«إذا كان يوجد مكان في العالم لا يزال فيه شعار أصحاب المذهب الفيزيوقراطي واجب الاتباع، إلى حدّ ما، فهو بلادنا هذه: فدع الفعل لفاعله - إذن - ودع الأمر لمجراه»

ميشال شيحا- 1946

ماذا نعني بالنموذج الاقتصادي اللبناني؟
إذا حاولنا أن نعيد تركيب الصورة التي تصف الاقتصاد اللبناني وصفاً دقيقاً، فسنجدها في الخطاب الشائع على الشكل التالي:

أوّلاً، هو اقتصاد خدمات!
وهذه سمة من سماته التاريخية، التي تفسّر ضعف الإنتاجية واستمرار هجرة العمالة الماهرة واتساع اللامساواة بين المناطق والطبقات. تبيّن الحسابات الوطنية الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي، أن قطاع الخدمات يستحوذ وحده على ثلاثة أرباع الناتج المحلّي الإجمالي، في حين لا تتجاوز حصّة الزراعة والثروة الحيوانية والنباتية 3%، فيما تبلغ حصّة الصناعة 9% فقط إذا استثنينا البناء والكهرباء والمياه وإدارة النفايات. تفاقمت هذه المعضلة في ربع القرن الأخير، وبدأنا نواجه مشكلة عدم التنويع في قطاع الخدمات نفسه. فوفق الحسابات الوطنية، باتت الأنشطة المتّصلة بالعقارات (مثل البناء والمقاولات وصناعة الإسمنت ومواد البناء والكسّارات وتجهيز المساكن وخدمتها) تستأثر بأكثر من ربع الناتج المحلّي، وإذا أضفنا إليها الأنشطة المتّصلة بالتجارة والنقل والخدمات المالية، فإنها ستستأثر وحدها بأكثر من نصف الناتج المحلّي... بهذا المعنى، لم تعد المعضلة تنحصر في أننا نعيش من اقتصاد الخدمات الضعيف الموجّه نحو الخارج كما كان في السابق دائماً، بل في أن المعضلة تعمّقت كثيراً، إذ تخصّصنا بدرجة كبيرة في الأنشطة العقارية والتجارية المتدنية الإنتاجية، التي لا توفّر فرص العمل المطلوبة ولا الأجور المقبولة وتهدر الطاقات الإنتاجية المُتاحة لدى القوى العاملة في لبنان.

ثانياً، هو اقتصاد يعتمد على الاستهلاك
وهذه سمة تاريخية أخرى تتصل اتصالاً وثيقاً بالسمة الأولى. فوفق الحسابات الوطنية يتجاوز الاستهلاك العامّ والخاصّ مجمل الناتج المحلّي (101%)، أي إن فاتورة الاستهلاك أعلى من مجمل الدخل. يقول البنك الدولي في تقريره الأخير عن لبنان (المرصد الاقتصادي - 2018) أن متوسّط استهلاك الأسر من دون الحكومة بلغ 88.4% من الناتج المحلّي الإجمالي خلال الفترة 2004 - 2016. ويضيف التقرير أن «العقارات، والتجارة، والإدارة العامّة، إلخ... لا تنتج البضائع الاستهلاكية المطلوبة، وبالتالي يتمّ استيراد الجزء الأكبر منها، ما يجعل تأثير القطاع الخارجي سلبياً صافياً على الإنتاج، وقد بلغ متوسّطه ربع الناتج المحلّي الإجمالي. وفي الوقت نفسه، شكّلت الاستثمارات الإجمالية 23% من الناتج المحلّي الإجمالي، ولكنّها تركّزت في الأغلب في قطاع العقارات غير المنتج والريعي». وفق تقديرات البنك الدولي، بلغت فاتورة الاستيراد منذ عام 1993 نحو 317 مليار دولار، في حين بلغت قيمة الصادرات 55 مليار دولار فقط، أي إن العجز التجاري مع الخارج بلغ 261 مليار دولار. فكيف موّلناه؟ ومن أين حصلنا على كلّ هذا التمويل؟ ومقابل أي كلفة؟

ثالثاً، هو اقتصاد مُرتهن للتدفّقات الخارجية
وهذه سمة ثالثة من سمات النموذج الاقتصادي اللبناني، وهي تتصل أيضاً اتصالاً وثيقاً بالسمتين السابقتين، وتشكّل مدخلاً للإجابة على السؤال المطروح عن الآلية التي سمحت لنا بتمويل العجز التجاري الهائل. لقد تلقّى لبنان رساميل وتحويلات ضخمة من الخارج، تجاوزت قيمتها 280 مليار دولار، وذلك بفضل بنية أسعار الفائدة السخيّة. وفي ظلّ البنية الاقتصادية القائمة لم يجر توظيف هذه التدفّقات في الاستثمار وإنّما موّلت العجز التجاري والمضاربات على أسعار العقارات. أصبح الاقتصاد اللبناني مدمناً على تدفّقات الأموال من الخارج، فجرى تشجيع الهجرة التي أصبحت مصدراً مهمّاً جدّاً لتمويل استهلاك الأسر عبر تحويلات أفرادها العاملين في الخارج، إلى جانب الديون الخارجية (ولا سيّما ودائع غير المقيمين) والاستثمارات في العقارات.

