حذّر توماس بالي في مقالة أخيرة له وورقة عمل مرتبطة بها، من الخطيئة الريكاردية لتجاهل الاعتبارات السياسية ـــ الاقتصادية عند تقديم مقترحات حول سياسات مختلفة، مع إعطاء هامش ضيّق من التركيز على التحليل الاقتصادي. ففي إطار السجال حول البرنامج الحكومي لتوظيف الجميع (أو برنامج تأمين الوظائف)، هناك خطيئة يقع فيها معظم الاقتصاديين الذين يعتبرون أنفسهم خارجين عن الإجماع، وترتكب هذه الخطيئة في النقاشات الدائرة حول برنامج صاحب العمل الأخير (أو برنامج ضمان العمل)، حيث يسقط الاقتصاديون الذين يصنّفون أنفسهم بغير التقليديين.

وكما يُظهر بالي، لدى وضع تصوّر لبرنامج حكومي واسع النطاق لتوظيف كلّ الراغبين بالعمل بالحدّ الأدنى للأجور، على المرء أن يأخذ على الأقلّ العقبات السياسية الآتية في الاعتبار:
ـــ تأثير سلبي مُحتمل على عمّال القطاع العامّ وموظّفيه ونقاباتهم. إذ نظراً إلى كون الأشخاص الموظّفين بموجب برنامج تأمين الوظائف سيكسبون أجراً مُتدنياً بما يكفي لعدم تشجيع عمّال آخرين على مغادرة القطاع الخاصّ، ثمّة خطر من أن ينتهي الأمر بموظّفي القطاع العامّ العاديين وموظّفي البرنامج، بالقيام بنشاطات مشابهة، ولكن بأجور مختلفة تماماً. وهو ما يرجّح أن يفرض ضغطاً كبيراً وبمفعول تخفيضي على أجور الموظّفين الحكوميين.
ـــ خطر تقويض الحقّ في الرفاه والحصول عليه إذا كان مشروطاً بقبول وظيفة عبر برنامج تأمين الوظائف (إذ بات الأمر مشروطاً، وبشكل متزايد، بالبحث النشط عن وظيفة في القطاع الخاصّ وعدم رفضها).
ـــ نزع الشرعية عن القطاع العامّ إن كان توظيف كلّ الراغبين في العمل سيؤدّي إلى تكليفهم أنشطة منخفضة الإنتاجية و/أو إذا كان «تحقيق الإنتاجية يتطلّب قدرة تنظيمية وإدارية قد لا يتمتّع بها القطاع العامّ».
ويضاف إلى هذه القيود، قيد مالي كلّي مُلزم، بحيث يخلص بالي إلى أن السياسات الجديدة (مثل الدخل الأساسي الشامل) قد تكون أكثر قابلية للتطبيق. وبالفعل، ينتهج الاقتصاديون التقدّميون، وبشكل متزايد، مبدأ المقارنة بين خطط تأمين الوظائف والدخل الأساسي الشامل. ويُعتبر موقف بالي أصلياً ومثيراً للاهتمام لأنه يوسّع الرؤيا نحو اعتبارات اقتصادية ـــ سياسية واضحة، إلى جانب النقاش النموذجي حول التأثير المترتب عن اليد العاملة المُتاحة والإيرادات الحكومية وما شابه ذلك.
عيوب «الدخل الأساسي الشامل»
ولكن لدى توسيع المنظار، لا يجب إغفال أن مخطّطات الدخل الأساسي الشامل ليست دونها تداعيات سياسية واقتصادية أيضاً.
أوّلاً، يعتمد الدخل الأساسي المدفوع نقداً على آلية السوق أكثر ممّا يعتمد على برنامج تأمين الوظائف. ووفقاً لاثنين من قادة الرأي الداعمين للدخل الأساسي الشامل، فإن «الدفاع عن دخل غير مشروط يُسدّد نقداً، من منطلق تحقيق العدالة، لا يستند مسبقاً إلى إيمان أعمى في مثالية السوق، بل ثقة كافية في أنّ الأسعار تعكس مدى قيمة السلع، أي بمعنى ربط تحديد كيفية الوصول إليها وتوزيعها بشكل عادل» (فان باريجس وفندربورت، 2017، صفحة 108). ومن المرجّح أن يشكّك كثيرون في هذا الافتراض.
ثانياً تنطوي خطط الدخل الأساسي الشامل، في الواقع، على الدرجة نفسها من التشكيك بالقطاع العامّ، والذي يخشى منه بالي لدى التفكير في برنامج تأمين الوظائف. فالافتراض المُسبق بعدم فعالية بيروقراطية القطاع العامّ هو السبب الرئيسي لاثنين من الخصائص الأساسية لمُقترح الدخل الأساسي الشامل: بأن تكون الفائدة شاملة من أجل تفادي التكاليف وعدم ملاءمة عملية التحقّق التي يجريها المسؤولون الحكوميون حول أهلية الأسر. وأن يُدفَع الدخل نقداً، لكونه أكثر فعالية من التحويلات المصرفية بما يوفّر تحوّط القطاع العامّ بالسلع والخدمات. فضلاً عن أن عدم تطبيق خطط الدخل الأساسي الشامل من الصفر (على الأقلّ في الدول الغربية)، ينطوي على خطر استبدال دولة الرفاه. وليست مصادفة أن تكون المقترحات المشابهة للدخل الأساسي الشامل قد حظيت في الماضي بدعم كبار الاقتصاديين المحافظين، لا بل حتّى الليبراليين أيضاً.
