«عندما يسيل الدم في الشوارع، اشترِ. إنه الوقت المناسب للشراء».

هذه المقولة التي أطلقها البارون روتشيلد، في القرن الثامن عشر، وحقّق ثروة طائلة من تطبيقها في أعقاب معركة «واترلو» التي خاضتها إنكلترا وبروسيا وهولندا ضد نابليون بونابرت عام 1815، تحوّلت إلى ما يشبه شعاراً لكلّ المضاربين.
ففي الأزمات، يغامر البعض بشراء الأصول بأسعار مُتدنية متوقّعاً إعادة بيعها بأسعار أعلى، ويستغلّ هؤلاء عادة حاجة مالكي هذه الأصول إلى السيولة أو التخلّص من عبء الدين. وهذا ما يعاني منه العديد من مالكي الشقق الفاخرة المعروضة للبيع في سوق العقارات في لبنان. ولكن هل الأزمة في سوق العقارات أينعت وحان وقت قطافها؟
أخيراً، أعلنت مجموعة من المستثمرين اللبنانيين تأسيس صندوق لجمع رأس المال وشراء شقق من المطوّرين العقاريين المتعثّرين «بأسعار محروقة» وبيعها إلى المغتربين بأسعار أعلى!

كيف يعمل الصندوق؟
ليست المرّة الأولى التي تُطرح فيها هذه الفكرة، إذ تعود إلى عام 2014، عندما كانت جمعية مطوّري العقار في لبنان تبحث مع المصرف المركزي في إمكان دعم السوق العقارية التي كانت قد بدأت تدخل في أزمتها، وفقاً لأمين سرّ الجمعية مسعد فارس، الذي أشار إلى أن «الفكرة نالت تشجيع الحاكم بدون التمكّن من الحصول على دعم نتيجة ما يمرّ به البلد. لذلك بدأنا التفكير بسبل أخرى لتفعيل الصندوق، وأعددنا الدراسات التي بيّنت أن هناك عدداً متزايداً من المطوّرين المتعثّرين والمصارف المنكشفة على ديون عقارية، فضلاً عن وجود سوق واعدة بين المغتربين الذين هاجروا بعد عام 1975 ولا يزالون على ارتباط بلبنان. فأطلقنا المشروع باعتبار أن مواءمة حاجات هذه الأطراف قد تنشّط السوق».


يشرح فارس أن «المنصّة هي عبارة عن شركة مساهمة تحمل اسم Legacy One، حصلت على موافقة هيئة الأسواق المالية لطرح أسهم للاستكتاب بقيمة 75 مليون دولار، وإصدار سندات دين بقيمة 250 مليون دولار، سيديرها Lucid Investment Bank. بالإضافة إلى الشركة الأولى التي ستحمل الأسهم والديون، أسّسنا شركة Legacy Central لتنفّذ عمليات البيع والشراء والتسويق وخدمات ما بعد البيع لصالح الشركة الأولى بموجب عقد موقّع بينهما. عملياً ستقوم الشركة الثانية بالبحث عن الشقق الجاهزة التي يملكها مطوّرون متعثّرون، وتتلاءم مواصفاتها مع طلب الزبائن المستهدفين. فيتم الاتفاق مع المطوّر المتعثّر، لتأخذ Legacy One قسماً من ديونه أو كامل الدين المترتب عليه في مقابل الشقق غير المُباعة. ومن بعدها يتم الاتفاق مع المصرف على استبدال الدين الذي حملته الشركة عن المطوّر بسندات دين تصدرها Legacy One لخمس سنوات، ويحصل بموجبها على فائدة بمعدّل 7.5% كل ستة أشهر. في حين يقوم مصرف Lucid بتوظيف رأسمال الشركة لتسديد الفوائد المُستحقة على السندات». ويشرح مسعد أيضاً أن «Legacy Central ستكون الصلة بين السوق المحلّية والزبون الخارجي وستقدّم خدمات ما بعد البيع للزبون. في حين ستساعد Legacy One المطوّر المتعثّر على التخلّص من ديونه، والمصرف على استرداد أمواله المشكوك بتحصيلها نتيجة تخلّف المطوّر عن تسديد الدين. كما ستشتري الشقق غير المُباعة بأسعار الجملة، أي بأقل من 50% من سعر السوق، لتبيعها إلى الزبون بأسعار أقل من سعر السوق أيضاً. نحن تجّار ولا ندّعي بأننا لا نبغى الربح ولكننا سنساعد في إدخال أموال إلى البلد، وسنبيع المغترب بأسعار أقل. It’s a Win-Win situation! (أي وضعية رابحة لجميع اللاعبين)».

