منذ تأليف الحكومة الجديدة، انخفض منسوب الحديث الإعلامي عن الأزمة الاقتصادية في لبنان ومخاطرها المالية والنقدية. وتراجعت التصريحات المُحذّرة من نفاد الوقت والحاجة إلى التحرّك سريعاً قبل فوات الأوان، كما خفتَت الاحتجاجات على البرامج المُقترحة لحماية الدَّائنين وسعر الليرة عبر المزيد من التقشّف والكثير من الهندسات المالية ورفع أسعار الفائدة.

لكن الأزمة ومخاطرها لا تزال تتفاقم باطراد. ففي سوق القطع، يستمرّ الطلب على الدولار بقوّة، ووفق المصادر المصرفية، يأتي نصف هذا الطلب تقريباً من عمليات تحويل مستمرّة للودائع من الليرة إلى الدولار، ونصفه الآخر من المستوردين الذين يواجهون صعوبات جدّية في فتح الاعتمادات لتسديد ثمن البضائع التي يستوردونها. ويواصل مصرف لبنان هندساته المالية المُكلِفة، التي يقوم بها مع المصارف لجذب المزيد من الدولارات إلى حساباته وتعويض النزف في موجوداته بالعملات الأجنبية، وهذا أدّى إلى رفع أسعار الفائدة على الودائع بالدولار لدى المصارف إلى مستويات خطيرة جدّاً، إذ بات بعضها يعرض أسعار فائدة تصل إلى 11.6%، في مقابل تجميد الوديعة بالدولار لمدّة 5 سنوات.
في الإحصاءات التي يصدرها مصرف لبنان، يتبيّن أن موجوداته بالعملات الأجنبية انخفضت في الشهر الأوّل من هذا العام إلى 31.9 مليار دولار، بالمقارنة مع 35.2 مليار دولار في الشهر نفسه من العام الماضي، أي أقل بنحو 3.3 مليارات دولار في غضون سنة، علماً بأنها انخفضت نحو 582 مليون دولار في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي وحده. كذلك، سجّل ميزان المدفوعات في الشهر نفسه عجزاً قياسياً تاريخياً بلغ ملياراً و379 مليون دولار، وهو أعلى مستوى عجز يُسجّله لبنان في شهر واحد، علماً بأن قيمة العجز الفعلية هي أعلى من القيمة المُعلنة، ويشير ميزان المدفوعات إلى خروج الأموال من لبنان بقدر أعلى بكثير من الأموال التي تدخل إليه، وهذا الواقع مستمرّ منذ عام 2011، وقد بلغ مجموع العجوزات الفعلية التراكمية حتى نهاية الشهر الأول من هذا العام نحو 17.5 مليار دولار تقريباً، أي أن العجوزات المتتالية في السنوات الثماني الأخيرة استنزفت نحو 64% من مجمل الفوائض التي تحقّقت في 18 سنة بين عامي 1993 و2010.
على الصعيد المالي، فاق العجز العام الماضي 6 مليارات دولار، وإذا أضيفت المتأخّرات، أي النفقات المتوجّبة السداد التي تؤجّل وزارة المال تسديدها، قد يصل العجز الفعلي إلى أكثر من 7 مليارات دولار. وقرّرت الحكومة، ووافقها مجلس النواب، أن تواصل الإنفاق هذا العام وفقاً للاعتمادات نفسها في العام الماضي، مع الأخذ بالاعتبار ارتفاع الإنفاق على مدفوعات الفائدة والرواتب والأجور ومعاشات التقاعد، ما يعني أن العجز سيزداد والدَّيْن العام سيزداد أيضاً.
وعلى صعيد العجز الخارجي، الذي تتراوح تقديراته بين 9 مليارات و12 مليار دولار سنوياً، ويشكّل أكثر من ربع الناتج المحلّي لعام 2018، من المرجّح أن يتفاقم أكثر في ظل تراجع صافي التحويلات من العاملين في الخارج وتراجع صافي التدفّقات المرتبطة بالسياحة وتراجع صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمحافظ المالية أو الودائع المصرفية. ووفق مذكرة ما سُمّي «الفريق الاقتصادي» في جمعية مصارف لبنان، فإن تمويل العجز المالي والعجز الجاري يفرض أن يكون الجهاز المصرفي (المصارف ومصرف لبنان) قادراً على زيادة الودائع بالعملات الأجنبية 7% سنوياً. إلّا أن التقرير الأخير لجمعية المصارف أشار إلى أن ودائع المقيمين بالليرة تراجعت بنسبة 2% في الشهر الأوّل من هذا العام، وتراجعت ودائع المقيمين بالعملات الأجنبية بنسبة 0.6%، كما تراجعت ودائع غير المقيمين بنسبة 1.9%، وبلغت الدولرة نسبة 70.87%. وأوصت الجمعية برفع سعر الفائدة المرجعية اعتباراً من أوّل نيسان/ أبريل إلى 9.52% على الدولار وإلى 13.06% على الليرة.
