بيلباو | شكّلت الصين صدمة عالمية في إدارة النفايات والمخلّفات حول العالم عندما أعلنت السنة الماضية توقفها عن استقبال النفايات البلاستيكية لإعادة تصنيعها في مصانعها، ما خلق تحوّلاً عالمياً أساسياً في مجال إعادة التدوير. وكان هناك وقع مماثل للقرارات الواردة في اتفاقية بازل بشأن القيود المفروضة على تجارة البلاستيك والحظر العالمي على تصدير النفايات الخطرة، فأفسحت المجال أمام ظهور مشهد جديد للأعمال في هذا القطاع، فضلاً عن مشهد جيوسياسي جديد أيضاً.

بدورها، الهند احتجزت، أخيراً، هواتف ذكية بقيمة 700 مليون دولار تعود إلى كبريات الشركات المتعددة الجنسية التي انتهكت بنود «مسؤولية المنتج الممتدة» الخاصة بتصاريح الاستيراد والمتعلّقة بكيفية إدارة النفايات الإلكترونية. الخطوة الهندية شكّلت سابقة في اتجاه مسار جديد في التعامل مع «إدارة النفايات» ضمن أفق قدرة الدول على تغيير الواقع.



إدارة موارد وليس نفايات
بحسب رئيس ISWA (المؤسسة العالمية لإدارة النفايات) انطونيس مافروبولوس، هناك أربعة اتجاهات جديدة تعيد تعريف ما يسمّى إدارة النفايات: الاحتباس الحراري، النفايات البحرية، الاقتصاد الدائري، وصعود الثورة الصناعية الرابعة.
يتبنّى مافروبولوس فكرة الاقتصاد الدائري لإدارة النفايات بكونها إدارة للموارد (بدل النفايات) لتصبح جزءاً لا يتجزّأ من أسواق الموارد العالمية. ويرى أن "الثورة الصناعية الرابعة" هي التي ستعيد تعريف الاقتصادات من خلال تقدّم الروبوتات، والتوسّع في استخدام الإنترنت، واستخدام السيارات من دون سائق، وجميع اختراعات أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي... وكلها تقع في قلب تحوّل إدارة النفايات وترتبط ارتباطاً وثيقاً بوجهات نظر الاقتصاد الدائري ومستقبل الكوكب.
«تتغير النفايات التي ننتجها بشكل مستمر وفقاً لوسائل الإنتاج والابتكار التقني ومستوى الدخل والاحتياجات الجديدة التي نحاول تغطيتها والوضع الاجتماعي - السياسي المرافق...، إلا أننا لا نستطيع تخيّل أنه سيأتي يوماً تظل فيه النفايات كما هي لمدة 20 عاماً، فسيكون هذا يوم إعلان موت المجتمع»، كما يقول.
إذاً، ما هي الاتجاهات في معالجة النفايات المستقبلية؟

"انترنت الأشياء"
حتى الآن، ليست هناك تقنية تسهم في حلّ مشكلة الزيادة المتوقّعة في حجم النفايات في العالم وخصوصاً الإلكترونية منها. والنقاش يتركّز الآن، حول الرهان على الثورة الصناعية الرابعة والابتكارات التي تساعد على مواجهة تحديات هذه الزيادة في كمية النفايات الإضافية. فعلى سبيل المثال، هناك ما يسمى "انترنت الأشياء"، أي عندما أصبح أكثر من 21 مليار جهاز موصول بالانترنت (مع توقع أن تصل إلى 50 ملياراً عام 2030)، وهذا وحده يحفّز الاقتصاد الدائري ويدعم دورات المنتج الأطول والصيانة الوقائية للمعدات، مثل النفايات الإلكترونية وأجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكيّة والثلاجات وغسالات الملابس وأجهزة التلفزيون وما إلى ذلك من أجهزة يتم تشغيلها بواسطة الانترنت ومراقبتها وإعطاء التعليمات لمستخدميها حول كيفية صيانتها وتطويل عمرها والتخلّص منها عبر استعادتها والاستفادة من المعادن الثمينة في تكوينها... بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يكون "إنترنت الأشياء"، أو وجود كلّ الأشياء على الانترنت، أساس مخطّطات المسؤوليّة الموسّعة للمنتجين العالميين الذين سيراقبون باستمرار المواد الخطرة ويوفرون أفضل مسار متاح لإدارتها أينما كانوا وأينما كانت تلك السلع، ولا سيما "النفايات الإلكترونية".

