لا شكّ بأنّ سنة 2019 سجّلت الأرقام الأسوأ منذ بداية الأزمة بالنسبة إلى القطاع المصرفي، خصوصاً بعد أن شهدت الأشهر الثلاثة الأخيرة منها الانهيار الأكثر وضوحاً وصراحة. ولعلّ أبرز التحوّلات في هذه السنة كان تسجيل القطاع – وللمرّة الأولى - تراجعاً في إجمالي قيمة الودائع المسجّلة في الميزانيّات المجمّعة للمصارف.



ففي السنوات السابقة، ورغم وجود أزمة كبيرة على مستوى التحويلات الخارجيّة وميزان المدفوعات، ورغم التحديات التي كانت تخلقها هذه الحالة، تمكّن القطاع المصرفي من تسجيل زيادات سنويّة في إجمالي حجم الودائع في ميزانيّات المصارف المجمّعة بفضل قدرته على سحب السيولة من الأسواق من خلال الفوائد المرتفعة الممنوحة للزبائن مستفيداً من مساهمتها في الهندسات المصرفيّة التي ينفذها مصرف لبنان.
أمّا في عام 2019، فقد شهدنا تحوّلاً في نمط زيادة الودائع، وتفاقم الأمر لاحقاً بعد موجة السحوبات الكبيرة إثر انتفاضة 17 تشرين الأوّل. وبحسب الإحصاءات الصادرة عن مصرف لبنان لغاية شهر تشرين الثاني من 2019، فقد تراجعت ودائع المقيمين وغير المقيمين من 173 مليار دولار في مطلع السنة، إلى 161 مليار دولار في نهاية تشرين الثاني، أي بانخفاض قيمته 12 مليار دولار ونسبته 7%. علماً بأن الانخفاض الأكبر مسجّل في شهر تشرين الثاني تحديداً إذ تراجعت الودائع بقيمة 5.7 مليار دولار، ما يعكس وتيرة النزف الناتجة من السحوبات النقديّة المتواصلة لغاية اليوم.
هذا النزف الكبير في الودائع لا يعبّر بشكل دقيق عن الانخفاض الفعلي. فخلال هذه الفترة، ثمّة فوائد استحقّت على الودائع أضيفت إلى أصل المبالغ. عمليّاً، تشكّل الزيادة الناتجة من الفوائد ارتفاعاً في الالتزامات على شكل ودائع، لكنّها ليست زيادة في سيولة القطاع أو موجوداته. ومن أجل احتساب حجم النزف الفعلي في ودائع الزبائن خلال هذه الفترة، يقتضي حسم قيمة الفوائد التي استحقّت عليها شهرياً. ويمكن الحصول على هذه القيمة من خلال احتسابها بحسب متوسّط الفوائد المثقلة لكلّ من الودائع بالليرة اللبنانيّة والدولار الأميركي شهرياً.
في النتيجة، يكون قد استحق على الودائع المصرفيّة خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني ولغاية تشرين الثاني فوائد إجماليّة بقيمة 10569 مليون دولار أميركي، وهي القيمة التي ينبغي حذفها من التغيّر في إجمالي حجم الودائع، للحصول على التغيّر الفعلي، أي بعد تحييد أثر الفوائد. وبعد حسم قيمة الفوائد، يصبح التغيّر الفعلي في إجمالي حجم الودائع انخفاضاً بقيمة 22546 مليون دولار، أي ما يوازي 13% من إجمالي حجم الودائع المصرفيّة في مطلع 2019. كذلك يتبين أن النتيجة التفصيلية الشهرية لهذا التغير أن الودائع سجّلت تراجعاً في 10 أشهر من أصل 11 شهراً وارتفعت فقط في حزيران.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

بسهولة يمكن ملاحظة أثر إجراءات ضبط السيولة المتّخذة في شهرَي تشرين الأوّل وتشرين الثاني، على التغيّرات في حجم الودائع بالليرة وبالعملات الأجنبية. فعلى سبيل المثال، بين نهاية أيلول ونهاية تشرين الثاني، انخفضت قيمة الودائع بالليرة بما قيمته 5 مليارات دولار، أي ما يوازي 11% من الودائع في نهاية أيلول الماضي. أما الودائع بالدولار، وبفعل الإجراءات التي اتّخذتها المصارف لضبط عمليّات السحب النقدي، فقد سجّلت انخفاضاً أقل بقيمة 2.6 مليار دولار فقط، أي ما يوازي 2.1% من الودائع في نهاية أيلول الماضي.
في المحصّلة، يبدو واضحاً أنّ تداعيات الانهيار المالي امتدّت إلى سيولة وملاءة القطاع المصرفي مباشرة، بعدما سعى مصرف لبنان لسنوات عبر إجراءات استثنائيّة، لتحييد القطاع عن آثار الأزمة الماليّة. لكنّ النزف الذي بدأ بالحصول منذ تشرين الأوّل الماضي سيكون التحدّي الأكبر أمام المصارف ومصرف لبنان، وخصوصاً أن حجم السحوبات الشهريّة أصبح وازناً مقارنة بحجم ودائع القطاع المصرفي والسيولة المتوافرة لديه. وهناك تحدٍّ ثانٍ مرتبط بحجم السحوبات الكبير الذي ظهر آخر شهرين بالليرة اللبنانيّة، الأقل تأثراً بالقيود المصرفيّة، إذ أن هذه المبالغ ستزيد الطلب على الدولار في السوق الموازية ما أدّى إلى جانب مضاربات واسعة على الليرة، إلى انخفاض قيمة الليرة مقابل الدولار.