يحصل كل ذلك، فيما الحكومة الجديدة لم تفعل شيئاً طوال الشهرين الماضيين من عمرها. تصرّفت حتّى الآن كما تصرّفت كلّ الحكومات السابقة في مراكمة المزيد من العجوزات والديون. جدّدت تمسّكها بالسياسات النقدية والضريبية المُعتمدة على مدى ربع القرن الماضي، ووضعتها خارج أي بحث أو نقاش. واستمرّت بإنفاق المال العام خارج الأصول الدستورية والقانونية، فلم تضع قانون الموازنة، ولم تظهر أنها مستعدّة للعودة إلى «الانتظام العام» بعد إنجاز المديرية العامّة للمالية العامّة «المهمّة المستحيلة» وأعادت تكوين الحسابات المالية للدولة المعلّقة بين عامي 1993 و2017. وقد أعلنت الحكومة بصراحة ووضوح أن خيار إعادة هيكلة الدَّيْن العام «غير مطروح على الإطلاق»، وجدّدت التزامها «التاريخي» بضمان مصالح المودعين والمصارف وحملة سندات الدَّيْن السيادية بوصفها مصالح عليا لا تُمسّ، وتقيّدت بتسديد كل الاستحقاقات والفوائد في التواريخ المُحدّدة لها «من دون أي إجراء آخر»، حتّى لو استنزفت كلّ الإيرادات الضريبية. وواصلت الحكومة الحالية كلّ الخطط نفسها للحصول على المزيد من القروض الخارجية وإبرام المزيد من عقود الشراكة مع القطاع الخاص... وتحاصص ما تبقّى من الدولة وريوعها ووظائفها.
لم تقم الحكومة بأي عمل أو تُقدِّم أي وعد يمكن أن يفسّر انخفاض منسوب الحديث عن الأزمة ومخاطرها. وليس خافياً أن «الائتلاف» المُسيطر على مجلس النواب والوزراء ليس متوافقاً حتّى على تنفيذ ما تسمّيه حكومته «التزامات سيدر أو باريس 4» و«أفكار ماكينزي»، التي كلّف وضعها على شرائح Power Point نحو 1.4 مليون دولار. فلا يوجد توافق على من يجب خفض الإنفاق عليه وحرمانه من الدعم والحماية أو الامتيازات والمنافع، ولا يوجد توافق أيضاً على من يجب زيادة الضرائب عليه وتحميله القسط الأكبر من الكلفة. في حين أن بعض الأطراف في السلطة يطرح سياسات «حمائية» انتقائية على صعيدَي الإنتاج والعمالة وتداول رأس المال، ولا سيّما في ظلّ ظروف تدهور أوضاع الكثير من اللبنانيين المغتربين وانخفاض التمويل السياسي الخارجي. في المقابل، يكافح البعض الآخر للمحافظة على النموذج الاستهلاكي القائم ويصرّ على سياسة «الأسواق المفتوحة» أو «الحدود المفتوحة» للسلع ورأس المال والتحويلات والأفراد.
من الخطأ اعتبار أن الجميع مثل بعضهم، فهذا يجافي المنطق، ولا علاقة للاختلاف بينهم بثنائية الأخيار والأشرار، فقد يكونون جميعهم أشراراً، لكن هذا لا يعني أنهم يمثّلون المصالح السياسية والقوى الاجتماعية نفسها. وعلى أي حال، لم تعد هذه «الالتزامات» و«الأفكار»، المُختلف في شأنها، كافية للذين وضعوها واعتبروا أنها تشتري لهم المزيد من الوقت. تجدر الملاحظة الى أن كلفة برنامج «التقشّف» المطروح ترتفع مع تقدّم الوقت، وترتفع معها درجة الاختلاف بين أطراف «الائتلاف» الحاكم. وقد بدأ الهمس في الاجتماعات المُغلقة أن خبراء البنك الدولي والمصرفيين ووكالات التصنيف ورعاة «سيدر» الخارجيين باتوا يطالبون الحكومة بمضاعفة التزامات «التقشّف»، فما كان صالحاً وفق حسابات عام 2017 لم يعد صالحاً اليوم بعد تنامي العجز المُحقّق عام 2018 إلى أكثر من 6 مليارات دولار، أو نحو 10.5% من مجمل الناتج المحلّي المُقدّر في العام نفسه. وفق هؤلاء، كان يمكن ضبط التدهور عام 2018 لو خفّضت الحكومة عجزها المالي بنسبة 1% من مجمل الناتج سنوياً، على مدى 5 سنوات، ولكن مع تطوّر العجز وتباطؤ نموّ الناتج، أصبحت تحتاج إلى خفض بين 1.5% و2% من مجمل الناتج المحلّي، أي خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات بما يصل إلى 1.2 مليار دولار هذا العام وحده، وهذا القدر من التقشّف يعدُّ كبيراً وموجعاً جدّاً، ومن الصعب أن يُقدِم عليه السياسيون من دون حساب أثره على مصالحهم الانتخابية ومواقعهم في السلطة ومكامن قوّتهم في المجتمع والاقتصاد.
الأزمة تتفاقم ومخاطرها ترتفع، والاختلافات بين أطراف السلطة في مواجهتها تتعمّق، وكل ما يحصل يدفع إلى المزيد من القلق، ولا يوجد أي سبب لهذا الاطمئنان الغريب السائد.