عدم كفاية إعادة التدوير
"تبلغ قيمة المواد المفيدة التي نفقدها بسبب عدم تدوير النفايات الإلكترونية نحو 62 مليار دولار سنوياً، لأننا نرمي 75% من النفايات الإلكترونية حول العالم. الثورة الصناعية الرابعة تقدم حلاً جديداً يعتمد على الروبوتات القادرة على إعادة تفكيك المعدات (النفايات الإلكترونية) بكفاءة عالية ودقّة ومعدلات استرداد عالية.

62 مليار دولار

قيمة المواد المفيدة المفقودة بسبب عدم تدوير النفايات الإلكترونية وهي ناتجة عن رمي 75% من النفايات الإلكترونية حول العالم

تم تطوير هذه الروبوتات لأنها قد تكون وسيلة فعّالة للشركات لتوفير المال والسيطرة على سلسلة التصدير والاستهلاك الخاصة والمساهمة في تقليل الاعتماد على المواد الخام أو توفيرها. لذا، هناك فرصة حقيقية لإغلاق الحلقة وتقليل النفايات الإلكترونية…" وفق مافروبولوس. إلا أن "إعادة التدوير" ليست كافية لحل المشكلة، لأن الشركات، بحسب قواعد السوق، تقلّل من عمر الهواتف المحمولة بشكل مستمر بهدف تسويق منتجات جديدة وتقنيات أحدث ما يؤدي عملياً إلى تجاوز فوائد إعادة التدوير، أي أن النموّ المتواصل للمبيعات والاستهلاك يترك أثراً بيئياً. المفارقة، أنه طالما هناك فرص لإنتاج المزيد بأقل كلفة ممكنة، فإن الشركات لن تتراجع عن إنتاج المزيد والتضحية بإعادة التدوير، لا بل أصبحت هذه الشركات أكثر إنتاجية رغم أنها تستخدم عمالة وطاقة ومواد أقل. كل ذلك ناتج من الزيادة الهائلة في الاستهلاك التي تجاوزت المكاسب التقنيّة وأنتجت مزيداً من التدهور البيئي والتلوث. "لا يمكننا تكرار هذا النمط في الثورة الصناعية الرابعة، لأن الكوكب قريب جداً من الأضرار الجسيمة التي لا رجعة فيها والتي تسبب تهديدات وجودية للبشر"، كما يقول رئيس ISWA.