رابعاً، اقتصاد عموده الفقري المصارف
وهذه هي السمة الرابعة ذات الصلة، فقد أدّى تدفّق هذه الأموال إلى تضخيم مطلوبات المصارف، وتكدّست الودائع والرساميل المصرفية وباتت تساوي أكثر من 4 أضعاف الناتج المحلّي الإجمالي، فجرى توظيفها في مديونية عامّة وخاصّة تتجاوز 200 مليار دولار، وتقتطع ربع الدخل السنوي لخدمتها. ففي ظلّ النموذج الاقتصادي القائم، لعبت المديونية العامّة والخاصّة الدور المحوري في تمويل الاستهلاك وضمور الاستثمار وتراجع الإنتاج.

خامساً، اقتصاد مدولر
وهذه هي السمة الخامسة الرئيسة للنموذج الاقتصادي القائم. إذ إن الحاجة إلى تمويل العجز التجاري الهائل في ظلّ ضمور الإنتاج، أسّست لقيام نظام نقدي خطير وفريد، تتعايش فيه عملتان معاً: الليرة والدولار. ففي حين يتقاضى العمّال أجورهم بالليرة وتجبي الحكومة الضرائب بالليرة، فإن كلّ المعاملات الاقتصادية الأخرى تجري بالدولار. حالياً، يتمّ تداول شيكات بقيمة تصل إلى 70 مليار دولار سنوياً، 70% منها تقريباً بالدولار. ونحو 70% من الودائع المكدّسة في المصارف هي بالدولار أيضاً، ومثلها التسليفات المصرفية للأسر والشركات الخاصّة. وكذلك فإن نصف الدين العامّ الحكومي هو بالدولار أيضاً. إن اجتذاب التدفّقات المالية من الخارج لتمويل العجز التجاري المتعاظم، في ظلّ ضعف صادرات السلع والخدمات وضعف إنتاجية الاقتصاد، استدعى تثبيت سعر صرف الليرة اعتباراً من النصف الثاني من التسعينيات، وتمّ عرض أسعار فائدة سخية لجذب الدولارات إلى لبنان (هامش كبير بين سعر الفائدة على الدولار في لبنان وسعر الفائدة في الخارج) وأسعار فائدة أكثر سخاءً لتوظيف بعض الدولارات في الودائع بالليرة (هامش كبير بين سعر الفائدة على الدولار وسعر الفائدة على الليرة). كما تمّ السماح للشركات بتحرير رساميلها بالعملات الأجنبية.
هذه السمات الخمس للنموذج الاقتصادي اللبناني، هي في الوقت نفسه مصادر أزمته، التي يجري اختزالها الآن بمخاطر سعر صرف الليرة، وكأن سعر الصرف هو الهدف النهائي والوحيد لأي سياسة، وليس أداة لتحقيقها. ولكن الاقتصاد اللبناني لا ينمو حالياً، وهناك مؤشّرات على انكماشه. التسليفات للقطاع الخاصّ انخفضت في الأشهر الماضية من هذا العامّ، وهذا مؤشّر إلى عدم وجود أي استثمار في الاقتصاد الحقيقي أو الوهمي. وصافي خلق الوظائف بقي ضعيفاً جدّاً طيلة ربع قرن، وهو يتحوّل حالياً إلى صافٍ سلبي، أي إن الوظائف المفقودة تزيد عن الوظائف المستحدثة. نسبة مرتفعة جدّاً من العمالة تضطر للعمل في الأنشطة اللانظامية، حيث مستويات الأجور منخفضة جدّاً ولا توجد أي حمايات قانونية أو اجتماعية. السياحة الموجّهة إلى خدمات الترفيه للأسر الغنية الآتية من الخليج انتهت، والمضاربات العقارية بلغت ذروتها وباتت مرجّحة للانفجار. الاستثمارات الأجنبية المباشرة تدهورت إلى ما دون 4% من الناتج المحلّي الإجمالي، وتحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج مرجّحة للانخفاض في ضوء الأزمة الاقتصادية العارمة في بلدان المقصد، ولا سيّما البلدان النفطية. عجز الحساب الجاري يأكل ربع الناتج المحلّي، والدين الخارجي (بما فيه ودائع غير المقيمين) يشكّل 200% من الناتج، وميزان المدفوعات يسجّل عجوزات سنوية متراكمة منذ عام 2011 للمرّة الأولى في تاريخ الدولة اللبنانية... إلخ.
باختصار، نحن الآن نعيش الحلقة الأخيرة من حياة نموذج اقتصادي لم يكن قابلاً للحياة منذ نشأته. والسؤال المطروح علينا ليس إذا كان سعر صرف الليرة سينهار أم لا. بل هل سيكون بمقدورنا أن نستغلّ مخاطر سعر الصرف الماثلة لكي ننخرط في الصراع الأساسي من أجل إعادة بناء اقتصاد في خدمة المجتمع، بدلاً من الاستمرار في بناء مجتمع يخدم اقتصاداً مصمّماً لخدمة «الأقلّية السعيدة».
لا شكّ أن خوض مثل هذا الصراع لا يحصل بالتبشير فقط ولا بترك الفعل لفاعله والأمر لمجراه.