«حلّ مكان الخوف من طغيان الدولة، خوف جديد من طغيان أوليغارشية قوية تتلاعب بالسياسيين وتقوم بتشكيل المؤسّسات، وتسيطر على وسائل الإعلام لتعزيز وحماية الإمبراطوريات الخاصّة بها، على حساب المصلحة العامّة... إنها أوليغارشية تقوم بالاستيلاء على الدولة»

«الاستيلاء على الدولة، الفساد والنفوذ في المرحلة الانتقالية» ـــ ورقة عمل صادرة عن البنك الدولي

كرّست الانتخابات النيابية الأخيرة، الحكم الأوليغارشي على حساب الديموقراطية في لبنان، عبر اعتماد قانون انتخابي هجين شرّع ظاهرة المال السياسي بشكل خطير. إذ وصل الإنفاق الانتخابي إلى 700 مليون دولار أميركي، وفقاً لـ«الدولية للمعلومات»، بينما لم يتعدَّ الـ260 مليون دولار أميركي في كلّ من فرنسا والمملكة المتّحدة، مع الفارق الكبير في عدد السكّان والمساحة! وهذا يعني أن قسماً كبيراً من النواب المنتخبين، سيكونون إمّا أصحاب ثروات أو مدينين لأصحاب ثروات موّلوا حملاتهم الانتخابية، ويعني أيضاً أن التشريع ستحكمه مصالح الأغنياء، لا مصالح المواطنين والعمّال الذين يشكّلون الشريحة الأوسع من الشعب.
يتنافى هذا الواقع مع جوهر الديموقراطية التي تعني حكم الشعب للشعب. لقد لخّص أرسطو الفرق بين الحكم الأوليغارشي والحكم الديموقراطي بأنّ «الأوليغارشية تحكم لمصلحة الأغنياء، بينما الديموقراطية تحكم لمصلحة المحتاجين». والانتخابات على أهمّيتها كإحدى الإجراءات الضرورية تبقى غير كافية لتحقيق الديموقراطية. خصوصاً أن الديموقراطية الحقيقية تشمل المساواة والعدالة الاجتماعية المكرّسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي كافحت في سبيلها الشعوب.


قد يكون انخفاض حصّة مداخيل العمّال في لبنان نسبة إلى الناتج المحلّي من أبرز سمات تراجع الديموقراطية. يشكّل العمّال الشريحة الأكبر من الشعب والعمود الفقري للاقتصاد والمجتمع (أساتذة مدارس وجامعات، عمال وموظفون، أطباء ومهندسون، صحافيون، قضاة، عسكريون وضباط، موظّفو الدولة...)، إلّا أن حصّتهم من الناتج المحلّي الإجمالي لم تتعدَّ الـ25% في عام 2012، وهي تراجعت من 40% في عام 1992، على رغم توقف الحرب واستقرار سعر صرف الليرة، وبعد أن كانت تشكّل 50 إلى 55% قبل الحرب. اللافت أنّ هذه النسبة التي تشمل التقديمات الاجتماعية، حتى بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب، لا تزال من الأدنى في العالم، وفقاً لإحصاءات مؤشّرات التنمية المستدامة الصادرة عن الأمم المتحدة. ويقدّر كمال حمدان، هذه الحصّة بما يتراوح بين 28 إلى 30% حالياً، في حين تقارب الـ50% في كلّ من اليونان وقبرص، والـ58% في فرنسا، و60% في بلجيكا، و65% في سويسرا.
هذا الواقع هو نتيجة سياسات اتبعتها السلطة منذ عام 1993 في أعقاب الحرب الأهلية، وأدّت إلى ضرب العمل النقابي وتشتيت القوى العاملة وإضعاف قدرتهم التفاوضية من أجل كبح الأجور وإبقائها عند مستويات منخفضة جدّاً. وبالتالي لم يأتِ هذا التدهور الخطير في حصّة الأجور نتيجة قوى السوق، بل من سياسات مستوحاة من توصيات آباء النيوليبرالية في «مدرسة شيكاغو للاقتصاد»، بزعامة الاقتصادي المتعصّب للسوق ميلتون فريدمان، الذي يعتبر النقابات العمّالية عائقاً أمام تقدّم الرأسمالية كونها تطالب بزيادة الأجور وتحسين أوضاع العمّال، وهو الأمر الذي يؤدّي إلى زيادة الكلفة على أصحاب رأس المال فتنخفض أرباحهم. واللافت هنا، أن المنطق النيوليبرالي يؤكّد (من حيث لا يدري ربّما) صحّة ما قاله كارل ماركس، عن أن أرباح الرأسماليين تنبع بمعظمها، من قدرة استغلالهم للعمّال، عبر كبح الأجور إلى أدنى الحدود المُمكنة.

