اعتراف

أعترف أوّلاً بأنّي بحثت عن بصيص أمل تتضمّنه نتائج مؤتمر سيدر يرجّح أثراً إيجابياً محتملاً على الأزمة السياسية - الاقتصادية - الاجتماعية المركّبة التي نعيشها في لبنان. فمثل هذا الاحتمال هو السيناريو الأفضل للبنان واللبنانيين، مقارنة بالسيناريوهات الأخرى الأكثر تشاؤماً، والأمل هو خيارنا الأوّل والأخير دائماً، وأوّله التزام الموضوعية والبحث عن الحقائق باستخدام عقولنا. لكن للأسف، الأمور لم تجرِ كما نبتغي.

بين التفاصيل والأساسيات
يمكن تلخيص التعامل مع مؤتمر سيدر في الفكرة الآتية: تقدّم لبنان بقائمة مشاريع للبنية التحتية ضمن ما سُمّي «البرنامج الاستثماري الوطني للبنية التحتية»، تبلغ قيمته الإجمالية نحو 23 مليار دولار، ينفّذ على ثلاث دورات، تمتدّ الواحدة أربع سنوات (مبدئياً). الدورة الأولى قيمتها حوالى 11 مليار، والثانية 6.5 مليارات، والثالثة 5.5 مليارات، وتقتصر تعهّدات سيدر على المرحلة الأولى فقط. يتلازم تقديم هذا البرنامج مع التزام الحكومة اللبنانية تنفيذ عدد من الإجراءات والإصلاحات تتقاطع مع مطالب الجهات المانحة المزمنة. المتفائلون من اللبنانيين يرون أن الجهات المانحة متشدّدة هذه المرّة في ربط تقديم القروض المتوقّعة لتمويل تنفيذ المشاريع، بتنفيذ هذه الإصلاحات، وهو ما يرونه إيجابياً ويشكّل ضمانة لتنفيذها.

سيلفانو ميللو - البرازيل

بالنسبة إلى الأقل تفاؤلاً، فإن سيدر - حتى إن لم يحقّق المعجزات كما قد يبدو للوهلة الأولى من خطاب شديدي الحماسة له - فهو سيكسبنا بعض الوقت (أشهر إلى سنتين تقريباً) بما يمكّن «الحكومة المرتقبة» من حلّ بعض المشكلات وإعادة عجلة المؤسّسات والاقتصاد إلى الدوران «العادي»، ومن شأن ذلك أن يجنّب لبنان انهياراً اقتصادياً (أو مالياً) يحذّر منه كثيرون.
ضمن هذا الإطار، إن حسني النيّة يبذلون جهداً مضاعفاً من أجل التفتيش عن نقاط إيجابية، ويتطلّعون لتقديم النصيحة المجانية للمسؤولين في كيفية التصرّف من أجل تحسين الأداء، ولا سيّما في ما خصّ اختيار المشاريع ذات الأولوية، وتقييم الجدوى والأثر البيئي والاجتماعي للمشاريع قبل تنفيذها، والتشجيع على بعض التوازن بين القطاعات في تخصيص الموارد، وطبعاً التشديد على تنفيذ الإصلاحات (أولها وقف الفساد والهدر وتحسين فعالية الإدارة العامّة) باعتبارها المكاسب الأكثر أهمّية، إضافة إلى كونها الشرط الضروري للحصول على التمويل.
توحي هذه المقاربة بالإيجابية والتعقّل، ولا شكّ في أن الدافع إليها هو الحرص على المصلحة العامّة والحؤول دون المزيد من الإحباط والتدهور في وضع البلد. إلا أنها في اعتقادنا تهتمّ بالتفاصيل لا بالأساسيات، والتفاصيل ضرورية إلا أنها تأتي في مرحلة لاحقة بعد أن تتكوّن فكرة واضحة عن الوضع الكلّي لسيدر وطبيعته ووظيفته، وعمّا هو متوقّع فعلياً من آثار ونتائج مستقبلية من جرّاء تطبيقه، وقبل كلّ ذلك عن مدى القدرة على تطبيقه من قِبل أصحابه أنفسهم، في ضوء ما نعرفه من نجاحات التجارب المشابهة السابقة، ولا سيّما باريس واحد واثنان وثلاثة، حيث إن سيدر هو بمثابة مؤتمر باريس أربعة، وتغيير الاسم بدا كأنه محاولة لفظية لتجنّب لعنة التسمية الباريسية السابقة التي اقترنت بالفشل في وعي اللبنانيين.
نتناول تباعاً ثلاث نقاط: الأولى سياسية تتعلّق بالمسار الذي أنتج سيدر وطبيعته ووظيفته الفعلية، والثانية تتعلّق بمضمون المشاريع، والثالثة بما يسمّى الإصلاحات.

