بالنسبة إليّ، كان أفضل كتابٍ للسنة هو كتاب «الاقتصاد السياسي الكلاسيكي والرأسمالية الحديثة» للاقتصاديين الماركسيين اليونانيين، ليفتيريس تسوفيديس وبيرسيفوني تساليكي. سأكتب مراجعة أطول وأكثر شمولاً لمجلة «ماركس 21» عن الكتاب، تُنشر الربيع المقبل. سوف يكون هناك بعض النقد، ولكن بالنسبة إلى الاقتصاديين الماركسيين، فإنّ هذا العمل هو قراءة ضرورية.

يكفي أن نقول الآن أنّ الكاتبين يغطّيان كلّ جوانب النظرية الاقتصادية الماركسية وتطبيقاتها على الرأسمالية الحديثة بطريقةٍ مختصرة ومنهجية. عبر هذا العرض، يقوم الكاتبان برفض النظريات الكلاسيكية الجديدة والكينزية في الاقتصاد لصالح شروحاتٍ أكثر كفاءة للرأسمالية. وقبل ذلك كلّه، هما يقدّمان أدلّةً تجريبية لإثبات القوانين الرئيسية لماركس حول عمل الرأسمالية: قانون القيمة وقانون الربحية. يتم تقديم النظرية والبرهان سويّة لشرح وإثبات نظرية ماركس عن الأزمات في الرأسمالية. الكتاب مرتفع الثمن، لهذا يجب أن يُنظر إليه كدليلٍ مرجعيّ في الاقتصاد لطلابٍ يبحثون عن شرحٍ لعلم الاقتصاد الماركسي. ولكن في الإمكان شراء كلّ فصلٍ وقراءته على حدة. والكتاب يقوم بمهمته بشكلٍ ممتاز، وهو أفضل حتى من الكتاب الضخم لأنور شيخ «الرأسمالية» (2016).
في المقابل، يستهدف الاقتصادي الماركسي الأميركي ريتشارد وولف الناشطين وليس الأكاديميين، عبر نشره لكتابَين قصيرين مهمتهما شرح الأفكار الأساسية للماركسية والاشتراكية بطريقةٍ مباشرة: «فهم الماركسية» و«شرح الماركسية». يمثّل الكتابان سلاحاً دعائياً قوياً لصالح الاشتراكية، ولكنّهما يعانيان – كغيرهما – من شرحٍ خاطئ لمفهوم الأزمات في ظلّ الرأسمالية. يتبنّى وولف الحجّة الكلاسيكية عن «نقص الاستهلاك» التي تقول إن الرأسماليين يدفعون «لعمالهم رواتب لا تسمح بشراء وتصريف الناتج الرأسمالي المتعاظم». القراء المنتظمون لتعليقاتي يعرفون أنني أعتبر هذه النظرية عن الأزمات الرأسمالية خاطئة. ماركس نفسه قد رفضها، وهي لا تتّسق نظرياً مع قانون القيمة أو قانون الربحية لدى ماركس، كما أن الأدلة التجريبية تقف ضدها أيضاً.
في الكتب الاقتصادية الماركسية لعام 2019 نجد أيضاً «دليل أوكسفورد لكارل ماركس»، من تحرير مات فيدال، توماس روتا، توني سميث، وبول برو. يجمع الكتاب بين دفّتَيه مجموعة من الفصول كتبها باحثون ماركسيون مرموقون، ويغطّي كلّ جوانب النظرية الماركسية: من المادية التاريخية إلى الديالكتيك والاقتصاد السياسي وإعادة الإنتاج الاجتماعي والنماذج ما بعد الرأسمالية.
أثار اهتمامي بشكلٍ خاص الفصل عن إعادة الإنتاج والأزمة في الاقتصادات الرأسمالية، والذي كتبه ديبانكار باسو من جامعة ماستشوستس – امهيرست. ينفي باسو وجود ما يُسمّى بـ«نظرية ماركسية عن الأزمات» ويحاول أن يُنتج نظرية تجمع بين القانون الذي ينصّ على ميل معدّل الربحية إلى الانخفاض مع نظرية «عصر الأرباح» التي صاغها أوكيشيو ونظرية «نقص الاستهلاك» التقليدية. في نظري، هذا الجهد لم يكن ناجحاً. حقيقةً، فقد استنتجت أنّ «كلّ الكتاب الماركسيين الذين يناقشون سؤال الأزمات في الرأسمالية يصرّون على أن يبنوا حجّتهم على تدمير قانون الربحية لدى ماركس واستبداله بقوانين أخرى، أو هم ينكرون وجود نظرية عامة للأزمات من الأساس».
يناقش فصلٌ آخر من فصول الكتاب مسألة تسليع المعرفة والمعلومات. في هذا الفصل، يحاجج الكتاب بأن المعرفة هي «عملٌ غير مادي» وأن «السلع المعرفية» تستبدل باطّراد السلع المادية في الرأسمالية الحديثة. لديّ نقدٌ لهذا التحليل، إذ أعتبر أن المعرفة هي ماديّة (وإن كانت غير ملموسة) وأن السلع المعرفية، إن كان يتم إنتاجها تحت ظروف الإنتاج الرأسمالي؛ أي عبر توظيف الجهد العقلي وبيع الفكرة، المعادلة، البرنامج التلفزيوني، الموسيقى، إلخ في السوق، فهذا يعني أن القيمة يمكن أن تُصنع عبر العمل العقلي، بحسب نظرية ماركس للقيمة. إن قيمة «السلع المعرفية» لا تميل نحو الصفر. لهذا السبب لا توجد ضرورة لاستخدام مفهوم «استخراج الريع» لتفسير أرباح شركات الأدوية الكبرى أو غوغل. إنّ ما يُدعى بنظرية «ترييع الاقتصاديات الرأسمالية الحديثة»، وهي تروّج اليوم كتعديلٍ أو استبدال لقانون القيمة لدى ماركس، لا تتواءم مع فكرة إنتاج السلع المعرفية.