أحداث مفصلية في التاريخ النقابي ما بعد الطائف
بداية، لا بدّ من تلخيص بعض الأحداث المفصلية في التاريخ الاقتصادي والنقابي في مرحلة ما بعد الطائف:
• خلال عام 1992 جرت عملية كبيرة من المضاربات على الليرة شاركت فيها أهمّ المصارف اللبنانية، وأدّت إلى انهيار سعر صرف الليرة تجاه الدولار بشكل دراماتيكي، من عتبة الـ900 ليرة في شباط/ فبراير 1992 إلى 2500 ليرة في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه. حصل ذلك بتواطؤ أرفع أركان السلطة آنذاك للإطاحة بحكومة الرئيس عمر كرامي. حتّى أن مصرف لبنان أعلن نهار الأربعاء في 19 شباط/ فبراير 1992، فجأة وبشكل يثير الكثير من الريبة، توقّفه عن التدخّل في سوق القطع، بعد أن نجح في تثبيت سعر الصرف حوالى السنة على عتبة الـ900 ليرة. شهدت البلد في 6 أيار/ مايو 1992 تظاهرات لم تخلُ من العنف، وكان متّفق عليها بين بعض أركان السلطة ورئيس الاتحاد العمّالي العامّ آنذاك أنطوان بشارة، وأدّت إلى استقالة حكومة الرئيس عمر كرامي.
• في آذار/ مارس 1997، قرّرت السلطة الإطاحة برئيس الاتحاد العمّالي العامّ الياس أبو رزق، ومنع إعادة تفعيل الاتحاد العمّالي في مواجهة الأجندة النيوليبرالية للسلطة. فاقتحمت قوّة من الأمن الداخلي، مقرّ الاتحاد العمّالي في 24 آذار/ مارس للتدخّل في الانتخابات التي حصلت بإشراف منظّمة العمل الدولية، أمام أعين العالم وعدسات وسائل الإعلام. وفرضت مرشّحها غنيم الزغبي بالقوّة، كرئيس للاتحاد العمّالي! كما، لم تتوانَ السلطة من اعتقال أبو رزق والأمين العام للاتحاد العمّالي آنذاك ياسر نعمة.
• في 22 شباط/ فبراير 2012، تمّت الإطاحة بوزير العمل شربل نحّاس، بعد أن سعى إلى تكريس حقوق العمّال عبر مشروع جذري لتحسين أوضاعهم وتصحيح أجورهم، وضمّ بدلات النقل إلى الأجر، وزيادة التقديمات الاجتماعية لتشمل التغطية الصحّية وتمويلها عبر زيادة الضرائب على النشاطات الريعية، أيّ المصارف والفوائد والقطاع العقاري. دُفع نحّاس إلى الاستقالة، بعد تخلّي التيار الوطني الحرّ عنه، وتواطؤ السلطة السياسية مع الهيئات الاقتصادية التي «تطاع ولا تطيع» على حدّ تعبير رئيس جمعية تجّار بيروت. حتّى الاتحاد العمّالي العامّ برئاسة غسان غصن لم يتوانَ عن الوقوف إلى جانب السلطة والهيئات الاقتصادية ضدّ حقوق العمّال، ووصل به الأمر إلى تقديم شكوى مشتركة مع الهيئات الاقتصادية في شباط/ فبراير 2012، ضدّ نحّاس، لدى «منظّمة العمل الدولية» لخفض الحدّ الأدنى للأجور في سابقة صادمة!
• في 25 كانون الثاني/ يناير 2015، تحالفت قوى 8 و14 آذار «المتناحرة» آنذاك، للإطاحة برئيس هيئة التنسيق النقابية حنّا غريب، بعد النجاح الكبير الذي حقّقه في استنهاض واستقطاب القوى العاملة، في سبيل تصحيح الأجور وإقرار سلسلة الرتب والرواتب، التي أقرّت بعد حوالى السنتين بفضل جهود هيئة التنسيق بعد إزاحة نعمة محفوض أيضاً في 8 تموز/ يوليو 2017 من رئاسة المجلس التنفيذي لنقابة معلّمي المدارس الخاصّة.
يقول نجيب عيسى في كتابه «سوق العمل وأزمة التشغيل في لبنان»، أن «عدد النقابات شهد ازدياداً كبيراً منذ بداية تسعينيات القرن الماضي عملاً بقاعدة فرّق تسد، وبات عدد النقابات المرخّصة 472 نقابة. والأخطر أن الكثير من النقابات هي أقرب من أن تكون نقابات وهمية لا يتخطَّ عدد المنتسبين إليها السبعة أعضاء».
لقد نجحت السلطة السياسية بضرب الحركة النقابية وتشتيت القوى العاملة ومطالبها، حتّى بات لكلّ فئة من العمّال إضراباتهم ومطالبهم المختلفة من موظّفي القطاع العامّ، إلى المياومين في مؤسّسة كهرباء لبنان، والأستاذة المتعاقدين، إلى العسكريين المتقاعدين، والمتطوّعين في الدفاع المدني، إلى سائقي النقل العمومي... وعكست هذه الانقسامات في الحركة العمّالية إلى حدّ ما الانقسامات السياسية والطائفية في البلد، حتّى أن القوى السياسية راحت تستعملها في الصراعات في ما بينها.