سيدر: منظور سياسي
لا يخفى على أي نبيه أن السياسة سبب حاسم في تكوين الأزمة الاقتصادية الراهنة واستمرارها، وفي العجز عن إيجاد حلول لها. يطاول ذلك طبيعة السلطة وطبيعة المسارات السائدة في تكوين المؤسّسات واعتماد الخيارات السياسية والاقتصادية على حدّ سواء. من يتجاهل هذه الحقيقة ليعتني بالتفاصيل والتقنيات، سيبدو شديد السذاجة في نظر المواطنين العاديين، كما في نظر أصحاب السلطة الفعليين الذين يعرفون تماماً ما يريدون من سيدر بعيداً من أحلام حسني النية. للتذكير فقط:
• إن مؤتمر سيدر عُقد قبل شهر تماماً من يوم الاقتراع في الانتخابات النيابية، وهو كان حسب بيان للجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات في حينه، يهدف إلى تقديم دعم انتخابي للتسوية الرئاسية، ولفريقين رئيسيين في هذه التسوية هما تيار المستقبل والتيار الوطني الحر. وقد شكّل المؤتمر مادة رئيسية في الدعاية الانتخابية (لتيار المستقبل على نحو خاصّ)، وأسهم في النتائج التي جرى التوصل إليها. إن مجرّد عقد المؤتمر لدعم حكومة في أيامها الأخيرة، ممارسة لا تعبّر إلا عن الوظيفة السياسية والدعم الانتخابي لا أكثر.
• إن كلّ الكلام عن مؤتمر سيدر وخططه ومضمون الخطّة الحكومية من أجل تعزيز النمو والاستقرار الاقتصادي... إلخ، لا يعدو كونه كلاماً لا حامل مؤسسياً له، فالحكومة السابقة لم تكن موجودة كحكومة موحّدة في حينه، والحكومة المتعثّر تشكيلها حالياً - حتى في حال تشكيلها - لن تكون حكومة، بل مجموعة وزراء معيَّنين في سياق غير دستوري من قِبل رؤساء الأحزاب، وليس لرئيس الحكومة سلطة فعلية عليهم. لن تكون لهذه المجموعة من الوزراء - المندوبين عن قياداتهم القويّة - صفة الحكومة الموحّدة صاحبة برنامج أو رؤية أو مشروع، لا بل لا يوجد أي ضمانة لالتزامهم بيانهم الوزاري. وبالتالي، القول إن الحكومة ستتبنّى مشروع سيدر، غير حقيقي، وستكون المواقف متباينة حسب كل قضية منفردة، وحسب كل صفقة خاصّة بكل مشروع من مشاريع المقاولات التي يحتويها.
• إن تجارب باريس 1 و2 و3 التي وضعت في ظلّ حكومات أكثر كفاءة من الحكومة الحالية والمقبلة، فشلت فشلاً ذريعاً في ظروف داخلية وإقليمية أقل تأزّماً من الظروف الراهنة. لذلك، سيكون من السذاجة البالغة توقّع نجاح حكومة أقل كفاءة تعمل في ظروف أكثر صعوبة، فيما لم تنجح في تحقيقه سابقاتها. وهو ما يلفت نظرنا إلى الوظيفة الفعلية لمشروع سيدر.
• إن الطابع الغنائمي للدولة اللبنانية وللممارسة السياسية للجماعات الممثّلة في مؤسّسات الحكم الدستورية (وهي ليست صاحبة سلطة حقيقية، إذ إن السلطة الفعلية خارج هذه المؤسّسات)، قد أدّى إلى تهميش كبير لوظائف الدولة العادية، ولا سيّما إدارة الشأن العام، ورعاية مصالح الناس اليومية، وتسيير الإدارة، والحدّ الأدنى من التخطيط وإدارة الاقتصاد والاجتماع... إلخ. ففي الوضع الحالي تكاد تنحصر وظيفة المسؤولين الرسميين المنتدبين عن الأحزاب والزعامات القوية، في التفاهم على تقاسم الغنائم والموارد الخارجية من قروض ومنح وتمويلات للمشاريع المختلفة بعد أن جفّت المصادر الداخلية أو تكاد. وبناءً عليه، ليس المتوقّع أن تكون وظيفة سيدر مختلفة عن ذلك، أي إنه كسابقاته من المؤتمرات سيتحوّل إلى وسيلة للحصول على القروض من أجل تقاسمها من خلال مشاريع مقاولات تتوزّعها القوى النافذة - كما هي العادة - ونهب القسم الأكبر من هذه الموارد.
بهذا المعنى، إن مشروع سيدر يشكو من تشوّه هيكلي أصلي في مسار تشكّله، وفي مضمونه على حدّ سواء. ويصبح لزاماً علينا أن نطرح على أنفسنا السؤال الآتي: هل للبنان وللشعب اللبناني مصلحة حقاً في مشروع سيدر برمّته؟ وهل من فائدة فعلية منه للبنانيين غير منفعة المقاولين وشركائهم من النافذين؟ وهل يستحق ذلك أن نقترض عشرة مليارات دولار إضافية خلال السنوات الأربع المقبلة لزيادة أرباح المقاولين، والزعم أن ذلك يمثّل النمو الاقتصادي ومصلحة لبنان؟