حواجز التدوير
يحدّد انطونيس خمسة حواجز تعترض الاقتصاد الدائري:
ــ ليس لدينا تعريف واضح وملموس للاقتصاد الدائري انطلاقاً من تحديد ثلاثة أشياء: التسلسل الهرمي للنفايات، والمستويات الجغرافية والتشغيلية المختلفة المطلوبة، وأخيرا الروابط مع الحاجات الاقتصادية والعدالة الاجتماعية للجميع. هذه الحاجة تنبع من كون التعريفات التي تتعلق بالاقتصاد الدائري متباينة. هناك من يقول بأنه يشمل الأنشطة التجارية كإعادة التدوير المعتادة، فيما بعضهم يتجاهل التسلسل الهرمي للنفايات، وآخرون يضيّقون نطاقه إلى الحدود المحلية بينما الاقتصاد الدائري يكون عالمياً أو لا يكون.
ــ ثمة اعتقاد بأن النفايات الصلبة تُعالج بإعادة التدوير. هذا الاعتقاد مضلّل لعمق المشكلة، لأن مشكلة تسارع وتيرة نموّ كمية النفايات تكمن في طرق الإنتاج والتصنيع واستخراج واستخدام المواد الخام. ومع ذلك، في الممارسة العملية، فإن جميع التدابير الملموسة تقريباً، والأهداف الكميّة المحدّدة تتعلق بإدارة النفايات البلدية وإعادة تدويرها! ربما يعود ذلك إلى كون تطبيق السياسات في البلديات والسلطات المحلية أسهل بكثير من تحفيز التغيير الجاد في الصناعة. في المقابل، إن النفايات البلدية لا تشكل سوى جزء صغير يتراوح بين 5% و10% من إجمالي النفايات المتولّدة. وبمعزل عن نسبة التقدّم في عملية إدارة النفايات، إلى أن الحاجة الكبيرة تبقى في كيفية الإنتاج ونوع المنتجات والمواد المستخدمة... التغيير يجب أن يشمل هذه الأساسات وإلا لا يمكن توقع تقدم كبير في إدارة النفايات وإعادة التدوير، كما لو أن حارس المرمى عليه أن يغير لعبة بقية اللاعبين العشرة في الملعب، من دون أن يترك هدفه ولا حتى لثانية واحدة!

الشركات تقلّل من عمر استخدام الهواتف المحمولة بشكل مستمر لتسويق منتجات جديدة وتقنيات أحدث منتجة بأقل كلفة ممكنة. إن تسارع وتيرة نموّ كمية النفايات ناتج من طرق الإنتاج والتصنيع واستخراج واستخدام الموادّ الخام


ــ الأرباح التجارية لا تزال دفترية. بمعزل عن الأرباح المعلنة، هناك معطيات تشير إلى أن أكبر الشركات في العالم لا تزال تواصل جني الأموال من النموذج الدفتري الحالي والنمو المستمر للاستهلاك. فعلى سبيل المثال، هناك شركة معروفة في الولايات المتحدة الأميركية تنفق 5 ملايين دولار سنوياً على تشجيع إعادة التدوير و800 مليون دولار لبيع المزيد من الزجاجات البلاستيكية في الوقت نفسه! في هذه الحالة، ما معنى الالتزام بإعادة التدوير والاقتصاد الدائري مقارنة بالواقع؟
ــ قياس النموّ عبر أداة "الناتج المحلي الإجمالي". فكرة النموّ المستمر تتناقض مع تمديد عمر المنتج لمدى الحياة. إعادة الاستخدام تعدّ مكوّناً رئيسياً في الاقتصاد الدائري، لكن لا يقاس على إجمالي الناتج المحلي. فعلى سبيل المثال، "Skype" قدّم خدمة مجانيّة ساهمت في تحسين حياة البشر، إلا أن هذا التحسّن لا يُحتسب في مقاييس الناتج المحلي الإجمالي، بينما استمرار المكالمات الهاتفية بالطريقة القديمة سيزيد الناتج المحلي الإجمالي! وتظهر المشكلة بشكل أشمل عندما نعتقد بأنه يمكن أن يكون لدينا نموّ اقتصادي مستمر بلا حدود في كوكب بموارد محدودة! هذه العقيدة الاقتصادية تقع في صميم العديد من المشكلات التي نواجهها اليوم وهي غير متوافقة مع مفهوم الاقتصاد الدائري الحقيقي.
ــ لا يمكن أن يكون لدينا اقتصاد دائري مزدهر وبصمة إيجابية اجتماعية من دون عدالة اجتماعية. الاقتصاد الدائري ليس مفهوماً محايداً ولا يمكن تجاهل آليات تنفيذه والمستفيدون منها والنتائج بين خاسرين ورابحين. في ظل تجاهل هذا الأمر مقابل التركيز على الجوانب التكنولوجية ونماذج الأعمال والتدفقات المادية، لا يكون هناك معنى للتجديد في المفاهيم الاقتصادية إذا لم تؤدّ إلى تقديم نموذج ونظام أفضل.