تُقدّر حصّة الفرد في لبنان من مجموع الدين العامّ والخاصّ بأكثر من 41 ألف دولار، منها 17 ألف دولار نتجت من الدين العامّ الحكومي، و12 ألف دولار من الدين على مصرف لبنان، و5 آلاف دولار تقريباً من القروض السكنية والاستهلاكية للأسر والأفراد، و7 آلاف دولار من دين القطاع الخاصّ، ولا سيّما ديون التجّار والقروض العقارية. وقد كلّفت خدمة هذا الدين في العام الماضي وحده نحو 12 مليار دولار، بمعدّل 2500 دولار من كلّ فرد، تمّ اقتطاعها عبر الضرائب أو عبر الأسعار أو عبر طبع العملة وتخفيض القيمة الشرائية للأجور.


هل أنت من مواليد عام 1993؟
عندما وُلدت قبل 25 عاماً، كان مجمل الدين العامّ والخاصّ (أي كلّ الديون القائمة على الدولة والأسر والشركات في نهاية عام 1992) يبلغ 5.6 مليار دولار، وكان عدد السكّان المقيمين في لبنان حينها يبلغ نحو مليونين و822 ألف نسمة. وكانت حصّتك كفرد في هذا الدين تبلغ ألفي دولار، أمّا حصّة أسرتك (4 أفراد) فكانت تبلغ نحو 8 آلاف دولار. وكان هذا العبء يساوي، في حينه، نحو 70% من متوسّط نصيبك أو نصيب أسرتك من الدخل الوطني.
يوماً بعد يوم، وعلى مدى ربع قرن من عمرك، تكدّست الديون بوتيرة أسرع بكثير من نموّ الدخل ونموّ السكّان، لتبلغ في نهاية عام 2017 أكثر من 200 مليار دولار، فارتفعت حصّة أسرتك من هذا الدين إلى نحو 165 ألف دولار، وباتت حصّتك أنت لوحدك تزيد عن 41 ألف دولار، أي أصبحت تساوي أكثر بـ4 مرّات تقريباً من متوسّط نصيبك من الناتج المحلّي الإجمالي، وتوازي عملك لأكثر من 7 سنوات ونصف السنة بالحدّ الأدنى الرسمي للأجور.


في هذه الفترة (1993- 2017) نما عدد سكّان لبنان مرّة ونصف المرّة (باستثناء النازحين السوريين بعد عام 2010)، ونما الاقتصاد أقلّ من 10 مرّات، ولكن المديونية العامّة والخاصّة نمت 36 مرّة، واستحوذت خدمتها (مدفوعات الفائدة) على أكثر من 20% من الدخل المُحقّق في الاقتصاد سنوياً، وساهمت في تركيز الثروة والدخل لدى كبار المودعين (الدائنين) والتجّار وملّاك الأراضي. لقد تمّ بناء نموذج اقتصادي استهلاكي وريعي مموّل بالدين، لا يولّد فرص عمل ولا مداخيل كافية لتمويل الاستهلاك والاستثمار والادّخار. نموذج يقوم على تصدير العمّال المهرة واستيراد الديون وتحويلات المهاجرين. هذا النموذج ما كان ليقوم ويستمرّ لو لم يرتضِ جيل والديك بتحميلك أنت وجيلك والأجيال المُقبلة كلفة الإفراط في استهلاكهم من دون أن يواكب ذلك زيادة موازية في الإنتاج. فقد تجاوز الاستهلاك الخاصّ والعامّ 100% الناتج المحلّي الإجمالي، وبقي الدخل المُنتج محلّياً غير كافٍ لتغطية الزيادة في الاستهلاك، وبالتالي لم يتبقَ منه شيء للاستثمار والادّخار.