مشاريع مقاولات للبنية التحتية لا أكثر
برنامج الاستثمار الوطني للبنية التحتية الذي قدّم في مؤتمر سيدر ليس «خطّة» للنموّ الاقتصادي (ولا التنمية حتماً)، لا بل ليس حتّى «برنامجاً» بالمعنى الفعلي للكلمة. سواء كان الأمر خطّة أو برنامجاً، لا بدّ من حدّ أدنى من الاتساق الداخلي والوحدة في الأهداف ضمن رؤية معيّنة، على أن تندرج المشاريع ضمنها. أمّا ما نحن بصدده، فهو قائمة أو جدول مشاريع في 8 قطاعات جُمعَت على عجل من أدراج مجلس الإنماء والإعمار، والوزارات المختصّة، وبعض الجهات المحلّية حيث وجدت.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

يمكن بكل وضوح التحقّق من ذلك من خلال قراءة نصّ البرنامج المنشور على موقع رئاسة الحكومة. وكي لا تقدّم المشاريع في صيغة جداول مجرّدة، كُتِبَت مقدّمة لكلّ قطاع، أكبرها مقدّمة قطاع النقل (الذي يتصدّر البرنامج)، في حين أن مقدّمات بعض القطاعات الأخرى لا تتجاوز الصفحة للنفايات الصلبة والثقافة، والنصف صفحة للصناعة مثلاً. علينا أن نضيف أن المشاريع الواردة في البرنامج هي المشاريع نفسها التي لا يزال بعضها نائماً في الأدراج منذ سنوات، وهي موروثة من أيام باريس 1 و2 و3، وبالتالي لا جديد فيها سوى أنها تطرح مجدّداً لاستدراج التمويل لا أكثر، وهو ما ينفي عن مشروع سيدر صفة الرؤية والخطّة والاستراتيجية وحتى البرنامج، بل هو كالعادة سيكون مزاداً مغلقاً على نادي المقاولين لتنفيذ مشاريع معزولة هنا وهناك، لا يجمعها سوى ورودها في جدول مشترك.
القطاعات الثمانية التي تضمّنها البرنامج هي المواصلات، والريّ والمياه، ومياه الصرف، والكهرباء، والاتصالات، والنفايات الصلبة، والتراث الثقافي، والصناعة. لنلاحظ معاً أن هذا البرنامج ليس فيه كلمة واحدة عن كلّ ما له علاقة بالشأن الاجتماعي، لا عن التعليم، ولا الصحّة، ولا الحماية الاجتماعية، ولا مكافحة الفقر، ولا الإنماء المتوازن... إلخ، وليس جواباً مقنعاً القول إن هذا البرنامج للبنية التحتية حصراً، وإن المشاريع موزّعة على المناطق، ما يعني إنماءً متوازناً، لأن ذلك يؤكّد ما ذهبنا إليه من أنه قائمة مشاريع موروثة محدّثة لا أكثر.
لجهة التوزيع القطاعي، فإن الحصّة الأكبر (في الدورتين الأولى والثانية) هي لقطاع النقل والمواصلات، وتبلغ نحو ثلث المبلغ الإجمالي (5.7 مليارات دولار تقريباً)، يليه نحو 21% للكهرباء، ثم باقي القطاعات.