سوق هشّة على الاستغلال!
«يضع المستثمرون المضاربون مالاً وفيراً على الخطّ، ويسبحون عكس التيار خلافاً للرأي العام السائد، ويصلون غالباً إلى القمة. لكن قبل ذلك، يُجرون بحوثاً للتأكّد من أن الكلّ مخطئ، ولمعرفة أسباب تراجع الأسواق وإذا كان هناك ما يبرّر هذه الهشاشة. وإذا وجدوا إمكانية لتحقيق مكاسب مهمّة، يبحثون عن الأسهم والأصول المتعثّرة لشرائها ومن ثمّ بيعها بمجرّد ارتفاعها مجدّداً بما يؤدّي إلى حصولهم على أرباح أعلى بكثير من المعتاد. يترك المضاربون السوق لتجلب لهم الصفقات بدلاً من مطاردتها». بهذه العبارات توصّف موسوعة Investopedia آلية عمل المضاربين. فهل تنطبق شروط الهشاشة على السوق العقارية في لبنان فتكون هدفاً للمضاربين؟
يعدّ عام 2010 عام الذروة للسوق العقارية، التي بقيت تستقطب غالبية التدفقات الرأسمالية وتستحوذ على قسم مهمّ من تحويلات المغتربين، وعلى الرغم من الحديث المتزايد عن تراجعها منذ ذاك العام إلّا أن كل المؤشّرات كانت تبيّن العكس، بحيث حافظت المبيعات على قيمتها وبقيت تسليمات الإسمنت ورخص البناء ضمن مستوياتها المعروفة. ويأتي ذلك، كنتيجة مباشرة لتدخّل مصرف لبنان منذ عام 2009 في السوق باعتبارها مصدر جذب للعملات الأجنبية الخارجية التي يحتاجها لدعم سياسته النقدية، وأداة لتوسيع السيولة عبر دعم فوائد القروض السكنية التي ارتفعت من 4.5 إلى 13 مليار بين عامي 2010 و2017.
لكن خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، ظهر التراجع المشكو منه بشكل أكثر وضوحاً، فوفقاً للتقرير الاقتصادي الفصلي الصادر عن «بنك عوده»، انخفضت قيمة المبيعات العقارية بنسبة 16.8% بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، كما تراجعت مساحات رخص البناء نحو 23% وتسليمات الإسمنت بنسبة 4.7%. ويعدُّ هذا التراجع الأعلى منذ عام 2010، ويرتبط بوقف مصرف لبنان آلية دعم القروض السكنية، وبتراجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية بنسبة 40% خلال السنوات الثماني الماضية. وبالنتيجة أدّت الأزمة المستمرّة منذ عام 2010 إلى تراجع النشاط العقاري، والتأثير على نشاط المهن المرتبطة به، وتخلّف بعض المطوّرين عن تسديد ديونهم وارتفاع نسبة الديون المشكوك بتحصيلها، وتكديس مخزون بقيمة 6 مليارات دولار من الشقق الفخمة الفارغة.

