يوجد ما يشبه «التواطؤ العام» على «تحريم» كل حديث يتناول مخاطر سعر صرف الليرة وحسابات البنك المركزي وعمليّاته مع المصارف والسياسة النقدية وأدواتها عموماً. لا يقتصر هذا «التواطؤ» على أطراف الحكومة الائتلافية التي تستحوذ على الأكثرية النيابية، بل يشمل الأطياف المختلفة من «المعارضات»، أحزاباً ونقابات ومنظّمات غير حكومية وحملات مدنية وحركات اجتماعية ومجموعات ساخطة ونخباً انتهازية أو صامتة... وكذلك يشمل الإعلام والصحافة أيضاً، وتلك الحفنة من «الخبراء» الاقتصاديين «الأداتيين»، الذين يسوّغون صناعة هذا «التابو» ويرسّخونه في الأدب السياسي كمزاعم علمية أو ضرورات موضوعية أو كتعبير عن الاستسلام والعجز عن تغيير اتجاهات الأمور.

حتّى الآن، ظهر الجميع كرهائن للمصالح المالية المُسيطرة، وبات الكل من موقعه وموقفه يفضّل أن تبقى «الليرة» مُحيّدة، فلا مصلحة لأحد في أن تنهار، ولا بأس بالرضوخ للقوّة السياسية الجبّارة للمصالح التي تهدِّدنا إن تجرّأنا على تحدّيها. هذا تماماً ما تدلّنا عليه النقاشات التي دارت حول قانون موازنة عام 2019 وردود الفعل عليها، وربما هذا هو الاستنتاج الأهمّ الذي يمكن الخروج به حصيلةً لهذه الجولة. فنحن، على اختلاف اللغة التي نتكلّم بها والمقاصد التي نرمي إليها والمصالح التي نبتغي تمثيلها، عبّرنا بما يكفي من رموز ودلالات ومؤشّرات وأرقام وهواجس عن إدراكنا العميق أن «اللعبة النقدية» انتهت، وأنها لم تعد تكفي وحدها لضمان قدرتنا على تثبيت سعر صرف الليرة في مقابل الدولار، وبالتالي بتنا أمام خيارات قليلة، مؤلمة كلّها. لكننا اخترنا أسوأها، أو ما قد يكون الأكثر إيلاماً من بينها، وهو «الانتظار» وتأجيل الاستحقاقات قدر الإمكان، والقبول بتسديد كلفة غير محدّدة، لشراء وقت غير محدّد، بانتظار تحقّق ظروف غير محدّدة. من أجل ماذا؟ لا شيء سوى الانتظار، وهذه هي خطّتنا الوحيدة.
لأول مرّة، يقرّ رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، علناً، أن صندوق النقد الدولي طرح تعويم سعر الليرة اللبنانية، أي أن ندع سعرها يتحرّك صعوداً ونزولاً على هواه، كما شرح لنا الحريري. لقد عُدّ هذا التصريح بمثابة «زلّة لسان»، نتجت من انفعاله وطيشه في الردّ على مداخلات قلّة قليلة من النواب، ولا سيّما جورج عدوان وجميل السيّد وحسن فضل الله، التي تناولت أفعال حاكم مصرف لبنان ومخالفاته الكثيرة. لم يتلقّف هذا التصريح الفريد سوى وكالة «رويترز»، فيما ركّزت البقية على العبارات التي تلعثم الحريري في صياغتها والتي تدعونا إلى مهاجمة الحكومة قدر ما نشاء، ولكن علينا أن نترك البنك المركزي يعمل بعيداً عن الأضواء ومن دون أي نقاش أو استيضاح أو حتّى سؤال. سارع الحريري إلى لملمة ذيول تصريحه المفاجئ عبر مستشاره نديم المنلا، الذي تلعثم أيضاً في نفي أن يكون صندوق النقد الدولي قد حثَّ لبنان على فكّ ربط عملته بالدولار، وقال: «إن التصريح الذي أدلى به الحريري أمام البرلمان بشأن مقترحات صندوق النقد الدولي، بما في ذلك تحرير سعر العملة، وصفات عامّة يوصي بها الصندوق الحكومات، وليست توصيات محدّدة للبنان».
