من الأمور الـ«مُعتادة» جدّاً، أو التي يتمّ التعامل معها على أنها «أمور طبيعية»، هو أن يكون للمصارف في لبنان «جمعيّة»، أو «نقابة» بمعنى أدقّ، تقوم منذ زمن بعيد بدور مجموعة الضغط الأكثر تنظيماً، أو «الكارتيل» الأكثر نفوذاً والأكثر تأثيراً في تشكيل الاقتصاد السياسي للنظام اللبناني وإدارة المصالح الكامنة فيه. ومن الأمور المُعتادة أيضاً، أن يصبح لهذا الكارتيل المصرفي اجتماع شهري دوري مع حاكم مصرف لبنان ونوّابه وأعضاء لجنة الرقابة على المصارف، يشارك في تحديد جدول أعماله، ويصدر عنه «محضر»، هو بمثابة «ورقة التعليمات»، ويوزّع على أعضاء مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية في المصارف والمؤسّسات المالية ويسرَّب قصداً إلى الصحف ووسائل الإعلام لنشر محتواه على نطاق واسع.

يقدّم الاجتماع الأخير، المُنعقد يوم الجمعة الماضي في 31 أيار/ مايو 2019، مثالاً مثيراً عن سير هذه «الأمور الطبيعية». فقد كان لافتاً أن يوجّه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تأنيباً إلى «الجمعية»، لأنها تبالغ في الاتكال عليه ولا تتحرّك لمؤازرته، فيما هو يدافع عن مصالحها. قال للحاضرين في الاجتماع بوضوح تامّ إنه بذل كلّ جهده، وذكّرهم بحديث سابق عن «أنه لن يسمح بضرائب جديدة على القطاع المصرفي». ولكن «على المصارف أن تتحرّك» الآن، وعليها «أن تبدأ حملتها» المُضادة.
لنتجاوز قليلاً المسالة الأكثر أهمّية التي يشير إليها هذا المثال، إذ ليس أمراً طبيعياً أبداً أن يجاهر حاكم البنك المركزي بدوره كممثل لمصالح الكارتيل المصرفي، لا لمصالح المجتمع والاقتصاد والدولة، وأن يغلّب وظيفته كمصرف للمصارف على وظيفته كمصرف للدولة، وأن يتصرّف كشخص خاصّ ومستقلّ لا كشخص عام عليه واجب تحقيق المصلحة العامة... لا تنقص سلامة الصراحة في هذا المجال، وسبق أن صرّح في مقابلة تلفزيونية في عام 2017، عشية التجديد له لولاية خامسة على التوالي (30 عاماً متواصلة)، أن أهمّ حكم له هو «حكم الأسواق»، وأن هذه الأسواق منحته الثقة «على مدى 24 سنة» مضت، وأن «هذه الثقة تزداد». وبالتالي لا حاجة الى تقديم أي إضافة على ما قاله سلامة بلسانه من أجل تحديد موقعه والمصالح التي يسعى إلى تحقيقها، عندما يحرّض المصارف على التحرّك فوراً للدفاع عن مصالحها ويطلب منها القيام بحملة ضاغطة لمنع «السياسيين» من الانجراف عكس المطلوب، من وجهة نظرها، في مواجهة الأزمة القائمة.
