القصّة نفسها تتكرّر في كل زمان ومكان في هذا العالم، حيث تُجبَر الطبقة العاملة على بذل المزيد من التضحيات لتسديد كلفة إنقاذ المصارف وحماية الودائع المكدّسة لديها وتأمين أرباحها الطائلة. تقول القصّة ببساطة إننا إذا رفضنا ذلك، ولم نقبل بأجور أقل لنموّل أرباحاً أكثر، فستضمحل الاستثمارات وتهرب الرساميل وتنأى عنّا وتتركنا وحدنا نواجه مصيرنا القاتم.

تجد هذه القصّة صداها الواسع في لبنان اليوم، وتكاد تكون القصة الوحيدة التي يدور حولها مشروع موازنة عام 2019. فقد نجحت الحملة الإعلامية، التي استبقت طرح هذا المشروع على مجلس الوزراء، بصرف الأنظار كلّياً عن مصادر الأزمة البنيوية التاريخية التي يعانيها المجتمع اللبناني، والكامنة أصلاً في الاقتصاد السياسي، وحوّلتها ببراعة لافتة ومدهشة الى أزمة في المالية العامّة، مصدرها فساد السياسيين وإسرافهم بإنفاق المال العام وحشر أتباعهم في وظائف متدنّية الإنتاجية في القطاع العام وتضخيم فاتورة الأجور ومعاشات التقاعد والتقديمات الاجتماعية، ولا سيّما بعد تنفيذ سلسلة الرتب والرواتب الجديدة، التي أقرّها مجلس النواب في عام 2017 بعد تجميدها منذ عام 1998، أي لمدّة 20 سنة متتالية (وتجميد الأجور في القطاع الخاص أيضاً في الفترة 1996 - 2012).
هذه القصّة قديمة، وتستمدّ قوّتها وانتشارها من بساطتها أوّلاً، ومن تاريخها النظري والعملي الطويل، الذي ينتقل من تجربة الى أخرى ومن ظروف الى أخرى، ويقدّم وصفة وحيدة تدعو إلى العلاج بالتقشّف، أي «تعديل» المؤشّرات والعوامل، عبر تخفيض الأجور والأسعار والإنفاق العام، بحجّة أن ذلك سيعيد جاذبية الاقتصاد وتنافسيته، كون الدولة سترسل بتقشّفها رسالة واضحة إلى القطاع الخاص أنها لن تنافسه على التمويل المُتاح، وبالتالي ستخفض عجزها المالي وحاجتها إلى الاستدانة.
تنطلق هذه القصة من أن النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وزيادة الدخل وتوزيعه، هي أهداف مشروطة بمدى جاذبية أي اقتصاد رأسمالي للاستثمارات الخاصة وقدرته على تكوين المدّخرات، وبالتالي مساهمته في دعم تراكم رأس المال اللانهائي. ويعدّ خفض الضرائب على الثروة والأرباح في مقدّمة عناصر الجاذبية المُقترحة، لأنه ليس هناك مكان للأثرياء، الذين يملكون رأس المال، أفضل من «الجنّات الضريبية» و«الملاذات الآمنة»، ومن ثمّ كلّما كنّا مستعدين لتمويل زيادة أرباح هؤلاء، فإننا سنحظى في المقابل بالبحبوحة، ولو كانت حصّة الأكثرية منها مجرّد فتات، فما يجدر أن نتذكّره دائماً أن المصلحة العامّة في الرأسمالية، وفق التفسير الليبرالي النظري والقانوني، تكمن في المحافظة على نمو الأرباح باطّراد وإلّا سيقع الاقتصاد برمّته في مشكلة وسيقع المجتمع في خسارة، ولذلك، علينا أن نقبل بأن تستمر الأرباح في النمو حتى ولو اضطرّنا ذلك إلى خسارة في الأجور وشبه الأجور. فمصلحة رأس المال بوصفها مصلحة عامّة تعلو المصلحة الفئوية الخاصة للطبقة العاملة، ولو كانت تشكل أكبر فئات المجتمع. فمن أجل مصلحة الجميع، على العمّال دائماً أن يتحمّلوا الخسارة، لا الرأسماليين.
إلّا أن المشكلة التي تواجهها هذه النظرية تكمن في أن الاعتماد على ضرائب مخفضة على الثروة والملكية والدخل يقلّص الحيّز المالي المُمكن لزيادة إيرادات الدولة، وبالتالي يفقدها القدرة على التحرّك في وقت الأزمات والاضطرابات، فضلاً عن أنه يساهم مساهمة فعّالة في تعميق اللامساواة في توزيع الدخل، التي تعدّ من أهم المعضلات التي تواجهها الرأسمالية في العالم، حيث يهدّد فقدان الوظائف وارتفاع البطالة وانخفاض الأجور والإحلال التكنولوجي في العمل، إلى تراجع القدرة على استهلاك المزيد من السلع والخدمات، وبالتالي تتراجع كمّية العمل المطلوب وقيمته لإنتاجها، وهو ما يهدّد نمو الأرباح التي تأتي في الحصيلة من ناتج العمل نفسه.
