«ليس هناك جزء من نظامنا الاقتصادي يعمل بشكل أسوأ من ترتيباتنا النقدية والائتمانية، التي أكثر من غيرها، تكون نتائج عملها السيّئ كارثية على المستوى الاجتماعي، لكنها هي أيضاً الأكثر سهولة لطرح الحلول العلمية»

جون ماينارد كينز

تدور اليوم نقاشات واسعة في الولايات المتّحدة الأميركية حول أهمّية (أو بالأحرى عدم أهمّية) الدَّيْن العام، وذلك بعد عقود من سيطرة الفكر الاقتصادي الذي قال بعدم جواز أن يكون للدولة عجوزات مالية، لأن ذلك سيؤدّي، في النهاية، إلى التضخّم وطرد الاستثمار الخاصّ وغيرها من «العلل» الاقتصادية التي ألصِقت بالمرحلة الكينزية، التي دامت من أربعينيات القرن الماضي إلى سبعينياته في الدول الرأسمالية المتقدّمة.
أول هذه النقاشات، في ما يُسمّى «النظرية النقدية الحديثة» (Modern Monetary Theory). ومن أهمّ طروحاتها، وأكثرها جرأة، أنه في دولة مثل الولايات المتّحدة، حيث تستدين الدولة بعملتها المحلّية، تستطيع الحكومات أن تستدين ما شاءت لأنها تمتلك القدرة على أن تطبع هذه العملة بنحو لا متناهٍ.
ثاني هذه النقاشات يدور حول سؤال: هل الخوف من الدَّيْن العام الذي ساد كالنار في الهشيم في السنوات الماضية مبررٌ؟ الجواب الضمني الذي أتى من أوليفيير بلانشارد في محاضرته في الجمعية الاقتصادية الأميركية في كانون الثاني/ يناير الماضي هو: كلا، ولكن بشرط أن تكون الفائدة الآمنة على سندات الخزينة الأميركية أقل من النموّ الاقتصادي. وهذا الشرط كفيل بأن يجعل الدَّيْن العام أمراً عادياً وليس «البعبع» الذي يخيف الدول.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

النقاش الأوّل، بالطبع لا ينطبق على لبنان، لأن لبنان لا يستطيع أن يطبع الدولار الأميركي، على الرغم من محاولاته اليائسة الأخيرة في شبه-الطبع (quasi-printing) عبر الحصول على مساعدات خارجية، ومنها بذريعة اللاجئين السوريين، والريع السياسي من الدول الإقليمية المتحاربة عبر وكلائهم المحلّيين (proxies)، وصولاً إلى «الهندسات المالية» للمصرف المركزي، والآن التفكير ببيع الأصول المحلّية. وكلها إجراءات تشبه طبع العملة، ولكنّها ليست كذلك بالطبع.
أمّا النقاش الثاني، فهو مهمّ في لبنان، لأنه يتعلّق بالعلاقة بين الفوائد والنموّ. ومن دون هذا الشرط يستمرّ ارتفاع الدَّيْن إلى الناتج. وهذا الارتفاع لا يمكن أن يستمرّ إلى الأبد. ففي لبنان، كانت الفائدة باستمرار أعلى من النموّ الاقتصادي، وكانت هذه العلاقة أساسية، ليس فقط في تنامي الدَّيْن العام منذ 1993، ولكن أيضاً في تركّز الثروة وارتفاع حصّة الرأسمال من الناتج المحلّي على حساب الأجراء والموظّفين والعمّال. كذلك إن الفوائد العالية وضعت الاقتصاد في حالة ركود مستمرّة، وهذا أمر بدوره يعني انخفاض النموّ، ما يعني أن الخروج من علاقة تكون فيها الفائدة أعلى من النموّ أصبح مستحيلاً من دون إجراءات جذريّة تتعلّق بالدَّيْن وفوائده.