لا تكمن أهمّية تصريح الحريري في أنه كشف سرّاً، بل تكمن في أنه لم يقصد ذلك. فكل ما أراده، أن يستخدم «الشعبوية» الرائجة هذه الأيّام، كي يتّهم كل من يتناول البنك المركزي بأنه جزء من «مؤامرة» تُحاك ضد «الليرة»! وهذا بالضبط ما يروّج له حاكم البنك المركزي رياض سلامة أيضاً، إذ تُظهر محاضر اجتماعاته الشهرية مع جمعيّة المصارف، المنشورة في الصحف، إصراره على طلب انخراط المصارف في تمويل حملة إعلامية ودعائية واسعة، تهدف إلى تقديم رواية وحيدة لما نمرّ به، تقول إن لبنان يتعرّض لضغوط خارجية هائلة، اعتباراً من عام 2015، نتيجة استهداف العقوبات الأميركية النظام المصرفي اللبناني بحجّة ضرب مصالح حزب الله والنظام السوري. وتهدف نظرية «المؤامرة» هذه إلى تبرير كلّ ما جرى منذ العام المذكور، ولا سيّما على صعيد اللجوء إلى سياسة نقدية انكماشية والحدّ من التسليف وحبس السيولة ورفع الفوائد والقيام بالمزيد من الهندسات المالية وضخّ الأرباح الطائلة في ميزانيات المصارف وتكبير رساميلها... كلّ ذلك، بهدف مواصلة تثبيت سعر الصرف وحماية النظام المصرفي وضمان أرباحه ورساميله وودائعه، في كل الظروف والأحوال.
وفق المعلومات، كرّرت بعثة صندوق النقد الدولي (مشاورات المادة الرابعة)، التي زارت لبنان بين 19 يونيو/حزيران و2 يوليو/تموز 2019، نصائحها بتخفيض سعر صرف الليرة الاسمي، كواحد من الخيارات التي طرحتها أمام المسؤولين لمعالجة أزمة ميزان المدفوعات المتمادية والحدّ من النزف المتواصل للدولارات وتأمين الحماية للدائنين ودعم النظام المصرفي. وهذه النصائح سبق أن تقدّمت بها البعثة نفسها في العام الماضي (زارت لبنان بين 1 و12 فبراير/ شباط 2018)، وكذلك فعلت (تلميحاً) بعثة صندوق النقد والبنك الدوليين المشتركة في إطار برنامج تقييم القطاع المالي، التي وافقت الحكومة على نشر تقريرها في عام 2017، بشرط حذف فقرات عدّة منه، إحداها تشير إلى أن الاحتياطي الأجنبي الصافي لدى مصرف لبنان كان عاجزاً بقيمة 4.7 مليارات دولار في كانون الأول عام 2015، وأخرى تحذّر من استمرار مراكمة الخسائر التي يتحمّلها مصرف لبنان لدعم ربحية المصارف ورساميلها وجذب التدفّقات الخارجية وزيادة الودائع، كأدوات رئيسة في سياسة التثبيت النقدي، وتحذّر أيضاً من مخاطر شحّ رساميل المصارف اللبنانية بسبب انكشافها الواسع على ديون الدولة والعقارات، وهما الأكثر هشاشة حالياً.