تعبّر مقولة «إننا نعيش بمستوى أعلى من إمكانياتنا» عن هذا الواقع، وكذلك مقولة «النموّ الاقتصادي المدفوع بالاستهلاك وليس بالإنتاج». ففيما كنت تنمو وتترعرع وتنهي تعليمك كانت أسرتك تضطر إلى الاستدانة لتعويض نقص الدخل، سواء بالاقتراض المباشر من المصارف أو مؤسّسات التسليف الأخرى (كالقرض الحسن مثلاً)، أو بالاقتراض غير المباشر بواسطة القطاعين العامّ والخاصّ، وعبر أسعار فائدة سخيّة لجذب التدفّقات المالية وإعادة توظيفها في زيادة الاستهلاك.
عادة، لا يجري احتساب حصّة الفرد أو الأسرة من مجمل الدين القائم على الاقتصاد، والشائع أن يقتصر الحساب على حصّة الفرد من الدين العامّ المُترتّب على الحكومة فقط، أي الدين الذي تجري خدمته عبر الموازنة العامّة، باعتبار أن مدفوعات الفائدة على هذا الدين تمّول من الضرائب المُقتطعة من دخل جميع الأسر المقيمة واستهلاكها، أمّا الديون الأخرى فهي تقع على كاهل من يحملها مباشرة سواء كان حاملها مصرف لبنان أو المؤسّسات العامّة أو الشركات الخاصّة أو الأسر أو الأفراد. حتى لو اقتصر الحساب على دين الحكومة، ستبقى النتيجة مُذهلة.
كلّ طفل يولد الآن في لبنان سيبدأ حياته بدين يبلغ أكثر من 17 ألف دولار، وسيصل دينه إلى 23 ألف دولار قبل أن يبلغ سن الخامسة في عام 2023.
هذا الدين راكمته الحكومة منذ عام 1993، فوفق إحصاءات وزارة المال، ارتفع من 3.7 مليار دولار إلى أكثر من 84 مليار دولار اليوم، ويُتوقّع أن يبلغ أكثر من 121 مليار دولار في عام 2023، وفق توقّعات صندوق النقد الدولي.
في المقابل، ارتفع عدد سكّان لبنان، وفق تقديرات الأمم المتحدة، من 2.8 مليون نسمة في عام 1993 إلى 4.9 مليون نسمة في العام الجاري، ويتوقّع أن يبلغ 5.3 مليون نسمة بعد 5 سنوات (تمّ اعتماد متوسّط معدّل نموّ السكّان للفترة 2005- 2010 البالغ 1.68% لتوقّع تطوّر عدد السكّان للفترة 2011- 2023، واستبعاد النازحين السوريين بعد عام 2010).
أمّا الناتج المحلّي الإجمالي، الذي يقيس الدخل المُحقّق في الاقتصاد المحلّي، فقد ارتفع من 8 مليارات دولار في عام 1993 إلى 53.6 مليار دولار في هذا العام، ويتوقّع أن يبلغ أكثر من 68 مليار دولار في عام 2023، وفق تقديرات البنك الدولي للفترة قبل 2018 وصندوق النقد الدولي للفترة بعدها.
بالاستناد إلى هذه التقديرات، ارتفعت حصّة الفرد من الدين العامّ الحكومي من ألف و300 دولار تقريباً إلى أكثر من 17 ألف دولار حالياً، وكانت حصّة الفرد من الناتج المحلّي أعلى من حصّته من الدين بألف و500 دولار، باتت حصّته من الدين الآن أعلى من حصّته من الناتج بأكثر من 6 آلاف و200 دولار، وسيبلغ الفارق أكثر من 10 آلاف دولار في عام 2023. ففي حين ارتفعت حصّة الفرد من دين الحكومة بنسبة 1300%، لم ترتفع حصّته من الناتج إلا بنسبة 378%.
يُنسب إلى عمر بن الخطاب القول الشهير: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً». ولكن، في حالتك، حالة جيل ما بعد الحرب، جيل المديونية، لم تولد حرّاً أبداً، وإنّما مديون. فقد استعبدتك حكومتك بمراكمة الدين عليك منذ أن فتحت عينيك على هذه الدنيا. وفي حال استمرّ منحى تراكم الدين على حاله، فأنت بدورك ستورث ابنك هذه العبودية، كما ورثتَها عن والديك... وهكذا دواليك.