علينا أن نتجاوز هذه المسألة المهمّة لأنه سيبقى هناك من يعتبر أن هذه هي وظيفة البنوك المركزية في كلّ مكان في العالم، أي خدمة المصارف وحمايتها والذود عنها بحجّة ضمان سلامة النظام المصرفي واستقرار القطاع المالي ونموّه، وبالتالي فهي لا تخصّ رياض سلامة بشخصه، ولا مصرف لبنان بالذات، وإنّما تخصّ «النظرية» المُهيمنة التي تضع «الأسواق المالية» في مرتبة أسمى من مرتبة المجتمع نفسه والاقتصاد تحديداً، ولذلك تمنح هذه النظرية البنك المركزي استقلالية واسعة عن سائر سلطات الدولة وإداراتها وأجهزتها ومؤسّساتها، وتعزله عن أي حديث يخصّ آليات ممارسة «الديموقراطية» و«المساءلة» و«الشفافية» و«الحق بتكافؤ الفرص في امتلاك المعلومات». ما يميّز سلامة عن حكَّام البنوك المركزية الآخرين أنه لا يريد مثلهم أن يخفي المآرب الحقيقية، وهو لم يتردَّد بالإعلان، في خطاب له في عام 2013، عن أنه يخطِّط في المستقبل «لكي يلعب القطاع النقدي الدور الرائد في تطوير وتحديث الاقتصاد في لبنان». فليس أمراً عادياً أن ينظر سلامة إلى السياسة (السلطة) النقدية بوصفها «قطاعاً»، ويريد لهذا القطاع، الذي يتولّى هو إدارته، أن يقود الاقتصاد اللبناني، لا الإنتاج والعمل والابتكار. يخبرنا سلامة بوضوح أن خطّته لنا أن نخضع كلّياً لمصالح رأس المال المالي، أي رأس المال الوهمي الذي لا ينتج أي ثروة إضافية، بل بالعكس يقتات من فائض القيمة في الاقتصاد الحقيقي ويستأثِر بحصّة متزايدة باطراد من الفائض الاجتماعي، وهو ما تعكسه معدّلات اللامساواة الخارقة في لبنان، حيث 10% من السكّان يستحوذون على 55% من الدخل الوطني، و1% منهم فقط يستحوذون على 25% منه. وتستحوذ فئة الـ 10% الأكثر ثراءً على 70% من إجمالي الثروة الوطنية، فيما تستحوذ فئة الـ 1% على 40% من هذه الثروة، وحيث إن 0.8% فقط من مجمل الحسابات المصرفية تستحوذ على نحو 52% من مجمل الودائع، وتشكّل هذه الودائع 3 أضعاف الدخل الوطني السنوي برمّته، وبالتالي تستنزف الفوائد المدفوعة على هذه الودائع أكثر من ربع مجمل الدخل المُتاح لجميع المقيمين في لبنان.
ما الذي يخشاه سلامة؟ ولماذا يريد من المصارف أن تتحرّك بسرعة وتزيد ضغوطها بالتزامن مع بدء مجلس النواب مناقشاته لمشروع موازنة عام 2019؟ هل يشعر بأن المخاطر بلغت مستوى يهدِّد بتعطّل هذه الآلة التوزيعية الضخمة المُكلّف بإدارتها منذ عام 1993؟
من الواضح أن الحكومة، بعد 20 جلسة، فشلت في الوصول إلى مشروع للموازنة يرضي «الأسواق» ويخفِّف قلقها ويقلِّص توترها. ففي الأسبوع الماضي، وهو الأسبوع الأوّل الذي تلا مباشرة الإعلان عن إنهاء مناقشة هذا المشروع وإحالته على مجلس النواب، خسر مصرف لبنان أكثر من 150 مليون دولار من موجوداته بالعملات الصعبة، نتيجة استمرار الطلب الكثيف على الدولار. ووفق المعلومات، باع مصرف لبنان في الأسبوع المذكور أكثر من 200 مليون دولار واشترى أقل من 50 مليون دولار. هذا النزف مستمرّ منذ فترة طويلة، ولم تنجح في وقفه كل الهندسات المالية المُكلِفة وأسعار الفائدة المرتفعة، كما لم تنفع معه التطمينات المُتكرِّرة حول التزام الدولة المُطلق بسياسة تثبيت سعر صرف الليرة وضبط التضخّم والتزامها أيضاً بتسديد ديونها والفوائد المُتراكمة عليها من دون أي تأخير أو تعديل أو إعادة هيكلة، وكذلك لم يخفِّف من هذا النزف الإعلان أخيراً عن تخفيض العجز المالي بنسبة 2.8% من مجمل الناتج المحلّي في هذا العام، أو بما قيمته 1.7 مليار دولار، ليبلغ 7.5% من مجمل الناتج بدلاً من 11% تحقَّقت في العام الماضي.
