية، لكن مع محافظة أسعار العقارات على مستوياتها العالية نتيجة دعم القطاع من خلال دعم الطلب عبر القروض السكنية وقروض البناء.

هكذا رُبط العقار بالقطاع المالي؟
على الرغم من الظروف الخارجية التي ساعدت في نمو القطاع العقاري في لبنان، إلّا أنه حظي بالتوازي على الكثير من المحفّزات، وفقاً للبحث، فشهد أكبر فورة له في التاريخ اللبناني الحديث، وساهم بخلق فئة جديدة من المستثمرين العقاريين، من ضمنهم زعماء الحرب وأعضاء الطبقة الحاكمة أو المرتبطين بهم وعدد من المغتربين والمستثمرين غير المقيمين والبرجوازية اللبنانية والمصارف التجارية. وبالتالي، وجّه الاستثمار نحو هذا القطاع وربط تطوّره بتطوّر القطاع المالي، عبر سلسلة من القوانين التي شجّعت العمران، والتدخّلات النقدية التي حفّزت القروض السكنية وقروض البناء. لقد ولّدت السياسات العامة محفّزات أثّرت في الاستراتيجيات والقرارات للمقيمين وغير المقيمين المعنيين في القطاع.
في القانون: بموجب التعديلات التي طرأت على قانون البناء ومعدّلات الاستثمار، باتت كلّ الأراضي قابلة للبناء، باستثناء القليل من المناطق المنظّمة والخاضعة لمخطّطات توجيهية سابقة.
في الضرائب: خلال ربع القرن الماضي، وضعت الدولة اللبنانية أدنى المعدّلات الضريبية كجزءٍ من استراتيجية ما بعد الحرب لتعزيز التدفقات المالية وجذب الأعمال، وبات لبنان مصنَّفاً كإحدى الجنّات الضريبية للمطوّرين والمستثمرين العقاريين، إذ أعفيت العقارات من الضرائب على الملكية والأرباح وضريبة القيمة المضافة وضريبة الأرباح الرأسمالية، فضلاً عن تدني معدّلات رسوم التسجيل العقاري التي نادراً ما كانت تطبّق. أمّا بالنسبة إلى الشركات العقارية، فقد بلغت ضريبة الأرباح 5% (10% في القطاعات الأخرى) وضريبة توزيع حصص الأسهم 10% (15% للقطاعات الأخرى)، وأُعفي المستثمرون في هذا القطاع من ضريبة الدخل لدعم صناعة البناء. وبالإضافة إلى ذلك، ساهمت الشركات المساهمة بالتهرّب من دفع ضريبة الأرباح لعدم القدرة على معرفة هوية مالكيها، فضلاً عن التهرّب من رسم التسجيل العقاري، لكون الحيازات باتت تجري من خلال بيع الأسهم لا الأصول.
في التدخلات النقدية: استهدف مصرف لبنان القطاع العقاري بمجموعة من القرارات التي أثرت بالنشاط وأسعار العقارات. ففي السنوات الأخيرة، بلغ إجمالي الودائع 155 مليار دولار أميركي، وهي دون قدرة الاقتصاد المحلي على امتصاصها، خصوصاً أن الناتج المحلي لم يتخطَّ الـ50 مليار دولار. ولمساعدة المصارف على خلق فرص جديدة للرسملة، صمّم المصرف المركزي أشكالاً متطوّرة من الحوافز، مثل القروض المدعومة، والسماح باستعمال الاحتياطي الإلزامي، وهو ما أدّى إلى زيادة القروض للقطاع الخاص، وخصوصاً القروض السكنية، وللطبقة الوسطى التي تجد في العقار ضمانة أمام تقلّبات النقد والاقتصاد.
أدوات الدولة: استعملت الدولة أدوات لتصميم شكل السوق العقارية، فألغت وزارة الإسكان والتعاونيات في نهاية التسعينيات واستبدلت بها المؤسسة العامّة للإسكان، وخصّصت مصرف الإسكان، هما أدّيا دوراً في تمويل السكن عبر الاقتراض والرهن العقاري. وأيضاً في عام 2014، أقرّ البرلمان قانون الإيجارات الجديد الذي ألغى القانون القديم الذي حدّد بدلات الإيجارات وسمح منذ عام 1940 بسكن ذوي الدخل المحدود في بيروت الكبرى، وذلك تمهيداً لتحرير بدلات الإيجارات تدريجاً.


إرث قديم ومتجدّد
تحتلّ الملكية العقارية موقعاً متقدّماً في مراكمة الثروة الشخصية في لبنان منذ أكثر من قرن، وضمنت السمة الريعية للاقتصاد اللبناني تاريخياً طلباً عالياً على العقار من المغتربين الأثرياء، وهي ثابتةٌ في الاقتصاد اللبناني، ومن الرأسماليين الأجانب، وخصوصاً العرب منذ فترة ما بعد الاستقلال، ومن البورجوازية المحلّية الساعية وراء مصادر رأس المال ولكون العقار رمزاً للمكانة الاجتماعية. استحوذت العقارات والبناء بين عامي 1964 و1972 على 64% من مجمل الاستثمارات الخاصة في لبنان. وعشية الحرب الأهلية، نحو 70% من الشقق الفارغة في بيروت كانت مبنية بعد عام 1945، وكان هناك نحو 50 ألف شقة فخمة في العاصمة، فيما غالبية المقيمين في لبنان تعيش في منازل بظروف سيئة وخطيرة. وحتى خلال الحرب بقيت الحركة العمرانية ثابتة لتأمين سكن المسلّحين والمتحاربين والنازحين هرباً من المعارك والمجازر، وكانت هذه الحركة تغذّى من التدفقات والتحويلات الخارجية، وبُنيت في تلك المرحلة الكثير من الفنادق والمولات والمناطق المعزولة (غيتوهات) على الأراضي العامّة بدعم وتمويل وحماية من الميليشيات. يبيّن هذا السرد التاريخي أن تركّز الثروة في الملكية العقارية ليس جديداً. لكن التطوّر الأبرز كان بين عقدي التسعينيات والألفين، حين اكتسب العقار موقعاً استراتيجياً في التنمية المحلّية وفي دعم ميزان المدفوعات، وبات الاعتماد عليه متزايداً من الرأسمالية اللبنانية الريعية كشكل من أشكال تراكم الثروة التي يقودها التمويل.

المعدّلات الأعلى
تستحوذ العقارات في لبنان على المعدّل الأكبر من الناتج المحلي مقارنةً بالدول التي تتبع النموذج نفسه، أي الاستثمار في القطاع العقاري لدفع النمو بالاستهلاك. في الإمارات، شكّلت حصّة العقارات والبناء من الناتج المحلي نحو 19.3% في عام 2013، ونحو 16% في هونغ كونغ و15% في تركيا، أمّا في لبنان، فقد بلغت 21%. في المقابل، خلق قطاع البناء في لبنان ما بين 4-6% من القيمة المضافة في الناتج المحلي، وعلى الرغم من أنه معدّل أقل من المعدّل المُسجّل في الإمارات ودول مجلس التعاون الاقتصادي والتنمية، إلّا أنه أعلى بكثير من المعدّلات المسجّلة في مصر وهونغ كونغ والأردن وسنغافورة وتركيا.