ما العمل في مواجهة التراكم التسارعي للدَّيْن العام؟
أتى تقرير غولدمان ساكس (الذي نسِيَتْه الآن الأكثرية بعد تشكيل الحكومة) ليوقظ البعض من سبات «أن كلّ شيء على ما يرام»، ومن وهم أن تراكم الدَّيْن العام سيختفي من تلقاء نفسه. فالتقرير، على الرغم من كلّ أخطائه، وضع إمكانية إعادة الهيكلة على الأجندة، ولو مؤقتاً. طبعاً، إن إعادة الهيكلة إحدى الطرق التي اتبعتها، أو يمكن أن تتبعها الدول من أجل الحدّ من تراكم الدَّيْن، ولكن هذا لا يعني أن الأمور في لبنان وصلت اليوم هذا الحدّ، ففي جعبة الدولة اللبنانية بعض الإجراءات التي يمكن أن تقوم بها، غير التقشّف المزعوم، وغير أي من سبل شبه-طبع العملة الآنفة الذكر.
في هذا الإطار، لا بدّ أوّلاً، من طرح السؤال عن معدّل الفائدة في لبنان بعد أن أستنفدنا، حتّى الغثيان، مسألة النموّ، أو ما يُقال عن «تكبير حجم الاقتصاد» من دون طائل. فمن أساطير الاقتصاد في لبنان، أن «لعبة الأسواق»، هي التي تحدّد الفائدة، وأن المخاطر السيادية ومخاطر سعر الصرف، وإلى ما ذلك من «مخاطر»، تجعل الفائدة مرتفعة جدّاً، وأن هذا واقع لا يمكننا فعل أي شيء حياله. لكن الواقع الحقيقي هو غير ذلك. فالأسواق المالية كانت دوماً احتكارية حيث لدى المصارف الكبرى المقدرة على التحكّم بها، فكانت العوائد الزائدة في فترات عديدة مرتفعة جدّاً. وكان المصرف المركزي متكيّفاً مع هذه المعدلات المرتفعة، لأن الأهداف النقدية تغلّبت على الأهداف الاقتصادية.
بنحو سريع، ما يمكن أن يفعله المصرف المركزي، اليوم، أن يغيّر من سياساته ويخفض الفائدة الطويلة الأمد عبر اتفاق مع وزارة المالية على إصدار سندات حكومية عالية الآجال، وشرائها من قِبَل المصرف، وذلك عبر طبع العملة أو استبدال السندات القصيرة الأجل لديه. وهذه الإجراءات يجب أن تستكمل بعد ذلك بإجراءات «القمع المالي» (financial repression).