في التجربة اللبنانية، لجأت الحكومة، اعتباراً من عام 1994، إلى دعم الاستثمار في البلد الخارج للتوّ من حرب مدمّرة استغرقت 15 عاماً، عبر سياسات ضريبية تتّسم بالمغالاة قياساً إلى تجارب بلدان أخرى. فقد جرى إعفاء أرباح الفوائد من أي ضريبة حتّى عام 2002، ولم تخضع لاحقاً إلّا لمعدّل ضريبة نسبته 5%، تمّ رفعه قبل عامين إلى 7% ويتمّ اقتراح رفعه حالياً إلى 10%، وبالتالي سيبقى منخفضاً جداً وأدنى بكثير من معدّلات الضريبة على أرباح الشركات والمهن والأجور. كما جرى إعفاء الربح العقاري من أي عبء ضريبي حتى الآن، وجرى تخفيض الضريبة على توزيع أنصبة الأرباح على المساهمين وأرباح المضاربات على الأسهم الى معدّل مقطوع يبلغ 10%.
هذه السياسة الضريبية التحفيزية، ترافقت مع سياسة تثبيت سعر صرف الليرة في اقتصاد مدولر وأسعار فوائد سخية، ما أدّى إلى انفجار مشكلة العجز المالي في بلد مثقل بالحرب وكلفة إعادة الإعمار والنهوض بالمجتمع والاقتصاد المنكوبين. فبين عامي 1993 و1997، سارت ثلاثة مؤشّرات معاً لتتشكّل بداية الأزمة التي يواجهها المجتمع اللبناني اليوم، إذ ارتفع العجز المالي من 8% إلى 24% من مجمل الناتج المحلّي، وقفز الدَّيْن الحكومي من 46% إلى 100%، وفي موازاة هذا العجز وذاك الدَّيْن تنامى عجز الحساب الخارجي ليبلغ 40% في عام 1995، واستنزف منذ ذلك الوقت ما يوازي ربع دخل الاقتصاد اللبناني.
في ظل ذلك، توجّه الأثرياء إلى توظيف ثرواتهم المُعفاة من أي ضريبة في مجالات عالية الربحية ومدعومة بمعدّلات ضريبة منخفضة جدّاً أو غير موجودة، فتراكمت الودائع في المصارف واتجهت الرساميل إلى سوق المتاجرة بالأراضي والبناء واستيراد السلع والخدمات، ما أدّى بدوره إلى ضمور الإنتاج الزراعي والصناعي وإضعاف الخدمات ذات الإنتاجية العالية وتقليص فرص العمل وانخفاض الأجور والتشجيع على الهجرة... وبدلاً من استعادة السلاح الضريبي لتعديل الاقتصاد وزيادة الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، جرى الإمعان في الاتكال على زيادة تحويلات اللبنانيين المهاجرين والديون الخارجية، التي كلّما ارتفعت كمّيتها ترتفع معها كمّية الطلب الاستهلاكي، فصارت الآلية تعمل على الشكل الآتي: تسخير الأدوات المالية والنقدية لجذب التدفّقات المالية الخارجية، مهما كانت الكلفة، ومراكمتها كودائع لدى المصارف، واستعمالها في تمويل الاستهلاك عبر دعم أسعار الفائدة وزيادة المديونية العامّة (الدولة) والخاصّة (الأسر والشركات)، وتمويل هذه الحلقة من المال العام، ولا سيّما الضرائب على الاستهلاك.
ما يحصل الآن، ويدفع وصفة التقشّف إلى الواجهة، هو أن هذه الحلقة تعرّضت لانتكاسة كبيرة في ظل متغيّرات كثيرة محلّية وخارجية، فلم تعد التدفّقات المالية الخارجية تكفي لاستمرار تمويل هذا النموذج، أو بمعنى أوضح لم يعد هذا النموذج قادراً على جذب ما يكفي من دولارات لتمويل الاستهلاك وتغطية الالتزامات تجاه الخارج، وهو ما يعكسه العجز المتواصل في ميزان المدفوعات، وهذا يؤدّي إلى استنزاف الموجودات الخارجية وإفقاد البنك المركزي قدرته على تثبيت سعر صرف الليرة تدريجياً، وبالتالي تعريض النظام المصرفي كلّه للخطر وخسارة المودعين.
ما يجري اليوم عبر الموازنة التقشّفية هو مواجهة هذا الخطر تحديداً، فالأجور، سواء كانت نقدية أو اجتماعية، مدعوة دائماً لتحمّل ثمن إنقاذ المصارف.