لا طائل من الاستغراق في عرض أرقام مشروع موازنة عام 2020، فليس فيها ما يستدعي التوقف عنده إلا في سياق تكرار المآخذ والتحذيرات نفسها التي صاحبت تمرير كل قوانين الموازنة منذ تسعينيات القرن الماضي حتى اليوم. ويمكن اختصار مشروع القانون الجديد المطروح على مجلس الوزراء بالمعادلة الآتية:

- تريد الحكومة أن تقصّ 1000 مليار ليرة من ميزانيات الأسر، عبر تخفيض الدعم المخصص لتثبيت أسعار الكهرباء من 2500 مليار ليرة في عام 2019 إلى 1500 مليار ليرة في عام 2020.
- في المقابل، ستعطي الحكومة هذا المبلغ الكبير لدائنيها، إذ سترتفع مدفوعات الفائدة على الدَّين الحكومي من 8312 مليار ليرة إلى 9195 مليار ليرة، أي بزيادة 883 مليار ليرة.
هذه المعادلة المحاسبية تقوم على فكرة بسيطة وسهلة، ولكنها همجية ومغالية في الاستهتار وانعدام الكفاءة والحسّ بالمسؤولية، وتكاد تكون الأساس الوحيد الذي بنى عليه وزير المال علي حسن خليل مشروعه «الموعود» لموازنة العام المقبل: فمن أجل أن تدفع الدولة فوائد أسخى إلى الدائنين، وبالتالي مراكمة المزيد من الثروات الشخصية والاستحواذ على المزيد من الدخل وإخضاع المجتمع والدولة والاقتصاد للمزيد من الابتزاز... يجب على جميع المقيمين في لبنان أن يدفعوا سعراً أعلى لاستهلاك الكهرباء، سواء عبر رفع تعرفة الكهرباء الرسمية (وهذا هو المطروح على الرغم من تحفظات بعض أطراف الائتلاف الحكومي)، أو عبر تخفيض إنتاج مؤسسة كهرباء لبنان للحدّ من استهلاكها الوقود، أي زيادة التقنين الكهربائي على ما هو عليه الآن، وإجبار الأُسر والمؤسسات على استهلاك كمية أكبر من المولدات الخاصّة «البديلة» ذات الكلفة الباهظة... والإسراع في تنفيذ عمليات خصخصة وحصحصة «كهرباء الدولة» والاستيلاء على المزيد من امتيازاتها واحتكاراتها وريوعها.
لا تكمن المفاجأة في تضمين مشروع موازنة 2020 خفضاً إضافياً لقيمة الدعم المخصص للكهرباء، فهذا التوجه معلن وصريح ويشكّل العنصر الرئيس في برنامج التقشف الذي توافق عليه الائتلاف الحكومي لخفض العجز المالي، والذي بدأ تطبيقه في موازنة 2019. لقد أعلنت الحكومة مراراً وتكراراً، في وثائقها الرسمية وتصريحات المسؤولين فيها على كل المستويات، أنها ملتزمة إلغاء دعم الكهرباء تدريجاً، في غضون 3 سنوات. هذا الالتزام المطلق ليس مطروحاً في سياق معالجة واعية لمشكلة الكهرباء من جوانبها المختلفة، بل في سياق التزامات عدّة أمام الدائنين والمودعين لتخفيض الإنفاق العام الجاري والاستثماري، ما عدا خدمة الدَّين العام، لضمان قدرة الدولة على مواصلة دفع الفوائد في مواعيدها، كأولوية فوق كل الأولويات، مهما بلغت كلفتها ومهما كانت الظروف، وكذلك ضمان عدم اللجوء إلى أي عمليات «قصّ شعر» أو إعادة هيكلة للديون وموجودات البنك المركزي والمصارف.
