يواجه لبنان خمس أزمات مترابطة: عجز في ميزان المدفوعات، القطاع المصرفي، سعر الصرف، عجز الموازنة، وأزمة اجتماعية عميقة. كلّها ستؤدي إلى أزمة مجتمعية تضع لبنان على المحكّ. عملياً، دخلنا مرحلة توزيع الآلام، أي توزيع الخسائر الناجمة عن هذه الأزمات، فيما ازدادت فرص الانزلاق نحو مسار فوضوي إذا لم تكن خيارات المعالجة واقعية وعميقة ومدروسة نحو بناء مجتمع جديد ومختلف.

الأزمات التي نواجهها ليست اقتصادية فحسب، إنما جوهرها سياسي؛ المحاصصة، سوء الحوكمة، وسياسات المحاور. كلّ ذلك مكلف وينعكس مباشرة على معيشة اللبنانيين، وبالتالي لا مفرّ من أن نتحاور في العمق ومن دون التفاف ودوران. هذا الحوار يفترض أن تكون هناك حكومة قادرة على استعادة الثقة، وهو أمر يحتاج له لبنان لاستعادة علاقاته الخارجية. الثقة هي ثقة سياسية واقتصادية ومن دونهما لن يحصل لبنان على قروض ولا على مساعدات، وسيكون صعباً إذا لم نقل مستحيلاً مواجهة التصحيح المالي وحيداً.
لعلّ الأجدى إعادة التموضع بضعة أشهر إلى الوراء. تحديداً في تشرين الثاني 2018 يوم اتّفق ممثلو الأحزاب في اجتماعات المجلس الاقتصادي والاجتماعي على 22 نقطة. ربما كنّا تفادينا الوصول إلى المرحلة الراهنة. وتكرّر الأمر أيضاً في توصيات اللجنة الاقتصادية في الاجتماعات التي دعا إليها رئيس الجمهورية ميشال عون في بيت الدين في الصيف الماضي. كان المسار واضحاً للجميع: الدين العام غير قابل للاستدامة. أبرز أسباب انعدام الاستدامة، تراجع النموّ في السنوات الماضية وتحوّله إلى معدّلات سلبية في السنة الماضية والسنة الجارية وربما في السنة المقبلة أيضاً، والعجز المالي المتفاقم.
عملياً، نحن أمام أزمة معقّدة ومتشابكة. أمّا المعالجات فلا تُجدي نفعاً إذا لم نرسم سياسة مالية صارمة ذات بعد اجتماعي يعيد إلى اللبنانيين بعضاً من العدالة إن لم يكن كلّها. كذلك هناك شرط أساسي: أن تكون هذه السياسية ذات صدقية واستدامة عالية، لأن لبنان اليوم يقع تحت مجهر الأسواق المالية الدولية، وتراقبه دول العالم التي يستورد منها السلع والخدمات.
في هذا الإطار تتزاحم الأولويات، لكن هناك أولوية قصوى لمعالجة عجز ميزان المدفوعات. هو القيد الأول ضمن سلسلة الأزمات وحصّته الأكبر من الفجوة المالية بالعملات الأجنبية التي لا تزال تمثّل خطراً رئيسياً داهماً على الاقتصاد الوطني وترتّب أعباء كبيرة على المجتمع اللبناني. يجب علينا أن نردم هذه الفجوة تدريجياً حتى لا نقع تحت ضغوط التمويل الخارجي القصري. وعلينا التأقلم مع واقع جديد يفرض تغيير ثقافة الاستهلاك والبذخ ونبذ الفساد والهدر من خلال نظام المحاصصة الذي تعودنا عليه من سنوات طويلة وأضحى جزءاً من جيناتنا.
هكذا يتوجب على الحكومة التوصّل إلى مقاربة واضحة لمعالجة العجز المالي. يتطلب هذا العجز حلّاً مستداماً يتمثّل في خفض الإنفاق وزيادة الدخل من دون زيادة الضرائب بالضرورة إلا عند اللزوم الأقصى والمبرّر اقتصادياً وعلمياً؛ هذا هو التحدّي الرئيسي للحكومة. لكن هناك شكوك بأنه يمكن دفع الثمن الاجتماعي والسياسي للتصحيح الاقتصادي خلال فترة قصيرة ومن دون تواصل شفاف مع الشعب اللبناني.
هناك مسألة ملحّة تتعلّق بسداد الديون أو التخلّف عنها. يكفي القول إن المقاربة الحالية بين الدفع أو التخلّف عن السداد هي مضلّلة وليست عقلانية اقتصادية وتخدم مصلحة الشعبوية البحتة. وأنا أستحسن النهج الذي يعرض بدائل متاحة كخيارات علمية، أي أن تكون المقاربة مبنيّة على المعادلة التالية: مزايا الدفع مقابل كلفة عدم سداد سندات اليوروبوندز. في لبنان تكرّست ثقافة الدفع وعدم التخلّف عنه، وهي وحيدة واستثنائية بين كلّ بلدان العالم، ما يوجب الحفاظ عليها، لأننا نحتاج خلال الفترة المقبلة إلى استيراد الرساميل في انتظار أن نتحوّل اقتصادياً إلى بلد منتج وهذا الأمر يتطلب سنوات عدة.
فإذا تخلّفنا عن الدفع الآن، لن يكون بإمكاننا، العودة إلى الأسواق المالية الدولية قبل وقت طويل ليس بإمكاننا انتظاره، وهذا الأمر يثير تساؤلاً أساسياً: ماذا نفعل في هذه الفترة، خصوصاً أن احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية لن تكفي أكثر من سنة ونصف على الأكثر؟
ثمّة من يدّعي أن دفع سندات اليوربوندز هو مؤامرة على الشعب الفقير (المودعون)، بينما يمكنني أن أجزم بثقة، أن المؤامرة هي عدم الدفع كما تعهدت الدولة. علينا اعتبار أن ما سندفعه في آذار ونيسان، وربما استحقاق حزيران أيضاً، استثمار في استعادة قدراتنا التمويلية في المستقبل القريب شرط أن تكون هناك خطة متكاملة وواقعية. رغم كل ذلك، علينا أن ندخل في عملية إعادة هيكلة سلسة تخفض كلفة الاستدانة.
وهذا ممكن إذا تمكنّا من معالجة إشكالية ديون وودائع القطاع المصرفي في ما يخدم الاقتصاد.
في اعتقادي، إن سدّدت الدولة استحقاقاتها وخسرت بعض القيم من احتياطها، ستكون تحت ضغط أكبر لناحية انضباط سياستها المالية المستقبلية لأنها ستفهم أن هذه هي فرصتها الأخيرة. ومن المحتمل أن عدم تسديد السندات سيؤدي إلى ملاحقات قانونية لبنان بغنى عنها. ليس في قدرة أي أحد أن يجزم أن العواقب ستكون بسيطة وغير مكلفة.