لا يقتصر الأمر على التوزيع العامّ على القطاعات، بل إذا تمعنّا أكثر في المشاريع التي يتضمّنها كل قطاع، فسيتبيّن مثلاً تخصيص 7.4 مليارات دولار في الدورتين الأولى والثانية للمواصلات، من أصلها 1.134 مليار للطريق الدائري لبيروت خلده - أنطلياس، ثمّ تخصيص مبلغ إضافي قدره 487 مليون دولار في المرحلة الثالثة، بما يرفع المبلغ الإجمالي لهذا الطريق إلى 1.621 مليار دولار. ويتضمن البرنامج أيضاً تخصيص 1.240 مليار للطريق السريع ضبيه - نهر إبراهيم. فهل هذا فعلاً يعبّر عن أولويات المواطنين اللبنانيين؟
لا يختلف الأمر إذا نظرنا في قطاع المياه والري، ففي هذا القطاع الذي يبلغ مجموع مخصّصاته للدورات الثلاث 4.85 مليارات دولار، فإنه يتضمّن تخصيص 2.825 مليار دولار للسدود التي يؤكّد خبراء بيئيون كثيرون عدم جدواها، بل وضررها الأكيد على الثروة المائية وعلى البيئة عموماً. فهل يجوز الاقتراض من أجل ذلك؟ أما مشاريع شبكات المياه التي يخصّص لها 1.720 مليار على كلّ الأراضي اللبنانية، فهي تتضمّن قائمة شبه شاملة بالشبكات في كلّ الأقضية اللبنانية التي يفترض أنها تشكّل موضع عمل وزارة الطاقة والمياه منذ سنوات طويلة. والأمر نفسه ينطبق على الصرف الصحي، إذ هي قائمة طويلة من معامل التكرير وتأهيل الشبكات التي يفترض أنها تشكّل أيضاً العمل العادي للوزارات المعنية والبلديات.
السؤال المطروح هنا هو الآتي: هل هذه المشاريع كلّها ذات جدوى وذات أولوية؟ مع العلم أن ورقة رؤية الحكومة للاستقرار والنموّ والتشغيل التي قدّمت إلى مؤتمر سيدر تعترف بأن دراسات الأثر البيئي والاجتماعي لم تُنجز بالنسبة إلى كل المشاريع ويقتضي إنجازها، وهو ما سيسبّب تأخيراً في التنفيذ (لذلك، المهل المُحدّدة لكلّ دورة بأربع سنوات ليست دقيقة)، هذا على اعتبار أن دراسات الأثر كانت موضوعية وعلمية لا شكلية ونتائجها معروفة سلفاً. وثمّة مؤشّرات كثيرة على عدم جدوى بعض المشاريع حسب الخبراء كما هو الحال بالنسبة إلى السدود، وكذلك إلى التوسّع في بناء الطرق السريعة بدل التركيز على النقل العامّ (ما يأتي في البرنامج في هذا الصدد عامّ ومؤجّل مقارنة بالطرق)، وكذلك بالنسبة إلى النفايات الصلبة لجهة الاعتماد على المحارق. أي إنّ النتيجة ستكون أن لبنان سيقترض من أجل تنفيذ مشاريع بعضها ضارّ بالتأكيد، وبعضها الآخر ذو أثر تنموي ضعيف أو مشكوك فيه. كذلك إن بعضها الآخر قديم ويفترض أن يكون قد أُنجز أو يجب إنجازه من خلال الموازنات العادية للوزارات المعنية والبلديات ومجلس الإنماء والإعمار منذ سنوات.