القمع المالي لخفض الفوائد
في لبنان، ما هو متاحٌ، اليوم، في عكس العلاقة بين النموّ الاقتصادي والفائدة، هو خفض الفائدة. وهذا القمع أو «التحرّر المالي» كما أطلق عليه أحد المعلّقين، بدأ يعود إلى كونه شائعاً بعد أن اختفى في الثلاثين عاماً الماضية. فوفق مقالة للاقتصاديين كارمن رينهارت وجاكوب كيجغارد، فإن القمع المالي عاد إلى الواجهة بعد الأزمة المالية العالمية وأزمة منطقة اليورو، وفي الأخيرة كبديل من التقشّف ذي الكلفة العالية والذي يؤدّي إلى انخفاض النموّ، بما يزيد الطين بلّة بدلاً من أن يكون حلاً. ويعمل هذا القمع عبر خفض الفائدة الاسمية على الدَّيْن (ما يخفّض خدمة الدَّيْن)، وعلى جعل الفائدة الحقيقية بعد التضخّم سلبية، ما يخفّص الدَّيْن إلى الناتج ويشكّل ضريبة على المدّخرين، أي إنها إعادة توزيع من المدّخرين إلى المدينين، إن في القطاع العام أو في القطاع الخاص. ويشير رينهارت وكيجغارد أنه في منطقة اليورو، وفي إنكلترا بين عامي 2008 و2012، تحوّلت الفائدة الحقيقية إلى سلبية، والمثير للاهتمام أن هذا حصل، ليس فقط عبر العمليات التوسّعية للمصرف المركزي الأوروبي أو لمصرف إنكلترا، بل أيضاً عبر التدخّل المباشر في جعل المصارف وصناديق التقاعد تحمل الدَّيْن الداخلي بفوائد متدنية. بالتحديد يقولان في هذا المجال: «قد تكون الطرق الأخرى لاستحداث، أو زيادة الطلب على الدَّيْن الحكومي أكثر مباشرة. على سبيل المثال، في ذروة الأزمة المالية، كان على المصارف البريطانية الاحتفاظ بحصّة أكبر من سندات الحكومة البريطانية في محافظهم الاستثمارية. وبالتالي، إن العملية التي يجري فيها «وضع» الديون بأقل من أسعار الفائدة في السوق في صناديق المعاشات التقاعدية وغيرها من المؤسّسات المالية المحلّية الأسيرة تجري بالفعل في العديد من البلدان في أوروبا. وفي إسبانيا، جرت العودة أخيراً إلى شكل من أشكال السقوف على سعر الفائدة على الودائع المصرفية».
الغريب في هذا الأمر، أنه إذا قارنّا مع لبنان، فإن الحلقة الأضعف في الترويكا المحلّية ليست المصارف، بل الدولة التي بدءاً من 1993، بدل أن تجبر المصارف على الاكتتاب بسندات الخزينة بفوائد متدنّية لأنها مؤسّسات مالية «أسيرة» لا تجد لنفسها مكاناً آخر لتوظيف سيولتها الزائدة، أصبحت الدولة هي «الأسيرة» وتدفع الفوائد العالية على سنداتها. في هذا الإطار، إن توظيف المصارف للأكثرية الساحقة من أموالها في سندات الخزينة اللبنانية وفي أدوات الاستثمار لدى المصرف المركزي، يجعل من الدولة والمصارف قادرةً، اليوم، أكثر من ذي قبل على قلب الطاولة على «الأسواق المالية» وتحديد الفائدة بما يتناسب مع استدامة الاستدانة العامّة والنموّ الاقتصادي.
لكن عدم حصول هذا يؤكّد مرّة أخرى، العالم المقلوب على رأسه في لبنان. ويؤكّد أيضاً أنه في هذا البلد، المدّخرون هم ليسوا مجموعة من الأفراد المجهولين، بل هم طبقة مالية لديها السلطة أو اليد العليا في الاقتصاد اللبناني. لكن في هذا الإطار، إن الطبقة المالية في العالم وفي لبنان التي تستفيد من الدَّيْن تكون في بعض الأحيان على حدّ السكين، بين حدّ الاستفادة ما دام الدَّيْن لا يهدّد عائداتها، وبين حدّ احتمال خفضها عبر التضخّم أو إعادة الهيكلة أو عدم الدفع أو رفع الضرائب على الربح أو «القمع المالي». إذاً هذا الرأسمال يسير على خطّ رفيع بين تراكم الدَّيْن وأخطاره.
وبما أنهم طبقة وليسوا أفراداً، لا بدّ هنا من استرجاع بعض من التاريخ المهمّ نظرياً اليوم. في سنوات العشرين حصل نقاش واسع في الاتحاد السوفياتي في سبل التصنيع. أراد اليمين بناء الاشتراكية على عربة الفلّاحين، أمّا اليسار فأراد استعمال شروط التبادل التجاري من أجل «استغلال» القطاع الزراعي، وبناء الصناعة عبر شراء السلع الزراعية بأقلّ من سعرها الحقيقي وبيع السلع الصناعية بأكثر من سعرها. في النهاية، أتى الحلّ الستاليني، لا ذاك ولا ذاك، بل كان بتصفية الفلّاحين الأغنياء، أو الكولاكيين كطبقة. إذاً اليوم في لبنان، إذا كنّا لا نريد أن نستعمل النظام الضريبي، ولا نريد أن نستمرّ بركوب عربة «الأسواق المالية»، فنحن واقعياً أمام أمرين: أمّا سياسة أسعار جديدة أي القمع المالي، وأمّا الحلّ الستاليني بتصفية حملة السندات كطبقة، الذي طرحته غولدمان ساكس عندما رأت أن استدامة الاستدانة يتطلّب مصادرة 65 سنتاً لكلّ دولار من حملة السندات، وهذا شبيه بما واجهه الكولاكيون في ثلاثينيات القرن الماضي. فأيهما يريدون الحلّ العلمي أم الحلّ القسري؟