رسملة المصارف أصبحت ضرورية لأنها بمثابة جسر بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد النقدي


لا أحبّذ حصول اقتطاع عشوائي لمدّخرات اللبنانيين، لكن أقترح ضريبة استثنائية بمفعول رجعي (الظروف الاستثنائية تبرّر فرض الضريبة بمفعول رجعي) على جميع الفوائد المكتسبة منذ 2009 ولغاية 2019 على الفوائد التي تفوق نسبتها 5% سنوياً. هذه ضريبة عادلة على من استفاد أكثر من غيره، ويمكن استعمالها في رسملة المصارف من قِبل الدولة لكي تعود وتبيعها مع ربح كما حدث سابقاً في بنك الاعتماد اللبناني؛ ويمكن أيضاً للدولة أن تستعمل هذه المداخيل من أجل تفعيل النمو والحماية الاجتماعية الضرورية والمنتظرة.
التعامل مع صندوق النقد ليس خياراً سهلاً، إنّما هو خيار مرّ علينا دفعه بسبب سياساتنا السابقة. نحن أوصلنا أنفسنا إلى هذا الخيار، وعلينا أن نجد التمويل الكافي لخلق نموّ وفرص عمل، ولو من خلال الاستدانة لأن الاستدانة من الصندوق لن تكون كافية وعلينا الاتكال على مواردنا الداخلية ومساعدة الدول الصديقة من أجل النهوض المنتظر، إذا لم نخلق نموّاً فسنبقى في دوّامة فقر وهجرة.
في المقابل، لم يعد صندوق النقد الفزاعة التي كان عليها في سنوات الألفين أو حتى في السنوات العشر الماضية، إذ تعلّم كثيراً أن برامجه كانت صارمة ومجحفة إلى حدّ تفقير ذوي الدخل المحدود. علماً بأن المسؤول الحالي عن لبنان هو شخص أرجنتيني يعلم جيداً ما مرّ ويمرّ به بلده؛ ورغم ذلك، علينا كخبراء وطنيين أن نراقب وننتقد حيث يجب من أجل ضبط إيقاع السياسات التي يقترحها.
رسملة المصارف أصبحت ضرورية لأنها بمثابة جسر بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد النقدي؛ يجب الحفاظ على دورها ضمن قواعد صارمة وتنافسية. ومن الممكن أن أكثرية المصارف اللبنانية ليست لديها القدرة لتكوين رساميل كافية من خارج مودعيها للنهوض وتمويل اقتصاد جديد مبنيّ على المعرفة. ويضاف إلى ذلك أن الشعب اللبناني فقد الثقة بها رغم أنها تعيش حالة نكران.
كذلك، هناك معركة سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار. في المبدأ لا يجوز الاستمرار في وجود سعرين أو أكثر لليرة، لأن ذلك يخلق اختلالات في سوق القطع يستفيد منها المضاربون. وليس المجال متاحاً للخوض في عرض نظري وتقني دفاعاً عن سعر الصرف المتحرّك وحيثياته. ففي الواقع، استعمل المصرف المركزي منذ زمن مدّخرات اللبنانيين للدفاع المستميت عن ثبات سعر صرف الليرة على مستوى لا يمثّل قدرة الاقتصاد وإنتاجيته. هذه كانت غلطة مميتة أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم، لذا علينا القبول بواقع السوق الحالي وتحرير تدريجي لسعر الصرف مع الأخذ في الاعتبار القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود وتحرير الأسواق من جميع الاحتكارات الظاهرة والمقنعة وزيادة الحد الأدنى للأجور بطريقة متحركة كل ستة أشهر.
هناك حلول أخرى يجب التطرّق لها، ربما نتطرق إليها في مقال آخر، لكنها تستوجب الخروج من الإطار الفكري التقليدي والشروع في فلسفة اقتصادية جريئة غير متوافرة حالياً.

* خبير اقتصادي

تابع صفحة «ملحق رأس المال» على فايسبوك