بعد جلسات طويلة وعديدة، تفرّغ فيها مجلس الوزراء على مدى 25 يوماً للاتفاق على مشروع قانون الموازنة لعام 2019، أعلن وزير الإعلام، يوم الجمعة الماضي، أن المجلس أنهى مناقشة مواد المشروع وأرقامه، وسيتمّ إقراره بصيغته الأخيرة، وإحالته على مجلس النواب، في جلسة تُعقد اليوم في قصر بعبدا.

طبعاً، تريد الحكومة أن تجعل إعلانها عن إنهاء «المناقشة» بمثابة حدث إعلامي تنتظره الجماهير. فبحجّة عدم جواز التأخير يجري طمس حقيقة أن هذا المشروع تأخّر بالفعل 6 أشهر عن المهل الدستورية والقانونية والموضوعية، وهو يأتي في الوقت الذي يُفترض أن تكون الحكومة مشغولة الآن بمشروع موازنة عام 2020، أو بالسؤال عمّا بعد عام 2019. ولكن الأهمّ من طمس حقيقة التأخير الحاصل من زمان، هو طمس الحقيقة الأخرى، إذ إن هناك خشية من ترك «المناقشة» تأخذ مداها وتخرج عن قواعد اللعبة المرسومة وتوازنات المصالح المسيطرة، ولا سيّما بعد فشل التوافق مُسبقاً على المشروع قبل طرحه على مجلس الوزراء، وسقوط المقايضة التي طُرحت في اجتماع لممثّلي القوى الرئيسة في منزل الحريري في منتصف الشهر الماضي، وكانت تقضي بتخفيض الأجور ومعاشات التقاعد والتقديمات الاجتماعية بقيمة مليار دولار، في مقابل زيادة الضريبة على ربح الفوائد بقيمة 500 مليون دولار وإجراء هندسة مالية مع مصرف لبنان لاستبدال نحو 11 ألف مليار ليرة من سندات الخزينة التي يحملها بسندات فائدتها 1%، وهو ما يمكن أن يخفّض مدفوعات الفائدة بقيمة تقلّ قليلاً عن 500 مليون دولار.
منذ البداية، جرى وضع هدف اعتباطي غير مُبرَّر، أقلّه للناس، يقضي بتخفيض العجز المالي بقيمة ملياري دولار، وبالتالي تخفيض نسبة هذا العجز من الناتج المحلّي الإجمالي من 11.4% محقّقة في العام الماضي إلى 7.5% يتوجّب تحقيقها في ما تبقى من هذا العام. لنتذكّر أن أولى الخطوات للضغط في هذا الاتجاه كانت إقرار مجلس النواب قانوناً «غير دستوري» كعادته، يجيز للحكومة الإنفاق وجباية الإيرادات على «القاعدة الإثنتي عشرية» ولكن لمدّة مُحدَّدة تنتهي في نهاية حزيران. ثمّ اتّخذ وزير المال علي حسن خليل الخطوة الثانية عندما أصدر أوامره إلى مديرية الموازنة ومراقبة النفقات بوقف الحجز كلّياً لمختلف أنواع الإنفاق، باستثناء الرواتب والأجور وتعويض النقل المؤقّت (وضمناً فوائد الدَّيْن)، اعتباراً من يوم الجمعة 22 آذار/ مارس الماضي، علماً أن هذه الأوامر غير قانونية وهي من صلاحيّات السلطتين التشريعية والتنفيذية لا من صلاحيّات وزير المال وحده.
ولكن فشل التوافق وسقوط المقايضة المطروحة دفعا إلى نقل «المناقشة» في الغرف الجانبية إلى طاولة مجلس الوزراء، وهي الحلبة الرئيسة للمحاصصة ومراقبتها والذود عن المصالح الكامنة فيها، ما سمح بتحويل هذه «المناقشة» إلى ما يشبه السباق في طرح كلّ ما يمكن أن يخطر ببال لتخفيض نفقة هنا ونفقة هناك وتحصيل إيراد من هنا ومن هناك من دون المسّ بمصالح القوى المُهيمنة على الدولة والاقتصاد. إلّا أن هذا السباق دفع إلى وضع طروحات تتناقض مع بعض هذه المصالح، ولا سيّما لجهة فرض رسم جمركي على كلّ المستوردات وفرض رسوم حمائية لبعض السلع واقتراح زيادة الضريبة على ربح الفوائد إلى أكثر من 10% وتعديل نظام التقاعد الذي يستفيد منه أكثر من 110 آلاف أسرة، بالإضافة إلى الطرح الذي بقي حاضراً كلّ الوقت والرامي إلى قصّ الأجور في القطاع العام بنسبة مُحدَّدة بالجملة أو بالمفرق، والطرح الآخر الرامي إلى إجبار المصارف على المشاركة في عملية قصّ الدَّيْن... لقد عبّرت هذه الطروحات المختلفة عن التناقضات بين المصالح على الرغم من التزامها المطلق بقواعد اللعبة المرسومة، فبعضها يثير الدائنين، وعلى رأسهم المصارف، وبعضها يثير المودعين، وهم كتلة ضغط فائقة التأثير، وبعضها يثير المستوردين والتجّار الكبار، وبعضها يثير أكثر من 300 ألف شخص يمثّلون العاملين والمتقاعدين في القطاع العام، ولا سيّما العسكر، ويجدر تفادي المشكل معهم.
