«اعتمد رفيق الحريري على توصيات مدير استثماراته في الغرب، رياض سلامة، الذي وفّر المشورة له بهدوء وتحفّظ، وحافظ على استثماراته، فكان من الطبيعي أن يتوجّه الحريري نحو سلامة للمشورة حول الليرة، وكان على اقتناع بأن دور ميشال الخوري وفريقه انتهى».

مروان اسكندر ـــ المصارف المركزية في الأوقات المتقلّبة

يختزل سعر الليرة المخاوف كلّها، بفضل ما بُذل من جهود لتقديمه كشرط «إلزامي» للاستقرار، من دونه الخراب. ولكن سعر الصرف الثابت المربوط بالدولار منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، لم يكن إلّا «ماركة» لتسويق النظام النقدي الخطير، الذي نشأ في مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب، وترعرع في كنف المديونية المُتعاظمة، وترسّخ في ظلّ الأزمات المُتراكمة، وسيطر كلّياً على الاقتصاد، وعلى تعبيره المكثّف «السياسة».
في مطلع عام 1993، بعد وقت قصير من تأليف حكومة رفيق الحريري الأولى، تقدّم حاكم مصرف لبنان السابق ميشال الخوري ونوابه باستقالاتهم، قبل 3 سنوات من نهاية ولايتهم. وجرى تعيين رياض سلامة حاكماً جديداً، وهو لا يزال في موقعه منذ ربع قرن. جميع حكّام مصرف لبنان السابقين كان «القانون» هو مجالهم المهني، إلّا سلامة فقد جاء من مجال المضاربات في الأسواق المالية. فقد اختار الحريري «مدير استثماراته» في شركة «ميريل لينش» ليكون حاكماً للبنك المركزي، وكان واثقاً بأنه سينجح في مهمّته الجديدة كما نجح في السابق في حفظ ثروة الحريري الشخصية ومراكمتها بوتيرة مدهشة.
في تلك الفترة، هيمن على اللبنانيين وهمان: السلام مع إسرائيل، وإنشاء صندوق عربي لإعادة إعمار لبنان. وهيمنت أيضاً فكرة «الاستلحاق»، أي العمل بسرعة لتعويض ما فات بسبب الحرب، والاستعداد للاستفادة من «فورة السلام» الآتية على شكل استثمارات هائلة ومشاريع ضخمة وتبادلات تجارية ناشطة في الشرق الأوسط الجديد. كلّ ما جرى حينها تأسّس على هذه الفكرة، والمفارقة أن ما جرى لاحقاً وما يجري حتّى اليوم بقي محكوماً بنتائجها، ولا سيّما انفجار أزمة المديونية منذ عام 1997، بعد 5 سنوات فقط من انطلاق «مشروع الإعمار» وسقوط الوهمين المؤسّسين.
بين عامي 1993 و1994، تضاعف حجم الدين العامّ فجأة من نحو 6500 مليار ليرة إلى أكثر من 12000 مليار ليرة. وفي عام 1998 كانت نسبة الدين العامّ الحكومي قد تجاوزت مجمل الناتج المحلّي (107%) وواصلت تحليقها لتبلغ مستواها القياسي في عام 2006 (183%). والآن، يُقدّر مجموع دين الدولة (ديون الحكومة ومصرف لبنان معاً بعد إجراء المقاصّة بينهما) بأكثر من 140 مليار دولار، 90 مليار دولار منها بالعملات الأجنبية، بالمقارنة مع 300 مليون دولار فقط في عام 1992.
في غضون 10 سنوات بعد انطلاق «المشروع»، أي بين عامي 1993 و2004، كانت خدمة الدين العام الحكومي قد تجاوزت مجمل الإنفاق الاستثماري بنحو 5 مرّات، وفاق مجموعها المُتراكم كلّ الإنفاق الجاري في الموازنة على جميع وظائف الدولة، بما في ذلك الرواتب والأجور ومعاشات التقاعد وتعويضات المهجّرين ومجلس الجنوب واستيعاب الميليشيات... وكلّ ما رافق ذلك من توسّع في الإنفاق العامّ وهدر وفساد.