ما يمكن عدّه في خانة «المفاجآت»، أنّ مشروع وزير المال اكتفى بالمعادلة المذكورة لتنفيذ التزامات الحكومة، أي اكتفى بنقل إنفاق عام من خدمة جميع الناس (دعم الكهرباء) إلى خدمة فئة ضئيلة منهم، هم الأثرياء (فوائد الدَّين)، وبالتالي تعمّد سلخ هذه المعادلة اللامساواتية بامتياز عن كل محاولات تلطيفها الجارية على طاولة المساومات، ولا سيما الأفكار التي ناقشتها أحزاب البرلمان في اجتماع بعبدا الأخير، والتي لا تحيد أبداً عن تمثيل مصالح الدائنين والمودعين والمصرفيين والتزامات الحكومة تجاههم، إلا أنها تطرح مقايضات تعتبرها ممكنة لإنقاذ النظام السياسي، لا تدميره أو تغييره، وإعادة توزيع خسائره وأكلافه، ولو بصورة طفيفة لا تمسّ فعليّاً سلّم توزّع الثروة والدخل، بل تخفّف سرعة تركّزهما: ففي مقابل التزام التقشف وتخفيض العجز المالي وضمان مواصلة دفع الفوائد والالتزامات المستحقة على الدولة وتمكين البنك المركزي من مواصلة تثبيت سعر صرف الليرة وإدارة التضخم والسيولة ودعم ربحية المصارف ورساميلها وفوائد الودائع والقروض والامتثال للعقوبات الأميركية وحماية الثروات المالية المكدسة... ناقش «خبراء» الأحزاب في الورقة المرفوعة إلى اجتماع بعبدا إمكانية أن يقبل الأثرياء تحمّل بعض الكلفة المترتبة عن تنفيذ هذه الالتزامات وتقاسمها مع الطبقات المتوسطة والعاملة، وذلك عبر العودة إلى تصاعدية ضرائب الدخل وفرض الضرائب الخاصة على الريوع والامتيازات والاحتكارات والبحث في فرض الضرائب على الثروة ورأس المال، بالإضافة طبعاً إلى المحافظة على الضرائب على الاستهلاك وزيادتها، ولا سيما على الكماليات والرسوم الحمائية. وكذلك ناقشوا إمكانية أن يقبل السياسيون بتقديم بعض التنازلات عبر السماح بضبط عمليات التوظيف وضبط ميزانيات بعض المؤسسات العامة (الاقطاعيات)، ولا سيما في الاتصالات والمرفأ والمجالس والصناديق، والتخلي عن بعض التحويلات السياسية، ولا سيما المدرجة في خانة دعم القطاع الخاص والجمعيات الأهلية والمجتمع المدني ومؤسسات الطوائف. كذلك ناقشوا إمكانية أن يقبل الموظفون بإعادة النظر في نظام تقاعدهم والتخلي عن بعض مكاسبهم فيه، في مقابل وضع نظام شامل للتقاعد والتغطية الصحية للبنانيين المقيمين وتوفير النقل العام كعنصر من عناصر الأجر الاجتماعي، والحد من الاستهلاك والكلفة البيئية والصحية والعجز التجاري. وأيضاً، ناقش اجتماع بعبدا إمكانية أن يقبل الدائنون والمودعون أسعار فائدة أدنى ممّا هي اليوم، مع ترك هامش أسعار الفائدة أعلى من «الفرصة البديلة» التي يمكنهم الحصول عليها متى استطاعوا إليها سبيلا.

لا يعكس مشروع الموازنة بأي شكل من الأشكال النقاط الـ 14 التي وردت في تقرير وزير المال كأساس لوضع المشروع


لا تمثل هذه المقايضات وصفة ناجزة ومضمونة النتائج لإنقاذ النظام من ويلاته، ما دامت المصالح والأهداف والوسائل تنطوي على تناقضات لا يمكن حلّها خارج ميكانيزمات الصراع الاجتماعي وموازين القوى فيه. فمعضلة تمويل النموذج الاقتصادي اللبناني المرتهن بدرجة عالية على استمرار تدفقات الودائع والديون والتحويلات من الخارج لا يمكن حلّها دائماً في كل الوقت وفي كل الظروف، مهما بلغت الاستعدادات لتسديد كلفة أعلى فأعلى. هناك طاقة لا يمكن تجاوزها، وقد بلغ الاقتصاد اللبناني ذروة طاقته مع تحوّل ميزان المدفوعات من فائض متراكم إلى عجز متراكم اعتباراً من عام 2011، ولجوء البنك المركزي إلى تنفيذ عمليات استثنائية باهظة الكلفة للحصول على العملات الصعبة والاحتفاظ بها في دفاتره. لم يعد يكفي رفع أسعار الفائدة لجذب الودائع الجديدة بالعملات الأجنبية، وهذا ما تعنيه «الهندسات المالية» تحديداً، وانتقلت السياسة النقدية من آلية لجذب الودائع والديون الخارجية لتمويل فاتورة الاستيراد، إلى آلية لتمويل مدفوعات الفائدة المتعاظمة بالعملات الأجنبية، ولا سيما لغير المقيمين، وهذا ما يعنيه تحديداً إعلان البنك المركزي عن «الوديعة» بقيمة 1.4 مليار دولار التي حصل عليها عبر «غودمان ساكس» السيّئ السمعة.
كل عاقل، من أي موقع اجتماعي، يدرك أن التمويل على الطريقة المعتادة انتهى، لم يعد موجوداً، ولا مفرّ من تغيير كبير وبنيوي، وبالتالي لن يؤدي استمرار الإنكار والمكابرة والتهرّب من المسؤولية إلا إلى تعظيم الخسائر وتحميلها كلّها للطبقات الوسطى والفقيرة، لا للعمّال في القطاعين العام والخاص فقط، بل لأصحاب المهن ورواد الأعمال والطيف الواسع من متخرجي الجامعات سنوياً أيضاً. فما يجري على صعيد الانغماس أكثر في العمليات النقدية وبرامج التقشّف، هو ترك رأس المال المالي يفرض منطقه الخاص، فهو يريد كل شيء، ولا يريد أن يقدّم أي شيء، ويريد أيضاً أن يكسب من الأزمة التي يسببها، ويريد كذلك أن يكون لديه امتياز الحماية والقفز من المركب بمعزل عن فئات المجتمع كلّها ومستقبل اقتصاده وسبل عيشه.