عن الإصلاحات الموعودة
الإعلان الصادر عن مؤتمر سيدر يلخّص الإصلاحات المرغوب فيها من أجل تحسين الأداء الاقتصادي والمؤسّسي للبنان. وهي للأمانة لم ترد في صيغة شروط خارجية، بل باعتبارها تبنّياً لمضمون الإصلاحات التي اقترحتها الحكومة في رؤيتها للاستقرار والنمو والتشغيل التي عرضت في المؤتمر.
قراءة هذه الاقتراحات تولّد الحزن على ما وصلنا إليه، أكثر من أي شعور آخر. وفي ما يأتي بعض دوافعه:
• إن الإصلاحات المُشار إليها في الرؤية وفي الإعلان الختامي لمؤتمر سيدر، ليست إلا تكراراً للإصلاحات والأفكار نفسها التي سبق تقديمها في مؤتمرات باريس السابقة، وفي البيانات الحكومية للحكومات السابقة، دون أن ينفّذ منها سوى النزر اليسير (ولا يعني قولنا هذا أننا نعتبرها فعلاً إصلاحات حقيقية ولا أنها إجراءات مفيدة بالضرورة).
• إن الزعم أنها اقتراحات لبنانية ليس إلا زعماً شكلياً لا أكثر. ففي الرؤية الحكومية تسليم شبه كامل بما يراه ويقترحه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمم المتّحدة والاتحاد الأوروبي. كلّ رقم مذكور هو من إنتاجهم، وكلّ رأي وسياسة هما من اقتراحهم، وكلّ إثبات على صحّة أي تدبير هو من تقديرهم. لا وجود لرأي لبناني مستقلّ في أي من الأمور والاستشهاد بهذه المؤسّسات في كلّ شاردة وواردة بلغ حدّاً غير مقبول، بما يعني التسليم الكامل بوضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمالية والإصلاح المؤسسي في عهدتهم، من دون إشارات إلى احتمال الاجتهاد، ولو ضمن حدود.
• إن نصّ الرؤية الحكومية يعتبر أن الحكومات السابقة سبق أن سارت على طريق الإصلاح وأنجزت خطوات مهمّة، وأن الحكومة الجديدة ستسير على الطريق نفسه. ومن الأمثلة على ما تعتبره إصلاحات مثلاً، خطّة النفايات (المحارق)، وقانون الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ، وإقرار قانون النفط والغاز، وقانون المياه الذي سيطرح مجدّداً أمام البرلمان بصفة العجلة، وإقرار الموازنة، وبعض ما يُعَدّ إجراءات لمكافحة الفساد وحقّ الوصول إلى المعلومات، وما تضمّنته الموازنة وقانون السلسلة من وقف التوظيف في القطاع العامّ (الذي لم يُلتزَم به يوماً واحداً)، لا بل إن التعيينات الإدارية (التي جرت على أساس المحاصصة الغنائمية كما نعرف) هي أيضاً من الإنجازات/ الإصلاحات. أي ما يعدنا به سيدر هو استمرار السياسات الحكومية السابقة نفسها.
• طبعاً، لا تنسى الرؤية الحكومية تحميل الأزمة السورية واللاجئين السوريين مسؤولية رئيسية في تدهور الأوضاع، بما في ذلك في قطاعات مأزومة منذ عقود مثل الكهرباء (حتّى تدهور الطرقات ومشكلات المواصلات يجري تحمليهم حصّة منها!). ولا تنسى الرؤية التأكيد بلهجة حاسمة التزام الاتفاقيات والمشاريع الموقّعة مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك التطوّع لتأكيد أن البطالة بين الشباب اللبناني تدفعهم إلى التطرّف العنيف والتجنيد في الشبكات الإرهابية، وهو ما يحاول برنامج مكافحة التطرّف العنيف مع الاتحاد الأوروبي مكافحته - لحسن حظّ اللبنانيين.
إن الإعلان الختامي الصادر عن مؤتمر سيدر يكرّر الدعوة الكلامية العامّة إلى مكافحة الفساد ووقف الهدر، ويخصّص قطاع الكهرباء نظراً لما يستهلكه من موارد، وكذلك الدعوة إلى تحسين فعالية أداء الإدارة العامّة والإدارة المالية وتحسين الجباية، وإيلاء الأهمّية لقطاعات الكهرباء والمياه والنفايات الصلبة، وهو ما بدأنا نرى حماسة لدى المسؤولين اللبنانيين للتعامل معه كأولوية، ولكن من خلال حلول مُرتجلة وغير مستدامة غالباً، وضمن منطق التقاسم الغنائمي لا خارجه، بما ينفي عنه أي بعد إصلاحي فعلي.

خلاصة
لقد فشلت فشلاً ذريعاً في إيجاد جوانب إيجابية في مشروع سيدر، على رغم محاولتي الصادقة في ذلك. إن حجم الضحالة في ما هو معروض على اللبنانيين يدفع إلى التعجّب حقّاً، كأنْ لا معايير ولا قواعد للأداء المؤسّسي السياسي والاقتصادي. لا يقتصر ذلك على السياسيين وحدهم، بل أيضاً على كبار النافذين في قطاع الأعمال الذين يجدون في مشروع سيدر فرصة لعقود جديدة في البنية التحتية لتحقيق أرباح كبيرة وسريعة وتقاسم المغانم مع شركائهم السياسيين. ولا يغيّر من ذلك الزعم أنّ المشاريع ستتابع بدقّة من قِبل المانحين، فهذا لم يحصل من قبل، وقد يحصل بنسبة أعلى اليوم، ولكنّه لا يغيّر جوهرياً في واقع الأزمة الاقتصادية ومسارها.
أمّا وقد أنجزت الكتابة وتحوّلت إلى مواطن يقرأ ما كتبت، فإني نفسي أسأل: هل حقّاً نحتاج إلى هذا الجهد لإثبات ما يعرفه الناس بالبديهة والحسّ السليم؟ فهل من خطط وبرامج وإصلاح في بلد بات واضحاً أنه سيبقى طويلاً بلا حكومة، وبلا دولة؟

* مسشار في قضايا الفقر والتنمية