أبحاث إيلفيرين التي تعتمد المنهج التجريبي تدعم النظرة الماركسية حول دور الإنفاق العسكري في الاقتصاد الرأسمالي. يمكن لهذا الإنفاق أن يخفّض نسبة الربح على رأس المال


كتابٌ آخر مهمّ في التحليل الاقتصادي الماركسي هو «اقتصاد الإنفاق العسكري: منظور ماركسي» لآدم يافوز إيلفيرين. عبر شرح الدور الاقتصادي للإنفاق العسكري في الرأسمالية الحديثة، يمزج إيلفيرين بين التحليل النظريّ والقياس الاقتصادي الكمّي لثلاثين بلداً خلال ستين عاماً. هذه هي الطريقة السليمة للبحث في الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع الماركسي. إن احتاج القارئ لاكتساب المعرفة حول كلّ نظريات الإنفاق العسكري والأزمات من دون ألاعيب كلامية وتشويش، فهو لن يجد أفضل من كتاب إيلفيرين.
يبدو أن أبحاث إيلفيرين التي تعتمد المنهج التجريبي تدعم النظرة الماركسية حول دور الإنفاق العسكري في الاقتصاد الرأسمالي. يمكن لهذا الإنفاق أن يخفّض نسبة الربح على رأس المال، وبالتالي على النموّ الاقتصادي، كما حصل خلال المرحلة النيوليبرالية، حين تباطأ الاستثمار والنمو الاقتصادي. ولكنّه يقدر أيضاً على رفع مستوى الربحية عبر قيام الدولة بإعادة توزيع القيمة من العمل ورأس المال؛ أي حين يضطر العامل إلى دفع المزيد من الضرائب، أو تستدين الدولة أكثر، من أجل زيادة الاستثمار والإنتاج في القطاع العسكري.
يبحث كتابٌ آخر، من وجهة نظر ماركسية، في التغيّرات الحديثة في تكوين ونشاط القوة العاملة على مستوى العالم. يدرس يورغ نوفاك، وهو زميل في جامعة نوتينغهام، الإضرابات والحركات الاجتماعية في البرازيل والهند في كتابه «التحشيد الشعبي خلال الكساد الطويل». يحاجج نوفاك بأنه، في القرن الـ21 وخلال المرحلة القائمة من الكساد الطويل في الاقتصاديات الكبرى، لم يعد النشاط السياسي الصناعي يقوم على العمل المنظّم (أي النقابات العمالية)، بل هو يأخذ اليوم شكل «إضرابات عامة» أكثر اتّساعاً، تشمل عمّالاً غير منظمين وقوى اجتماعية مختلفة من ضمن جماعتهم الأهلية. هذا النمط من التحشيد الشعبي هو أقرب إلى مفهوم روزا لوكسمبورغ عن الإضرابات العامّة منه إلى التكوين «الأورومركزي» للنقابات العمالية. يبني نوفاك حجّةً تقول بأن حدّة الصراع الطبقي بين العمال ورأس المال تخلق باختلاف المرحلة ضمن دورة الصعود والهبوط التي تمرّ بها الاقتصاديات الرأسمالية باستمرار. يقتبس نوفاك من كتّابٍ مختلفين يحاولون أن يثبتوا أنه حين تكون الرأسمالية في حالة انتعاشٍ عامة بمقاييس النمو والاستثمار والتوظيف، يشتدّ الصراع الطبقي (إن قسناه بعدد الإضرابات)، تحديداً قرب نقطة القمّة في الانتعاش الاقتصادي.
كان هناك أيضاً عددٌ من الكتب الاقتصادية التي لا تتبع الأورثوذوكسية الماركسية، وليست ماركسية حصراً في نظري، نُشرت هذا العام. أكثرها شعبية والذي نال مديحاً من أطرافٍ واسعة كان كتاب «مسروق – كيف ننقذ العالم من التمويلية» للكاتبة غرايس بلاكلي، وهي باحثة بريطانية شابة في الاقتصاد الاجتماعي وناشطة عمالية. تقول بلاكلي إن «كلّ ثروتنا تجري سرقتها عبر المؤسّسات المالية الكبرى، وبذلك يقوم القطاع التمويلي بتركيع الاقتصاد الذي نعتمد عليه». وعلينا بالتالي أن ننقذ أنفسنا من المؤسسات المالية هذه. هذه باختصار هي رسالة الكتاب الجديد. كما أن مفهوم «التمويلية» هو الذي يهيمن على نظرة الكاتبة إلى الرأسمالية، وليس استغلال العمل.
يهدف كتاب «مسروق» إلى تقديم تحليل جذريّ للأزمات والتناقضات في الرأسمالية الحديثة وسياساتها، بشكلٍ يمكن أن ينهي حالة «التمويلية» ويعطي الكثرة قدرة التحكم بمستقبلها الاقتصادي. إن القبول بهذا النموذج يعني بأن رأس المال التمويلي هو العدو، وليس الرأسمالية ككل، ما يعني إقصاء القطاعات المنتجة (أي التي تخلق القيمة) من التحليل. فوق ذلك، فإنّ سردية أنّ القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد الرأسمالي قد أصبحت تحت سيطرة الريعيين أو المصرفيين لا تؤيّدها الوقائع. ولأنّ هذا التحليل فيه مشكلة في الأساس، فإنّ سياسات الإصلاح التي تنتج عنه هي أيضاً غير كافية.