يتجاهل مشروع وزير المال كل ذلك، يتصرّف كما لو أن ذلك مكانه ليس موازنة الدولة. لقد سبق لوزير المال أن عبّر في جلسة مناقشة موازنة 2019 عن قناعته بأن الموازنة ليست صكاً تشريعياً شاملاً وسنوياً يفترض أن يعكس كل سياسات الدولة في كل المجالات، بل هي إجراء شكلي. تماماً كما يعبّر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عن قناعته بأن البنك المركزي هو كيان مستقل عن الدولة، وأنه ليس مجبراً على تقديم أي كشف حساب، لأن وظيفته الوحيدة خدمة «الأسواق» لا المجتمع. لقد تضافرت قناعتا وزير المال وحاكم مصرف لبنان لتجعلا السياستين المالية والنقدية في خدمة هدف واحد لا غير، هو عرقلة أي إصلاح أو تعديل، وشراء المزيد من الوقت، ومراكمة المزيد من الأكلاف التي تظهر كزيادة في الثروات الشخصية.
من الواضح أن أطراف الائتلاف الحكومي ليست متوافقة على ما طرحته للنقاش فيما بينها، وهي جميعها لا تزال خاضعة للابتزاز والتهويل بعظائم الأمور في حال المسّ بمصالح الدائنين والمودعين وملاك العقارات والمستأثرين بالأرباح والريوع والامتيازات والاحتكارات، ولكن تطور الأزمة وارتفاع درجة مخاطرها جعلا البعض يقرّ بأن «إنقاذ النظام» بات يحتاج إلى إعادة اعتبار لمنطق الدولة، ولو قليلاً، وهنا تكمن مسؤولية وزير المال في إعداد مشروع الموازنة، فهو من موقعه كوزير للمال أولاً، وكممثل لطرف سياسي ثانياً، كان واجبه يقضي بأن يمهّد للتوافق المطلوب، لا أن يرمي الكرة في ملعب مجلس الوزراء كما يجري عادة، وبالتالي تحويل السياسة المالية إلى مباراة في زيادة إيراد من هنا وتخفيض نفقة من هناك، مع احتفاظ الجميع بحق الفيتو على إجراء يمسّ مصالح هذا أو ذاك في السياسة وفي الاقتصاد وفي توزيع الريوع.
لقد لجأ وزير المال إلى تضمين مقدمة تقريره عن مشروع موازنة 2020 مجموعة نقاط (14 نقطة)، وقال: «إن هذه الموازنة يجب أن تؤمنها»: العودة إلى القانون، وضع موازنة عامة منطقية، الانتهاء من المسائل المعلقة، استرداد كل ما أُخذ من الدولة بشكل يخالف الأصول، تحديد حصة الدولة من المداخيل، تعزيز شبكات الأمان، والبنى التحتية، وتحفيز الإنتاج، وحماية البيئة، والأملاك العامة، والتوقف عن استباحة جهاز الدولة، وتصحيح نظام التقاعد المبكر، وإعادة بناء الإدارة العامة، والتخلي عن الوحدات التي لا حاجة إليها... إلا أن مشروع الموازنة نفسه لم يؤمن أي نقطة من هذه النقاط، بل بدا ألّا علاقة بين التقرير والمشروع، فمشروع الموازنة المطروح جاء على غرار كل موازنات السنوات السابقة منذ نهاية الحرب في أوائل التسعينيات، التي اعتبر تقرير وزير المال أنها «أثبتت فشلها الكبير في تصحيح الوضع اللبناني المتأزم وفي إعادة البلاد إلى النمو المستدام والعدالة الاجتماعية وانطلاق الطاقات والمبادرات التي من شأنها إعادة تكوين النسيج الذي يؤمن النجاح الاقتصادي والاستقرار المالي والأمني والسياسي».
لقد دعا وزير المال في بداية تقريره «أن تقوم الحكومة بانعطافة كبيرة في مجال إدارة الوضع المالي، وفي مقاربة الوضع الاقتصادي والتنموي والاستثماري بشكل مختلف، يترجم في أرقام الموازنة وفي الخيارات الأساسية وفي طريقة التعاطي مع المال العام»، ولكنه ذهب مباشرة إلى تقديم مشروع للموازنة، بأرقامه وخياراته، لا يشبه بشيء دعوته هذه، بل يمثل نقيضها، أليست مسؤولية وزير المال أن يقدّم إلى الحكومة اقتراحاته لترجمة دعوته إلى «الانعطافة الكبيرة»؟