يُردّد سلامة في سياق تبريراته للكلفة العالية المترتبة على سياسته النقدية: ان تثبيت سعر صرف الليرة هو «قرار سياسي»، وأنه مجبر على تنفيذه. في الواقع، يوحي كلام حاكم مصرف لبنان بأنه مُدرك لفداحة الكلفة، وأنه يعي وجود بدائل وخيارات أقلّ كلفة، ولكن ليس في يده حيلة، فالمشكلة ليست عنده بل عند السياسيين، وهم لا يقومون بما يجب عليهم، ويتركونه وحيداً يواجه نتائج طيشهم وأنانيتهم من دون أن يملك غير أدواته النقدية وخبرته الواسعة كـ«مهندس مالي»، التي اكتسبها في عمله السابق (الوحيد) لدى شركة «ميريل لينش».
هذا الكلام سيبدو صحيحاً لولا تفصيل مهمّ يجري تغييبه من الصورة. فالفكرة التي هيمنت على «مشروع إعادة الإعمار» وما حصل بعد ذلك، كانت تقوم أصلاً على تحييد البنك المركزي ومنحه استقلالية واسعة وسلطة فوق السلطات (الدستورية) وتخصيصه في وظيفة شبه وحيدة لجذب التدفّقات المالية من الخارج، وتأمين عوائد مُرتفعة لتوظيف فوائض رأس المال في أدوات الدين والمضاربات العقارية والبناء والاستيراد والسياحة. كانت هذه الوسيلة الأسرع لتمويل الإنفاق العامّ وتحفيز الاستهلاك ودفع النمو الاقتصادي. بمعنى ما، لا تبدو المشكلة في أن السياسيين لا يقومون بما يجب عليهم، بقدر ما تبدو في أنهم جيّروا مهمّة مواجهتها منذ البداية لحاكم مصرف لبنان، وتركوه يبني نظاماً نقدياً أقوى بكثير من قدرتهم على التحكّم فيه أو التأثير فيه، حتى صار هو وهم والجميع رهائن فيه. نضطر سنوياً إلى تسديد نحو 12 مليار دولار، أو أقلّ بقليل من ربع مجمل الدخل الوطني، كفوائد لإبقاء الودائع المكدّسة وزيادتها وامتصاصها عبر المديونية العامّة ومديونية الأسر والشركات.
يقول توماس بيكيتي (في كتابه «رأس المال في القرن الحادي والعشرين») إن استقلالية البنك المركزي «هي مصدر لأكثر من سوء تفاهم»، ولا سيّما بعدما أصبحت البنوك المركزية قادرة على خلق النقود بصورة لا نهائية، وأصبح «الإيمان بدورها في الاستقرار متناسباً بشكل عكسي مع الإيمان بدور السياسات الاجتماعية والضريبية»، وبات «لا حاجة أبداً إلى دولة رفاه اجتماعي وحكومة متوغّلة. يكفي فقط حاكم بنك مركزي جيّد». وهنا يكمن أحد أهمّ مصادر الأزمة الراهنة في لبنان، فالبنوك المركزية، كما يقول بيكيتي، «لا تخلق الثروات، هي فقط تعيد توزيعها». و«قد يكون من المدهش إذا تمكّنت البنوك المركزية بجرّة قلم بسيطة أن تزيد من رأس مال بلادها، والكون كلّه في اللحظة نفسها. الأمر كلّه يعتمد فيما بعد على أثر تلك السياسة النقدية على الاقتصاد الحقيقي».
فماذا كان أثر السياسة النقدية المعتمدة في لبنان على الاقتصاد الحقيقي؟ إن واحداً فقط من كلّ 6 وافدين جدد إلى سوق العمل يجد عملاً، وغالباً في الأنشطة المتدنية الإنتاجية في قطاع الخدمات، في حين ازدادت هجرة العمالة الماهرة وتدهورت حصّة الأجور من مجمل الدخل المحلّي إلى أقلّ من 25%، وتحوّل أصحاب المشاريع إلى الريع، وازداد الارتهان للتدفّقات المالية الخارجية وتحويلات العاملين في الخارج للمحافظة على الوضع القائم ومنع انهياره بالكامل.

يتبع