لعب ضمن القواعد نفسها!
من الواضح أن ما يطرحه مؤسّسو المنصّة ليس حلاً لتنشيط سوق العقارات أو الأنشطة المرتبطة بها، بل هي مجرّد عملية مضاربة على شقق فارغة مكدّسة. يقول مدير عام شركة «رامكو» للاستشارات العقارية رجا مكارم أن «إدخال 300 مليون دولار إلى السوق كما هو مُعلن في المرحلة الأولى، وصولاً إلى مليار دولار في المرحلتين الثانية والثالثة، سيؤدّي إلى بيع 150 شقة فخمة كحد أقصى في المرحلة الأولى، بمعدل مليوني دولار للشقة الواحدة، وذلك من أصل 4 آلاف شقة فخمة مكدّسة في بيروت فقط، تبلغ قيمتها 6 مليارات دولار. قد يكون نجاح ذلك أفضل من الوضع القائم، ولكن الأكيد أننا لن نشهد أي حركة بناء مماثلة للسنوات السابقة تستفيد منها القطاعات المهنية الأخرى، ولا أي تغيير في الوضع القائم، إذ يوجد 10 مليارات دولار من الشقق المكدّسة (فخمة ومتوسطة)، وهو مبلغ يفوق المطروح». ويتابع مكارم: «ما سيحصل فعلياً هو عملية ضغط مزدوجة سيمارسها المصرف والشركة على المطوّرين المتعثّرين لبيع الشقق بأسعار متدنية، قد تصل إلى سعر الكلفة أو ربّما أقل إذا كان المطوّر محروقاً. الوقت الراهن هو الأنسب للشاري لا للبائع، وتحديداً الشاري الأقوى، ولن تستفيد سوى الشركة والمصارف والمشتري النهائي في حال اشترى فعلاً بأسعار أقل». بالنسبة لمكارم لن تؤدي هذه المنصّة إلى خلق موجة كبيرة من المضاربة «أوّلاً لأن الأسعار لم تصل بعد إلى مستويات متدنيّة تشجّع على ذلك، وثانياً لأن نسبة كبيرة من الاستثمارات العقارية منفّذة بأموال خاصّة تتيح لأصحابها انتظار تحسّن السوق مجدّداً لبيع شقّقهم، خصوصاً أن مرحلة إعادة الإعمار في سوريا واعدة وكذلك بدء التنقيب عن الغاز لدينا، والمتوقّع أن يدفعا الشركات الأجنبية إلى اتخاذ لبنان مقرّاً لها. وثالثاً لأن هناك ثابتة تتعلّق بسعر العقار في لبنان ورمزيته، فهو يمرّ بحالات من الركود ولكنّه يعاود الارتفاع بما يصعّب آلية التخلّي عنه».
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

يقول الخبير في الاستثمارات جهاد الحكيّم إن «هدف المنصّة قد يكون تمكين المطوّر الأكبر من شراء المطوّر المفلس بأسعار متدنية، أو بيع المطوّر المشارك في المنصّة شققه بالأسعار الحالية قبل انخفاضها أكثر. إلّا أن ذلك لن يؤدّي إلى انعاش السوق، ومن غير المتوقّع أن يجذب المغتربين، لأن أيّاً من المؤشرات الخارجية لم يتغيّر. هناك ترابط بين التدفقات المالية وأسعار النفط. وتحليل هذا الترابط على مدار العقدين الماضيين يبيّن أن هذه التدفقات لن تعود إلى معدّلاتها السابقة إلّا بوصول أسعار النفط إلى معدّل وسطي سنوي بقيمة 88 دولاراً للبرميل، كما لن تنعكس إيجابيات تحسّن كهذا قبل عامين من حصوله». ويتابع الحكّيم: «إنعاش السوق يفترض ترك الأسعار تنخفض إلى ما يجب أن تكون عليه بعيداً من تدخلات المصرف المركزي، كما تُركت سابقاً ترتفع احتكاماً لقاعدة السوق، وذلك لملاءمة القدرة الشرائية للمقيمين لا المغتربين حصراً. فضلاً عن تنظيم سوق الإيجار وتشجيعها أسوة بما كانت عليه قبل الحرب، عندما كانت تشكّل نصف السوق في مقابل أقل من الربع الآن». ويضيف الحكيم «أما من الناحية الاستثمارية والاقتصادية فمن الواضح أن القواعد نفسها لا تزال سارية، والتي تقوم على جذب الاستثمارات نحو العقار. ومن الواضح أن المشروع الحالي لا يقدّم قيمة مضافة مهمّة، لا بل على العكس، قد يحرم القطاعات المُنتجة والمولّدة لفرص العمل من هذه الأموال المتدفّقة عبر تحويلها إلى شراء العقارات، فضلاً عن أن الوقت الحالي لا يعدّ مناسباً للاستثمار في العقار المتوقّع أن يشهد مزيداً من التراجع في الأسعار».