في الواقع، تتدهور المؤشرات المالية والنقدية بسرعة كبيرة منذ عام 2011، وتفاقمت أزمة العجز في ميزان المدفوعات وبلغت مستويات قياسية تاريخية لم يشهد لبنان مثلها في أي مرحلة من المراحل، بما فيها مراحل الحرب والاحتلال. وكذلك يسجّل صافي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي انخفاضاً مستمرّاً. كذلك بدأت الودائع تسجّل انخفاضاً بالقيمة المطلقة، بعدما كانت تسجّل نموّاً ضئيلاً لا يوازي قيمة الفوائد المدفوعة عليها. ويعاني الاقتصاد اللبناني من الانكماش وضعف النموّ وقلّة فرص العمل وتدهور في الأوضاع المعيشية... وهذه المؤشّرات ليست وهمية أو مختلقة، سواءٌ أكانت هناك مؤامرة أم لا. فالاقتصاد اللبناني يخسر ما لا يقلّ عن مليار دولار كل شهر، وعلينا أن نواجه هذه الحقيقة، ولا يوجد سوى اتجاهين للتعامل معها:
- إمّا أن نترك الأمور تتفاقم وحدها وتطيح سعر الليرة وتقضي على القدرات الشرائية والمدّخرات المتواضعة لفئات اجتماعية واسعة. وفي المقابل، نترك قلّة ضئيلة من أصحاب الثروات «المحتاطين» ينتهزون الفرصة مجدّداً لإشعال المضاربات وجني الأرباح منها والاستحواذ على المزيد من الملكيّات والأصول بأبخس الأسعار ومراكمة المزيد من الثروات. وهذا الاتجاه هو الأخطر على الإطلاق، ولا سيّما أن التقديرات تفيد بأن فئة الـ10% الأكثر ثراءً في لبنان يستحوذون وحدهم على 55% من مجمل الدخل و70% من مجمل الثروة وأكثر من 90% من مجمل الودائع بالعملات الأجنبية.
- وإمّا أن نبدأ بالانتقال إلى نظام سعر الصرف «المُدار»، المربوط بأهداف اجتماعية - اقتصادية، والذي تحتاج إدارته إلى إرادة سياسية وكفاءة عالية وحرص شديد على تغليب المصلحة العامّة وتوافر الحدّ الأدنى من التوافق على توزيع عادل للخسائر والمكاسب وآليات فعّالة للمساءلة والمحاسبة... وهذه الشروط كلّها مفقودة، ولا توجد ثقة بالإدارة الحالية كي تقوم بهذه المهمّة المُعقّدة والمحفوفة بصراعات ضخمة، ولا سيّما أن الوصول إلى استقرار نقدي مفترض، من دون تثبيت سعر صرف الليرة عبر الأدوات النقدية الباهظة الكلفة وذات الآثار السلبية الكثيرة، يعني قبل أي شيء تغيير النموذج الاقتصادي القائم برمّته، وبالتالي إحداث تغيير بنيوي في توزيع الثروة والدخل، باتجاه زيادة حصّة العمل، ولا سيّما الأجور النقدية والاجتماعية، وتصميم عملية نقل الموارد من الريوع إلى الإنتاج عبر النظام الضريبي والبنية التشريعية وتبنّي سياسات التصنيع وبعض مبادئ الحمائية وإعادة ترتيب استخدامات الأراضي في خدمة حقّ السكن والتنقّل ونموّ المدن المخطّط ورفع مستوى المعيشة وتحديث البنية التحتية وتطوير الزراعة والصناعات ذات القيمة المضافة العالية.
الواضح أننا عالقون بين هذين الاتجاهين، لا نريد أن يتحقّق الأوّل، ولا نمتلك فرصة تحقيق الثاني، لذلك نقبل باستدراجنا إلى المقولة التافهة عن «أننا جميعاً في مركب واحد»، وعلينا أن نقبل بالتقشّف وتخفيض مستوى عيشنا أكثر كي ننجو، متجاهلين كلّياً أن المركب يغرق بالفعل والمسألة لم تعد تتعلّق بإنقاذه، بل بمن يغرق معه ومن يستولي على مراكب الإنقاذ وينجو بنفسه. لذلك، إنّ تحريم الحديث عن السياسة النقدية وأولوية تغييرها وحصره بالسياسة المالية وضرورة التقشّف وتخفيض الأجور ورفع الأسعار وزيادة الضرائب على الاستهلاك، هو تماماً الترجمة العملية لمعنى «الانتظار»، الذي يعني أنّ على الطبقات الدنيا والمتوسّطة، وعلى العمّال والمهاجرين واللاجئين والنساء، أن يسدِّدوا ثمن مراكب النجاة من دون أن يكونوا مدعوين إلى ركوبها أصلاً.