بلغ متوسّط سعر برميل نفط أوبك الخام في عام 2017 نحو 52.51 دولاراً أميركياً، بارتفاع كبير عن المتوسّط السنوي المسجّل في عام 2016، والذي بلغ 40.68 دولاراً أميركياً. في هذا السياق، لحظت موازنة عام 2017 مبلغ 2100 مليار ليرة ضمن بند التحويلات لمؤسّسة كهرباء لبنان، لتسديد ثمن المحروقات التي تحتاجها لإنتاج الكهرباء. ولكن مع بداية العام الجاري، ارتفع هذا المتوسّط لغاية 64.83 دولاراً للبرميل الواحد، وسط توقّعات بتسجيله معدّلات أعلى خلال السنة، وقد بلغ بالفعل مستويات تجاوزت الـ83 دولاراً خلال شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر، ولكن على الرغم من هذه التوقّعات، أصرّ معدّو الموازنة العامّة لعام 2018 على تحديد القيمة نفسها (2100 مليار ليرة) ضمن بند التحويلات لكهرباء لبنان، من دون الأخذ بالاعتبار ارتفاع سعر النفط وتوقّعات تسجيله المزيد من الارتفاع.

هذا الواقع أدّى اليوم إلى بروز مشكلة تمويل شراء المحروقات للمؤسّسة، والحاجة إلى إمرار مشروع قانون في المجلس لتأمين الاعتمادات الإضافية لهذا الغرض. كان هدف معدّي الموازنة في البداية تجميل الأرقام على مشارف مؤتمر «سيدر» لاستقطاب القروض، وإعطاء صورة مخادعة، وبالتالي خفض قيمة العجز الذي سيظهر في الموازنة. كان المطلوب من إظهار تراجع قيمة العجز المتوقّع إعطاء الانطباع بوجود إصلاحات في الإنفاق العامّ، بينما كان معدّو الموازنة يدركون الحاجة إلى الاعتمادات الإضافية خلال السنة.


لسعر النفط وتحوّلاته علاقة مباشرة بعجز الميزانية العامّة الفعلي، لعلاقته أولاً بقيمة الدعم الذي توفّره الدولة لمؤسّسة كهرباء لبنان. فهذه التحويلات مثّلت 13% من النفقات الأوليّة للحكومة، وبلغت 2,001.62 مليار ليرة سنة 2017 عندما بلغ متوسّط برميل أوبك نحو 52.51 دولاراً، بينما مثّلت فقط 9.4% من هذه النفقات وبلغت 1,397.28 مليار ليرة في عام 2016 عندما بلغ متوسّط البرميل 40.68 دولاراً. وكنسبة من الناتج المحلّي، شكّلت هذه التحويلات 1.9% منه في 2016 و2.6% منه في 2017.
وبمعزل عن مسألة العجز، ثمّة علاقة أوضح بالحساب الجاري الذي يختصر التبادلات التجارية بين لبنان والخارج من السلع والخدمات والهبات والدخل، وبالتالي سيؤثّر كذلك في عجز ميزان المدفوعات الذي يختزل صافي التبادلات المالية بين لبنان والخارج التي يقع ضمنها الحساب الجاري.
فأرقام صندوق النقد الدولي تظهر أساساً ارتفاع عجز الحساب الجاري كنسبة من الناتج المحلّي من 22.5% في 2016 إلى 25% في 2017، بالتوازي مع ارتفاع قيمة الواردات النفطية من 4.1 مليارات دولار إلى 4.76 مليارات دولار في 2017 بعد ارتفاع أسعار النفط (ترتفع قيمة الواردات النفطية مع ارتفاع سعرها). وإذا أدركنا أن قيمة هذه الواردات النفطية السنة الماضية مثّلت 21% من إجمالي واردات لبنان، يمكن عندها فهم التأثير الكبير لارتفاع أسعار النفط على قيمة العجز في الحساب الجاري.
في الواقع، ينشر صندوق النقد كذلك التوقّعات المستقبلية لقيمة هذه الواردات، بالاعتماد على توقّعاته لسعر النفط وحجم الواردات في المستقبل. وهو يقدّر وفقاً لأرقام هذه السنة ارتفاع قيمة الواردات النفطيّة لغاية 5.7 مليارات دولار، لترتفع بالتوازي نسبة عجز الحساب الجاري إلى الناتج المحلّي لغاية 25.8%.
وسيكون لهذه المعطيات أثر بالغ على الأزمة التي يمرّ فيها لبنان حالياً. فالأزمة منذ سنوات تتمحور تحديداً حول تفاقم العجز في ميزان المدفوعات، في ظل الحاجة إلى فائض التحويلات الماليّة باستمرار، لتأمين العملة الصعبة الكافية لتغطية الفارق الكبير بين صادرات لبنان ووارداته. وبالتالي، سيكون لزيادة العجز في الحساب الجاري الناتجة من ارتفاع متوسّط أسعار النفط هذه السنة أثر بالغ على تطوّرات الأزمة المقبلة وطرق معالجتها.
لكن الأهم في هذه المسألة الكلفة الإضافية على الأسر. فمع عوامل تضخّم ضاغطة موجودة أساساً هذه السنة، وارتفاع أسعار السوق بنسبة 6.53% خلال سنة واحدة، وبالتالي تراجع القدرة الشرائية بهذا المقدار، سيعني المزيد من ارتفاع أسعار النفط تزايد عوامل الاستنزاف على قدرة الأسر الشرائية. فالمزيد من ارتفاع سعر النفط لن يعني ارتفاع كلفة النقل على الأسر فقط، بل أيضاً كلفة المواد الاستهلاكية والخدمات والكهرباء غير الرسمية وغيرها.