يقدّم وزير الإعلام في التصريح نفسه الذي أعلن فيه إنهاء «المناقشة» وصفاً دقيقاً للعملية التي جرت في مجلس الوزراء، ويشرح بطريقة طريفة كيفية الوصول إلى هدف تخفيض العجز، يقول: «هناك اقتراحات أمّنت موارد وأخرى خفّضت إنفاقاً، ونحن عملنا على زيادة الواردات وتخفيض النفقات. فعلى سبيل المثال، حين وصلنا إلى نسبة عجز 7.68%، اقترحت وزيرة الداخلية ريَّا الحسن موضوع اللوحات العمومية، فتمّ تخفيض العجز إلى 7.5%، وبالتالي هناك اقتراحات خفّضت العجز وأخرى رفعت الواردات، حتى وصلنا إلى هذه النتيجة من مجمل الاقتراحات التي وردت في جلسات مجلس الوزراء». سُئِل الجرّاح: ما هو الرقم النهائي للعجز؟ أجاب: 7.5% وفق وزير المال.
لا تنحصر الطرافة في هذه الصورة الكاريكاتورية لمناقشة مشروع الموازنة وسياسات الدولة في شتّى المجالات، بل في أن التصريح نفسه أيضاً ينقل استياء رئيس الحكومة من الكلام عن «أن مشروع الموازنة لا يتضمّن رؤية اقتصادية». ويقول الجرّاح إن الحريري ردّ بأنه «يعتبر هذا الأمر مجرّد حكي، لأن الرؤية الاقتصادية والإنمائية والاستثمارية موجودة في البيان الوزاري وفي مؤتمر سيدر وخطّة ماكينزي، وبرنامج التصحيح المالي الذي سيحصل على خمس سنوات». وختم: «علينا الخروج من هذا الكلام، ونركّز على شغلنا وعلى إنهاء العمل بالموازنة والانتقال فيها لمجلس النواب (...) فأنا لديّ أيضاً سلّة اقتراحات. فإذا كان المطلوب أن نبقى ندور ونغرق بأرقام 2019، ليس هناك من مانع، ولكن يجب أن يعرف الناس أن نسبة العجز التي وصلنا إليها مهمّة جدّاً بالنسبة للتخفيض من 11.5% إلى 7.5 %، وهذا الأمر ليس عادياً. علينا الاتكال على الله للانتهاء من موازنة 2019».
لنتجاوز قليلاً مسألة أن مشروع الموازنة المطروح هو الصكّ القانوني الوحيد، الذي يمكن أن يتضمّن رؤية للحكومة، فلا البيان الوزاري هو قانون، ولا وثيقة «سيدر» هي صكّ مُلزِم، ولا «ماكينزي» طُرحت أصلاً على مجلس الوزراء، وكذلك لا يوجد برنامج للإصلاح المالي إلّا في هذه الوثائق المذكورة التي لم يرتقِ أي منها إلى مستوى «الرؤية» المُتّفق عليها والمُقرّة وفق الأصول الدستورية والقانونية. كلّ ما في الأمر أن هذه «الرؤية» موجودة بالفعل، ويجري تنفيذها بمعزل عن «المؤسّسات»، ويفرضها تحالف المصالح المُسيطرة، الذي يريد من الحكومة أن تتقشّف أكثر في الإنفاق العام على البنية التحتية والخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية ودعم الاقتصاد الحقيقي، كبديل عن فرض الضرائب على الأرباح الطائلة والريوع والفوائد والمضاربات والاحتكارات والامتيازات والتوزيع السياسي للمنافع والمكاسب والدعم والتوظيف.
ليس بمقدور هذه القوى أن تحوّل رؤيتها إلى عقد اجتماعي، لأنها ببساطة تقوم على مواصلة كلّ ما يشكو منه الناس، ولا سيّما لجهة تحميلهم العبء الضريبي الرئيس على استهلاكهم ومعاملاتهم الإجبارية، ورفع الأسعار وتقليص القدرة الشرائية للأجور وتعظيم مكاسب رأس المال المالي والعقاري وحمايته من أي عمليّات قصّ أو تغريم أو حتّى المساهمة في الغرم المفروض على الجميع.
هذه هي رؤية الحكومة، إنها موجودة ومشروع الموازنة هو إطارها التنفيذي.