في الاجتماع الأخير المذكور، أبلغ حاكم مصرف لبنان مُمثِّلي المصارف أنه من جهته سيواصل الأهداف نفسها، وسيستمرّ بسياسة الفوائد نفسها، ولكن هناك «تحدِّيات سلبية» تعصف بالأسواق الناشئة كلّها، ونسبة النموّ في المنطقة تتراجع، والتوترات الناجمة عن الحرب التجارية العالمية تؤثِّر سلباً على البلدان التي يعمل فيها العديد من اللبنانيين المهاجرين... ما يعني أن الأوضاع بشكل عام مُعاكسة، وتحتاج مواجهتها إلى «اتباع لبنان سياسات محافظة، لكي يتمكّن من تخطِّي هذه الفترة الدقيقة عالمياً». وأشار سلامة في هذا السياق إلى أن صافي حركة الرساميل إلى لبنان لا تزال تتراجع. وكشف أن إحصاءات نيسان/ أبريل تبيِّن أن الودائع انخفضت بقيمة مليار و350 مليون دولار، وأن الحساب القائم غير المُسدَّد (outstanding) بلغ نحو 4 مليارات دولار. وقال إن الاستيراد تراجع بقيمة ملياري دولار، وتراجعت التحويلات بالقيمة نفسها، وبالتالي سجَّل ميزان المدفوعات المزيد من العجوزات المُتراكمة.
من المتوقّع دائماً أن يردِّد حاكم مصرف لبنان أن «الخوف على الليرة أصبح من الماضي»، فليس هناك أي مصلحة في إثارة المزيد من القلق في الأسواق، ولكن ما عرضه سلامة أمام جمعية المصارف يعبِّر عن مخاطر مُتعاظمة بسبب نقص العملات الصعبة وعدم وجود قدرة للحصول على المزيد منها. لذلك، تعهَّد سلامة في الاجتماع المذكور بأن يُبقي على احتياطي مرتفع بالعملات الصعبة لديه، معلناً أنه حريص على ملاءة الدولة ولكن «ليس على حساب مصرف لبنان». وهذا هو بيت القصيد.
ببساطة شديدة، ما أخبره سلامة للمصارف في اجتماعهما الأخير أن الظروف القائمة باتت تخلق تعارضاً بين مصالح السياسيين في الدولة ومصالح المصارف والمودعين وعموم الدَّائنين، وهو لم يعد يضمن القدرة على الموازنة بينهما، وبالتالي فهو يعلن انحيازه إلى جانب المصارف، ولكن على الأخيرة أن تفعل شيئاً لإجبار السياسيين على المزيد من التنازل وعدم ممارسة المزيد من الضغوط. هذه المرّة ليس عبر التهديد بالانهيار والخراب، بل عبر حملة إعلامية تبيِّن للمقيمين في لبنان أنه لولا رياض سلامة لكانوا أسوأ حالاً بكثير ممّا هم عليه الآن. فمن الآن إلى «الانهيار» سنسمع المزيد عن أن «الوضع على ما يرام، ولا يعكِّره إلّا هؤلاء السياسيون المُسرِفون والفاسدون الذين ينفقون الأموال ويراكمون العجوزات ويزيدون الديون». وفي هذا الوقت، دعونا نلتفت قليلاً إلى أن الذين يردِّدون هذا الكلام هم أنفسهم الذين يُقرِضون الدولة ويجنون الأرباح الطائلة من الفوائد ويرفضون أن يُسدِّدوا الضرائب لتمويل العجوزات بدلاً من مراكمة الديون