يترافق الحديث دائماً عن تطوّر الأزمة المالية وتبعاتها الاقتصادية مع الكلام المُتكرّر عن ملاءة النظام المصرفي اللبناني ومناعته في وجه المخاطر المختلفة، من دون أن يتمّ التطرّق إلى طبيعة هذه الملاءة وكلفتها الاقتصادية. في الواقع، يبدو أن المصارف تمكّنت فعلاً في سياق الأزمة من رفع ملاءتها وفق المعايير التي يضعها القطاع المصرفي لقياس هذه الملاءة، لكن هذا الأمر تمّ من خلال السياسات النقدية التي تحاول مواجهة الأزمة عبر تحصين هذا القطاع للحفاظ على النموذج الاقتصادي القائم، عوضاً عن السعي إلى معالجة مكامن الخلل البنيوية فيه. كما يظهر أن هذا الأمر تمّ على حساب جميع الأطراف الأخرى المُتضرّرة من هذه الأزمة.

عند احتساب رساميل المصارف، تعمل المؤسّسات الدولية على وضع معايير معيّنة لتصنيف الأموال التي تدخل ضمن الرساميل المحتسبة. فالمستوى الأوّل من الرساميل، يشمل تحديداً رؤوس أموال المساهمين غير القابلة للاسترداد، بالإضافة إلى بعض أشكال الاحتياطيّات التي تقتطعها المصارف من أرباحها. وتضيف المعايير الدولية أشكالاً أخرى من الأموال إلى المستويات الأخرى من الرساميل، إلّا أن المستوى الأوّل يبقى المستوى الأساسي الذي يعبّر عن ملاءة المصارف وقدرتها على التعامل مع الضغوط المختلفة.
ولتقدير كفاية هذه الرساميل، تتمّ مقارنة قيمتها كنسبة إلى الموجودات المصرفية، أي الاستثمارات المختلفة، والتي تشمل الأموال السائلة في المصرف المركزي وسندات الخزينة والتسليفات إلى القطاع الخاصّ وغيرها. وكون المخاطر المرتبطة بهذه الموجودات متفاوتة، تفرض المعايير الأخذ في الاعتبار حجم المخاطر عبر احتساب قيمة كلّ صنف من هذه الموجودات بعد «تثقيله» وفق حجم المخاطر المرتبطة به. بمعنى آخر، عند احتساب قيمة كلّ صنف من الموجودات، يتمّ تقدير هذه القيمة وفق المخاطر المرتبطة به.
النظر إلى هذه النسبة منذ 2013 ولغاية اليوم يُظهر تطوّرها صعوداً، إذ ارتفعت من 13.5% في 2013 إلى 15.3% في 2017. بمعنى آخر، تمكّنت المصارف وفي عزّ الأزمة وتبعاتها الضاغطة على النموذج الاقتصادي القائم من زيادة رسملتها وملاءتها بمعزل عن كلّ العوامل الضاغطة. ويعود ذلك لاستفادتها من جهتي الرساميل والموجودات على حدّ سواء، من خلال المعالجات التي كانت تتمّ في سياق هذه الأزمة.


فمن ناحية الرساميل، استفادت المصارف منذ عام 2016 من جميع أشكال الهندسات والإجراءات التي كان يجريها مصرف لبنان لامتصاص السيولة بالدولار ورفع الاحتياطي منها لديه، مقابل أرباح ضخمة واستثنائية لصالح المصارف. وفي سياق هذه الهندسات، استعملت المصارف الأرباح لتعزيز الاحتياطيّات والرساميل لديها على المدى الطويل، ممّا رفع بالتالي نسبة هذه الرساميل مقارنة بالموجودات لديها. يظهر بوضوح أثر هذه الهندسات تحديداً على ارتفاع نسبة المؤشّر إذا لاحظنا أن الارتفاع الأكبر حدث تحديداً في سنتي 2016 و2017، أي منذ بداية اتخاذ مصرف لبنان لهذه الإجراءات الاستثنائية. بسبب هذا العامل، ارتفع الهامش بين المعدّلات التي تدفعها المصارف على الودائع لديها، والمعدّلات التي تجنيها من توظيفاتها. تحديداً، ارتفع هذا الهامش للتوظيفات بالدولار الأميركي من 1.47% في بداية 2016 إلى 2.04% لغاية شهر تموز/يوليو الماضي.
أمّا من ناحية الموجودات، فقد ارتفعت أيضاً نسبة مؤشّر «رأسمال المستوى الأوّل إلى الموجودات المثقلة وفق المخاطر» بفعل تراجع عمليّات التسليف للقطاع الخاصّ المعرّضة لمخاطر الائتمان الأعلى، واستبدالها باستثمارات مضمونة ومُربحة مع مصرف لبنان، في سياق الهندسات المالية نفسها. فهذا المؤشّر يتأثّر بطبيعة الموجودات وحجم المخاطر فيها، ومن الطبيعي أن تتغيّر النسبة بتغيّر مستوى مخاطر الائتمان المُرتبطة بالتوظيفات.
الجدير بالانتباه، أنه على الرغم من ارتفاع موجودات المصارف بنسبة 7.49% منذ بداية السنة ولغاية شهر تموز/ يوليو الماضي، انخفضت في الوقت نفسه التسليفات للقطاع الخاصّ المقيم بنسبة 2.37%. في المقابل، ارتفعت توظيفات المصارف مع القطاع العامّ (لدى مصرف لبنان وفي سندات الخزينة) بنسبة 20.53%.
تحاول تقارير مصرفية واقتصادية عدّة أن تعرض تطوّر ملاءة القطاع المصرفي اللبناني خلال السنوات الماضية بوصفها حقيقة تعكس تنافسيّة هذا القطاع ومتانته في ظلّ الضغوط التي يتعرّض لها النموذج الاقتصادي القائم. لكن التدقيق في تطوّر هذه المؤشّرات يفضي إلى حقيقة مختلفة، إذ أن هذه الملاءة هي الوجه الآخر للإجراءات التي حاولت في الفترة الماضية الحفاظ على النموذج الاقتصادي القائم، في وجه الأزمة التي تعكس اليوم مكامن خلل بنيويّة في صلب هذا النموذج. وبينما ابتعدت هذه المعالجات عن التعامل مع أي من مكامن الخلل الأساسية، جاءت كإجراءات مُربحة على مستوى القطاع المصرفي ورسملته، ومكلفة على مستوى المال العامّ.