التأثيرات على أوضاع العمّال
• على صعيد الأجور: تمكّن تحالف السلطة والمال من كبح الأجور لفترات طويلة عبر ضرب العمل النقابي، وأدّى ذلك إلى خسارة العمّال الكثير من قدراتهم الشرائية نتيجة التضخّم المتراكم. لقد سجّل مؤشر أسعار الاستهلاك بين عامي 1996 و2007 زيادة تراكمية بلغت نحو 65%، في حين بقي الحدّ الأدنى للأجور خلال الفترة نفسها عند 300 ألف ليرة لبنانية (200 دولار فقط). وهو ما يعني أن الأجور فقدت على الأرجح نحو 40% من قدراتها الشرائية. ويقدّر عبد الحليم فضل الله في كتابه «فخّ اللامساواة»، فقدان الأسر اللبنانية ما «بين ثلث ونصف قدراتها الشرائية بين عامي 1997 و2007».
في عام 2008، رُفع الحدّ الأدنى للأجور إلى 500 ألف ليرة (330 دولاراً)، ومع ذلك بقي الحدّ الأدنى دون خطّ الفقر المدقع الذي قدّر في عام 2005 بنحو 360 دولاراً في الشهر للأسرة المكوّنة من خمسة أفراد. ومن ثمّ رُفع الحدّ الأدنى إلى 675 ألف ليرة في عام 2012 (450 دولاراً). وهو لا يلبّي الحاجات الضرورية للأجير وعائلته وفق ما ينصّ عليه قانون العمل اللبناني الصادر عام 1946.
• على صعيد التقديمات الاجتماعية والصحية: يقول نجيب عيسى أن نحو نصف القوى العاملة الفعلية لا يحظى بضمان صحّي وفق البيانات المتوافرة بين عامي 2004 و2007. وتفيد دراسة، صادرة عن البنك الدولي في عام 2010، أن 44% من القوى العاملة الفعلية يستفيدون من أنظمة التأمين الاجتماعي، بينما لا يستفيد إلّا 20% من الذين تخطوا سنّ الـ65 عاماً من المعاشات التقاعدية، فيما العاملين في القطاع الخاصّ لا يستفيدون من أي نظام للتقاعد. أمّا تعويضات نهاية الخدمة التي يقدّمها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا تشمل أكثر من 30% من العاملين في القطاع الخاصّ، على رغم أن هذا التعويض لا يشكّل ضماناً فعلياً للشيخوخة كونه لا يوازي، في أحسن الأحوال، إلّا ما يزيد قليلاً على مجموع رواتب 3 سنوات من العمل، وذلك إذا افترضنا أن عدد سنوات العمل وصل إلى 40 عاماً، وهو أمر نادر جدّاً.
في المحصلة، نستنتج أنّ العمّال في لبنان لا يحظون بشبكات أمان اجتماعية حقيقية تضمن لهم صحّتهم وشيخوختهم وتوّفر لهم حياة كريمة. الأمر الذي يتنافى مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لا سيّما المادة 25 منه، التي تنصّ على أن «لكلّ شخص حقّاً في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحّة والرفاهية له ولأسرته، خصوصاً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبّية والخدمات الاجتماعية الضرورية».

