هل يمكن امتصاص تداعيات الأزمة الحالية وبأيّ أدوات؟

حتى الآن، صار واضحاً، أن لبنان سيحتاج إلى مساعدة دولية أسمّيها "صندوق للاستقرار الاقتصادي ولتأمين السيولة". أقدّر أن تتراوح حاجة لبنان بين 20 مليار دولار و25 ملياراً، ما يفوق المبالغ المحدّدة في مؤتمر سيدر بقيمة 11 مليار دولار للبنية التحتية. لبنان سيحتاج إلى أكثر بكثير من أجل دعم الاقتصاد واسترجاع بعضاً من عافيته وتجنّب الدخول في ركود اقتصادي عميق يتقلّص فيه الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 10% مع كل أثره السلبي اجتماعياً واقتصادياً من بطالة وإفلاسات وزيادة لمعدات الفقر الذي بات مستشرياً. الفئات الأشدّ فقراً تُعدّ بنحو بأكثر من 200 ألف شخص لا يمكنهم الحصول على الغذاء. وهناك 500 ألف يرزحون تحت خط الفقر الأعلى ويعيشون بأقل من 5 دولارات يومياً. هذا الأمر يزيد بطريقة كبيرة ونحن لا نزال في خضمّ الأزمة. وفي الوقت نفسه، هناك تضخّم في الأسعار بنسبة 20%، أي ما معناه أن الذين يتقاضون أجورهم بالليرة ستتقلص قدراتهم الشرائية بهذه النسبة، وهذه الأزمة ستطاول الشرائح الفقيرة أولاً وهو ما يجب تجنبه أولاً.

من أين سنأتي بكل هذا المبلغ؟
هذا يتطلب تمويلاً دولياً. لدينا عجز في الموازنة وعجز في ميزان المدفوعات. كان يفترض أن يكون عجز الموازنة 9.5% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية 2019، لكنه في الواقع سيسجّل 15%. وزير المال (علي حسن خليل) صرّح على التويتر أن إيرادات الخزينة انخفضت بنسبة 40% في آخر فصل من السنة الجارية، وهو الفصل الأهم الذي يستحوذ على قسم كبير من الإيرادات، لذا لم تعد هناك إمكانية لتمويل لبنان بموارده الذاتية. أما الأموال المحجوزة في مصرف لبنان فقد استعملت لتمويل الدولة، واليوم يتأمّن التمويل عبر ضخّ كتلة نقدية إضافية في السوق تؤثّر سلباً على سعر العملة في السوق الموازية. نحن نستورد 85% مما نستهلكه سواء استهلاك مباشر أم عبر السلع المستوردة للإنتاج المحلي. لهذا السبب لا نحتاج إلى حكومة اختصاصيين فقط، بل نحتاج أيضاً إلى خطّة مالية اقتصادية على مدى ثلاث سنوات. ما يُحكى عن موازنة تخفض العجز هو أمر سطحي. هذه الخطة ستطلب الاعتراف أن قيمة الدين السيادي انخفضت. 70% من موجودات المصارف الموظّفة في مصرف لبنان وفي سندات الدولة (سندات خزينة بالليرة أو يوروبوندز بالعملة الأجنبية)، وسندات اليوروبوندز العالمية انخفضت. يجب أن نعترف بهذا الواقع الذي يتطلب إعادة رسملة المصارف. على مساهمي المصارف أن يغطّوا هذه الخسائر بعدما انخفضت قيمة الديون 30% على الأقل.
لدى المصارف موجودات، لكن هناك حاجة إلى تغطية خسائرها على ديون الدولة، ويجب إعادة جدولة هذه الديون. أقترح أن يصار إلى تنفيذ عمليات "ريبو فايلينغ": نعيد جدولة مستحقات ديون الدولة على مدى السنوات الأربع المقبلة، في سندات دين جديدة تمتدّ على 5 أو7 أو 10 سنوات وخفض الفائدة عليها إلى 1%. هكذا نخفض كلفة خدمة الدين في الفترة المقبلة والأمر نفسه بالنسبة إلى الديون الخارجية. لكن يجب أن تكون لدينا مصداقية ضمن خطة مقبولة للمستثمرين الذين اشتروا سندات الدولة، لذا أقترح أن نطلب من الدول التي شاركت في مؤتمر سيدر أن تقدم هذه الضمانة بعد إعادة النظر في نتائج هذا المؤتمر وتحويله إلى باريس 5.

هل تعتقد أن لبنان محكوم باللجوء إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي؟
من ضمن هذه المجموعة يمكن لصندوق النقد أن يلعب دوراً تقنياً ليحدّد حاجات لبنان وحجم الخسائر ومتطلبات رسملة المصارف، وأن يطرح على المجموعة الدولية الخطّة الإنقاذية للبنان.