الأمر الجيّد أنّ العديد من الناس بدأوا يهتمون بالمؤشرات الاقتصادية والمالية والنقدية، وهذا ما عكسه الترقّب، المجبول بالكثير من المخاوف، الذي سبق صدور نتائج المراجعة الدورية للتصنيف الائتماني للدَّين السيادي اللبناني، يوم الجمعة الماضي، من قبل وكالتي «ستاندرد أند بورز» و«فيتش». لكن في المقابل، ما زال هذا الاهتمام المتزايد يظهر كأنه «استجابة شرطية» لعملية «تضليل إعلامي» أكثر مما هو ردّ فعل على اشتداد الأزمة وارتفاع مخاطرها الكبيرة على المجتمع والاقتصاد.

ببراعة مذهلة، وُجِّهَت الأنظار نحو موعد الثالث والعشرين من آب/ أغسطس الجاري، وقُدِّم هذا الموعد كما لو أنه مفصليّ وحاسم في مسار الأزمة القائمة، أو بوصفه الامتحان الذي يُكرَم فيه المرء أو يهان. فقد بُذلت جهود حثيثة عبر الإعلام لإيهام الناس أن التصنيف الائتماني المنتظر سيكون الفيصل: إمّا أن ننجو، وإمّا أن ننهار. ونفّذت الحكومة ومصرف لبنان وجمعية المصارف حملة دعائية ضخمة للتحذير من التداعيات الخطيرة لتخفيض التصنيف السيادي والدعوة إلى بذل المزيد من التضحيات لتفاديها. وهكذا، تحوّل استحقاق التصنيف من كونه نتيجة من نتائج تفاقم أزمة تمويل النموذج اللبناني وتثبيت سعر صرف الليرة إلى سبب من أسبابها، والأهم، أنه تحوّل إلى سبب إضافي لدعوة الناس إلى بذل المزيد من التضحيات في خدمة الأسواق المالية، باعتبارها تجسّد مصلحة عامّة. ولكن، هل تتمتع التصنيفات الائتمانية بهذه الأهمية حقّاً؟
هناك انتقادات واسعة لوكالات التصنيف الدولية، ولا سيما في ظل الأزمات، حيث تصبح التصنيفات الائتمانية بمثابة مسرّعات لها، وهذا مرتبط بطبيعة عمل هذه الوكالات التي تزوّد المستثمرين العالميين بتحليل لمخاطر توظيفاتهم في أدوات الدَّين. وبالتالي، لا تُعَدّ هذه التصنيفات «موضوعية» بقدر ما تعبّر عن مصالح هؤلاء المستثمرين وسعيهم الدؤوب لحماية رساميلهم وتحويل المخاطر إلى فرص لتعظيم الأرباح. وكذلك، لا تُعَدّ هذه الوكالات ذات منفعة عامّة، بل شركات خاصة هدفها الأساسي تحقيق أقصى قدر من الأرباح، ولكنها مع ذلك تتصرف مثل جهاز قضائي يُصدر الأحكام، وهذا مصدر استهجان كبير، ولا سيما أن الأحكام التي تصدرها عبر تصنيفاتها غالباً ما تكون خاطئة، أو غير دقيقة، أو تكون مدفوعة بالمصالح التي تعبّر عنها، إذ يجدر التذكير دائماً بأنه كلما كان تصنيف أدوات الدَّين منخفضاً، كانت العوائد المطلوبة للتوظيف فيها أعلى، بحجة التعويض عن مخاطر العجز عن السداد طبعاً.
بهذا المعنى، نجحت الحملة الإعلامية في تضليل الناس، وجعلتهم يعتقدون أن مصالحهم هي نفسها مصالح المستثمرين الماليين، فلكي نحصل على المزيد من الديون والودائع بالعملات الأجنبية، كشرط من شروط المحافظة على ثبات سعر الصرف، علينا أن نقبل بالمزيد من التقشف في الإنفاق الاجتماعي والاستثماري والدعم وتخفيض الأجور ومعاشات التقاعد وتجميدها وتقليص القطاع العام والخصخصة وزيادة الضرائب على الاستهلاك... وكل ذلك من أجل مواصلة خدمة الدَّين وتخصيص الجزء الأكبر من المال العام المتاح لتمويل أسعار الفائدة السخية وتنفيذ الهندسات المالية المكلفة وتعزيز رساميل المصارف وربحيتها وتجديد الودائع وجذب المزيد منها.