* أستاذ جامعي، وباحث في الاقتصاد السياسي

قائمة المراجع والمصادر

باللغة العربية
نجيب عيسى، «سوق العمل و أزمة التشغيل في لبنان»، دار الفارابي، 2018
فواز طرابلسي، «الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان»، دار الساقي، 2015
عبد الحليم فضل الله، «فخ اللامساواة»، دار الفارابي، 2017
ألبر داغر، «لبنان المعاصر: النخبة والخارج وفشل التنمية»، المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، 2017
مجموعة مؤلفين، «نهوض لبنان، نحو دولة الإنماء»، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، دار النهار
عبد الرؤوف قطيش «ضرائب الدخل على الشركات في لبنان»، دار الخلود، 1991
منصور بطيش، «المالية العامة، إيرادات الدولة اللبنانية واقع وتطلعات»، دار سائر المشرق، 2017
مراد دياني، «حرية - مساواة - كرامة إنسانية»، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016
باسل البستاني، «الإنسانية في مواجهة النيوليبرالية»، مركز دراسات الوحدة العربية، 2018
«انتخابات مجلس النواب اللبناني 2018»، الدولية للمعلومات

باللغة الإنكليزية
Naomi Klein, «The Shock Doctrine», Penguin Books, 2008
John Maynard Keynes, «The General Theory of Employment, Interest, And Income», First Harvest/Harcourt Inc, 1964
Thomas Piketty, «Capital in the Tewnty-First Century», Harvard University Press, 2014
Francis Fukuyama, «The Origins of Political Order», Farrar Straus and Giroux, New York, 2011
Kaufmann, Daniel and Pedro Vicente, «Legal Corruption», World Bank, 2005
Hellman, Jones &Kaufmann, «Seize the State, Seize the Day: State Capture, Corruption, and Influence in Transition», Policy Research Working Paper; No. 2444, World Bank, 2000
Klaus Schwab, «The Global Competiveness Report 2017-2018», World Economic Forum
Jean-Jacques Rousseau, «On the Social Contract», translated by G.D.H. Cole, Dover Publications, 2003 .

مواقع إلكترونية
إحصاءات الأمم المتحدة، قاعدة بيانات مؤشرات التنمية المستدامة، https://unstats.un.org/sdgs/indicators/database
موقع بيانات ومؤشرات البنك الدولي، www.data.worldbank.org
موقع وزارة المالية، www.finance.gov.lb
موقع مصرف لبنان، www.bdl.gov.lb
إدارة الإحصاء المركزي، www.cas.gov.lb
موقع صندوق النقد الدولي، www.imf.org