ثالثاً ثمّة خطر حقيقي بأن يفرض الدخل الأساسي الشامل ضغطاً تنازلياً على الأجور (في القطاعين العامّ والخاصّ). والدليل التاريخي على ذلك، هو على سبيل المثال «تأثير سبينهاملاند» الذي وصفه بولاني (1944)، أو المرحلة الحالية من التنافس الضريبي والإغراق الاجتماعي في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، التي تحاجج بأن الدعم العامّ المقدّم لذوي الدخل المنخفض لن يقود بالضرورة نحو إعادة التوازن إلى قدرة العمّال والموظّفين على التفاوض. وأخيراً، لا يمكن إلّا ملاحظة أنّ مخطّط الأجر الأساسي الشامل لن يحفّز العمّال على اتخاذ دور اجتماعي ناشط كما أنه سيصعّب التنظيم الجماعي.
رابعاً، وقد تكون النقطة الأهمّ. غالباً ما يستند معارضو الدخل الأساسي الشامل إلى أخلاقيات العمل بوصفها أمراً قيّماً، إلّا أنه ينطوي ضمنياً على نفور من فكرة أن للفقراء الحقّ نفسه في الترفيه كما الأغنياء. ولتأكيد هذه النقطة، أشار فان باريجس وفندربورت في مقترحهما الراديكالي (2017) إلى الصورة الملوّنة لراكب أمواج ماليبو. ولكن عملياً، من المرجّح أن تشكّل النساء المنخرطات في الأعمال المنزلية والرعاية العائلية غير المدفوعة، نسبة ملحوظة من المستفيدين من الأجر الأساسي الشامل بعد أن ينسحبوا كلّياً أو جزئياً من القوى العاملة. وفي الاقتصاد النسوي والسياسة الاجتماعية، فإنّ النقاش حول الدخل الأساسي أمر بعيد المدى ومتنازع عليه. وتكفي الإشارة هنا إلى محاججة البعض بأن فصل الدخل عن العمل في سوق العمل النظامية هو خطوة مرحّب بها نحو مجتمع أكثر عدلاً، في مقابل اعتراض آخرين على الدخل الأساسي باعتبار أنه يعزّز ويشرّع التقسيم الجندري الحالي وغير العادل للعمل.
خامساً، في ظلّ البيئة السياسية الحالية، يصعب إخراج الأمر من إطار الهجرة الدولية. ضمنياً، من المسلّم به أن أهلية الانخراط في برنامج تأمين الوظائف والدخل الأساسي الشامل ستقتصر على شريحة اجتماعية واحدة. إلّا أنّ تعريف حدود هذه الشريحة ينطوي على صعوبة كبيرة. ولكن في الحالتين، قد يكون هناك حاجة إلى تطوير حلول «إقصائية» (مثل فترات انتظار مُحدّدة بعد الوصول إلى بلد ما)، إذ إن هناك تشكيكاً بمدى تقبّل الناخبين لتوسيع نطاق الفوائد لتشمل المهاجرين وإمدادهم بدخل أساسي نقدي غير مشروط بدلاً من حدّ أدنى من الدخل لقاء الأعمال التي يؤدّونها.
في الخلاصة، إن توسيع النقاش إلى أبعد من القيود المالية والاقتصادية يُعدُّ خطوة مُرحّباً بها، لكن هذا النقاش السياسي والاقتصادي الأوسع بدأ للتوّ.
ولمنح الاعتبارات السياسية حيّزاً وأهمّية كافيين، لا بدّ من توسيع السجال أبعد من النطاق الأكاديمي، ليشمل شركاء اجتماعيين وأكبر عدد ممكن من اللاعبين. وفي سياق ديموقراطي، قد يؤدّي ذلك دوراً أساسياً لتشكيل حزب شعبي منظّم. ومن المؤسف أن الديمقراطيين الاجتماعيين المكافحين تنازلوا عن هذا الدور في دول أوروبية عدّة، وهو ربّما أحد أسباب أزمتهم الحالية.

كارلو ديبوليتي بروفيسور مساعد في العلوم الاقتصادية في جامعة سابيينزا في روما، ويشغل أيضاً منصب منسّق في مختبر مينرفا حول المساواة الجندرية والتنوّع، وهو رئيس تحرير مجلّة PSL Quarterly Review الاقتصادية.

* نُشر بترخيص من Social Europe
* ترجمة: لمياء الساحلي