في هذا السياق، جرى التركيز على التصنيف الصادر عن وكالة «ستاندرد أند بورز« وتقليل شأن التصنيف الصادر عن وكالة «فيتش»، مع أنّ هاتين الوكالتين تشكلان مع وكالة «موديز» الثلاثي العالمي الذي يحتكر أكثر من 90% من سوق التصنيفات الائتمانية، وبالتالي تتمتع هذه الوكالات بالسطوة نفسها على الدول والمجتمعات والأسواق، ولا سيما عندما تجتمع وكالتان من الوكالات الثلاث المذكورة على التصنيف نفسه، وهو ما تحقق يوم الجمعة الماضي باجتماع تصنيف «فيتش» مع تصنيف «موديز» الذي صدر في مطلع هذا العام، إذ خُفّض تصنيف الدولة اللبنانية من B- إلى CCC، تعبيراً عن ارتفاع احتمالات العجز عن خدمة الديون بالعملات الأجنبية والمحلية على المديين القصير والطويل، فيما أبقت «ستاندرد أند بورز» على تصنيفها السابق (B- مع نظرة سلبية)، وهو تصنيف متدنٍّ ويعكس الاحتمالات نفسها تقريباً.
وفي هذا السياق أيضاً، سارعت وزارة المال إلى إصدار بيان ترحب فيه بقرار «ستاندرد أند بورز»، واعتبرته يخالف التهويل الذي سبقه، علماً أن هذا البيان أشار إلى قرار «فيتش» بتخفيض التصنيف، وتجاهل كلياً التحذير الواضح الذي أطلقته «ستاندرد أند بورز» من أنها ستعمد بدورها إلى تخفيض تصنيفها بعد 6 أشهر، إذا استمرت الودائع واحتياطات النقد الأجنبي بالانخفاض، وتجاهل البيان أيضاً التحذير من أن استمرار الضعف في تدفقات العملة الأجنبية واستخدام احتياطي العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان لتمويل خدمة الديون الحكومية يمكن أن يهدد قدرة لبنان على الحفاظ على ثبات سعر صرف الليرة المربوط بالدولار. ولكن لم يفت وزارة المال أن تشدد في بيانها على أن هذين التصنيفين «هما تذكيرٌ بأهمية تخفيض العجز وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي بدأنا بها، وسنزيد وتيرتها في موازنة ٢٠٢٠ وما بعد، وبمثابة تذكير بأن لبنان لديه القدرة على تجاوز الصعاب، فيجب عدم التراخي للحظة واحدة».
في الواقع، لم يكن الهدف من الحملة التهويلية التي سبقت موعد صدور تصنيفي «فيتش» و«ستاندرد أند بورز» سوى استخدامهما محلياً للمضيّ قدماً باتخاذ المزيد من الإجراءات الموصوفة «غير شعبية»، أي الإجراءات التي تمعن في نقل مخاطر القطاع المصرفي إلى المجتمع، ولا سيما الفئات الأضعف فيه، الذين عليهم أن يقبلوا بمستوى معيشة أدنى وخسائر متعاظمة في الحالتين: سواء تُرك سعر صرف الليرة لينهار أو استمرّ تثبيته. وهذا هو المأزق الذي نواجهه في ظل النموذج القائم.
لقد عبّرت الوكالتان في تقريرهما بما يكفي من مفردات عن هذا المأزق، ولكن من وجهة نظر الأسواق لا الناس. فكل ما يهمّ، أن تحافظ الدولة على مساحة مالية كافية لمراكمة الديون وتسديد الفوائد، حتى ولو كان ذلك على حساب إفقار المجتمع وتدمير ما بقي من مصادر للعيش. لكن المفارقة أن التقريرين حرصا على التحذير من أن كل هذه التضحيات لن تكون كافية لإنقاذ الأسواق، ولا لإنقاذ المجتمع، وبالتالي لم يعد هذا النموذج قابلاً للحياة، وكل محاولات إنعاشه لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الأوجاع.